إذا نظرت في خارطة إلى بحر الشام وحدَّدت مدينتيه الساحليتين طرابلس شمالًا وعَكَّا جنوبًا، ثم سِرْت منهما على خَطَّين متوازيين إلى الشرق بلغ بك المسير بعد مرحلتين من طرابلس وثلاث إلى أربع مراحل من عكا إلى مفاوز مُتَّسعة تمتد على مدى البصر إلى جهة تدمر، فالفرات شمالًا وإلى مشارف الشام فاللجا وتلال الصفا حتى جبال حوران وسهول البلقاء جنوبًا، فكل تلك النواحي الرحبة الأرجاء التي تقيس نحو أربعمائة كيلومتر طولًا في مثلها عرضًا تعرف اليوم ببادية الشام.
ولم تكن هذه البادية في سالف الأجيال قفرة قليلة السكان لا تكاد تجد فيها كاليوم غير قُرًى معدودة أو بعض أحياء البدو الذين يتنقلون فيها مع مواشيهم انتجاعًا للمراعي، وإنما كانت بعد تَملُّك الرومان عليها في أوائل التاريخ المسيحي أصبحت كروضة غَنَّاء شَيَّد فيها أصحابها المدن العامرة لسكنى الأهلين وابْتَنَوا الحصون الحريزة تأمينًا للطُّرق، وعزَّزوا الزراعة والفلاحة وأنبطوا الآبار وحفروا الصهاريج لجمع مياه الأمطار وخدَّدوا القُنِيَّ لسقي المزروعات، والآثار الباقية من هذه الأعمال إلى يومنا تنطق بعمران تلك الأصقاع وحضارتها الراقية.
أما سكَّانها فكانوا من عناصر شتى، بينهم الرومان المستعمِرون، لا سيما من الجنود الذين أتمُّوا مدة خدمتهم، ثم جالية اليونان من بقايا الدول السابقة منذ عهد الإسكندر والسلوقيين، ثم الوطنيون والفِنِيقيُّون الذين احتلوا تلك البلاد لاستثمارها والمتاجرة فيها.
وكانت تلك الأنحاء أوفق ما يتمناه العرب لسكناهم فترى أهل الحَضَر منهم يسكنون القرى ويتعاطون أشغال الفلاحة، أما أهل الوَبَر فكانوا يَرعون مواشيهم في الأرياف ويرتزقون بلحومها وألبانها وأصوافها، وقد نما فيها عددهم حتى رسخت قدَمُهم وصار إليهم الأمر.
وكان الرومان في بدء احتلالهم يعدُّون العرب كخطر على البلاد، لما اعتاده أهل البدو من الغزوات وشن الغارات والسلب والنَّهب فحاوَلوا غير مرة كسر شوكتهم غير أنهم عرفوا بالاختبار أنهم لا يظفرون بهم ظفرًا تامًّا ما لم يستنجدوهم ويستعينوا ببعض عشائرهم لقطع دابر الشاذ الباقين منهم، فحالَف الرومان شيوخ قبائلهم ودفعوا لبعضهم قسمًا من السلطة على بادية الشام بصفة شيوخ أو ملوك فكانوا يتصرفون مع أهل جنسهم تَصرُّف السيد مع المَسود، وربما زاحموا الدولة الرومانية كلما كانوا يشعرون بانتفاض حَبْلها أو ضعف وُلاتها، فترى النَّبطيِّين منهم في أواسط القرن الأول للمسيح مُتقلِّدين الحكم على دمشق نفسها، كما ورد عن الحارث ملكهم في رسالة بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنتية (11: 32) وتبعه في الحكم غيره من النَّبَط، وقد أفادنا تاقيتس المؤرِّخ في تاريخ طيطس بأن الرومان كانوا اتخذوا في مقدمة جندهم كتيبة من العرب كانوا يتقدمون الجيش في محاربة أورشليم على عهد وسبسيانوس وابنه طيطس، بل كان الرومان يدفعون لبعض الفِرَق العربية وظائف معلومة ليقوموا بحراسة التخوم الرومانية من جهة البادية، وقد أخبر أميان مرقلينوس (Ammien Marcellin, XXV, 6.) في ترجمة يليانوس الجاحد بأن بعض شيوخ هؤلاء المتحالفين قَدموا على القيصر وشَكَوا إليه تأجيل عمَّاله في دفع رواتبهم فغضب يليانوس وزَجَرَهم بقوله: إنه أعدَّ لهم حديدًا (لقتالهم) لا ذهبًا (لأجرتهم)، فخرجوا ناقمين على الرومان ولحقوا بجيش العجم وحاربوا يليانوس مع جيش سابور فكانت عليه الدولة.
أما الديانة التي كانت عليها أمم بادية الشام وقبائلها فكانت خلطًا من أديان الوثنية، فكان اليونان والرومان أَتَوا بمعبوداتهم المنوطة بالسيارات كالمشتري وزُحَل وعُطارد والزُّهرة والمريخ، فأكرموها إكرام أجدادهم ومواطنيهم لها في أثينة ورومية، ونشر الفينيقيون عبادة تموز وعشتروت والبعل، أما النبط فكانوا يُفضِّلون ذا الشرى (Dusares) واللات وشمس ويتع، ثم اختلطت هذه العناصر المتباينة وتداخلت أديانهم ببعضها وأكرم كل قوم معبودات القوم الآخَرين.
وفي غضون ذلك ظهرت النصرانية وقامت لمناهضة تلك الأديان كلها دون أن ترضى أن تختلط بها أو تبادلها بشيء، والمُرجَّح أن الدين المسيحي دخل بلاد العرب من غربي الجزيرة من جهة الشام حيث انتشر بعد صعود السيد المسيح بزمن قليل كما ورد في سفر الأعمال، ولا يقبل العقل أن بولس الرسول رحل إلى العربية كما جاء في رسالته إلى أهل غلاطية (1: 17) دون أن يكون سبقه إليها أحد من المُتَنَصِّرين أو خلف فيها أثرًا من دِينه.
والظاهر أن النصرانية دخلت أولًا في حاضرة حوران أعني بُصرى كما تشير إليه التقاليد القديمة التي تناقلها الكتبة اليونان والسريان ثم العرب المسلمون من بعدهم، فقد ورد في جدول دورتاوس السوري لتلامذة السيد المسيح السبعين أن تيمون أحد الشمامسة السبعة المذكورين في سفر الأعمال (3: 8) نشر الدعوة النصرانية في مدينة بُصرى فعُدَّ كرأس أساقفتها، وفي الروايات التي تداولها الكتبة النصارى عن الرسل وأثبتها السمعاني في مكتبته الشرقية (ج4، ص1–20) أن البعض منهم تلمذوا العرب وخَصُّوا بهم عرب بادية الشام وحوران كما يظهر من القرائن، وصرح بالأمر المقريزي في كتاب الخطط والآثار (ج2، ص483) فروى عن متَّى العشَّار «أنه سار إلى فلسطين وصور وصيداء وبصرى»، وقال ابن خلدون في تاريخه (2: 150): «إن برتلماوس بعث إلى أرض العرب والحجاز»، أما تدمر وباديتها فذكر سليمان أسقف البصرة في كتابه السرياني المعنون بالنحلة (Budge: Book of the Bee, p. 106.) أن يعقوب بن حلفا بشَّر فيها.
على أن هذه الشواهد في الدعوة النصرانية الأولى في بادية الشام تعم كل عناصر الأهلين ولا تفرز العرب من سواهم، فتُبْقي شكًّا في تنصُّرهم إلا أن ما يتبع ذلك العهد من الشواهد التاريخية أصرح وأجلى (1). فقد أفادنا مُؤرِّخو العرب أن القبيلة الأولى التي تولَّت على بادية الشام باسم الرومان إنما كانت قُضاعة من قبائل اليمن، ثم غلبتها على الأمر سليح ثم جاءت بعدهما قبيلة غسان فملكت على تلك الجهات وبَقِي مُلْكُها إلى ظهور الإسلام، والحال أن هذه القبائل الثلاث قد دانت بالنصرانية على رأي أولئك المؤرخين، قال اليعقوبي في تاريخه (طبعة ليدن، 1: 234) عن قُضاعة: «إن قُضاعة أول من قَدم الشام من العرب فصارت إلى ملوك الروم فمَلَّكُوهم، فكان أول الملك لتنوخ بن مالك بن فهم … فدخلوا في دين النصرانية فملَّكهم ملك الروم على مَن ببلاد الشام من العرب.» وكذلك بنو سليح فقد صرح بنصرانيتهم المسعودي في مروج الذهب (طبعة باريس 3: 216) قائلًا: «وردت سليح الشام فتغلبت على تنوخ وتنصَّرت فمَلَّكها الروم على العرب الذين بالشام.»
أما نصرانية غسَّان فهي من الأمور التاريخية الراهنة التي لا يختلف فيها اثنان، على أن كاتبًا من البَغادِدَة أغفل اسمه كان تصدَّى لنا في هذه المسألة ونَشَر في المقتبس (2: 382) رأيًا خالف فيه مجموع المؤرخين وزعم أننا بنسبتنا النصرانية إلى غسان ركبنا شططًا، فرددنا عليه بمقالتين ضافيتين نشرناهما في الشرق (10: 519–554) جمعنا فيهما البينات اللامعة والشواهد الساطعة التي تثبت تَديُّن غسَّان وأحيائها وملوكها بالنصرانية، ولا بأس أن يقال: غسان كلها مع إمكان وجود بعض أفراد أو عشائر لم يكونوا نصارى فإن الكلام على الأغلبية، ولإثبات زَعْمنا أتينا بالأدلة التابعة التي لم نركن فيها إلى أقوال مؤرِّخِي العرب فقط وكل ذي انتقاد يعلم أن كتبة العرب لم يُدوِّنوا تاريخًا صحيحًا قبل القرن الثامن، وإنما نقلنا نصوص كَتَبة يُوثَق بهم من يونان ورومان وسريان ممن كانوا معاصرين للحوادث التي فصلوا أخبارها وأمكنهم الوقوف على صحَّتها، إما بالمعاينة وإما بصوت العموم.
..........................................
(1) ومن أعلام الأمكنة الدالة على نفوذ الرومان بين العرب ما دعاه ياقوت (1: 935) بثمد الروم بين الشام والمدينة.