من المفاهيم البارزة للآية التي هي مورد البحث هو اعتبارها الدفاع عن الأرض والمحرومين والصراع مع الظالمين حرباً في سبيل الله. والدفاع يختلف عن الجهاد الابتدائي الذي يقوم فيه النبي الإلهي بمحاربة طواغيت عصره امتثالاً لأمر الله ولكي يدعوهم إلى الدين السماوي، وإن كان الجهاد الابتدائي أيضاً يعود إلى الدفاع بالتحليل العميق، كما أنه يختلف عن الجهاد الدفاعي ضد الأفراد الذين يرمون إطفاء نور دين الله لأن موضوع الآية التي هي مورد البحث هو قتال مجموعة أخرجت من ديارها ظلماً، كما وقع البعض منهم أسرى أو سجنوا، وهم الآن يريدون استرجاع وطنهم.
وفي مثل هذه الظروف، يكون الناس المؤمنين الذين يعلمون أن الله كما أمر بتجنّب ظلم الناس، أمر أيضاً بالامتناع عن الخضوع للظلم، فعندما يمتثلون لأوامر الله القاضية بحفظ الأوطان وتحرير مياههم وأراضيهم ويثورون لتحرير أسراهم، فإن قتالهم هذا سوف يكون في سبيل الله، على العكس من كفـاح الملحدين الذي لا يكون في سبيل الله بأي حال من الأحوال، بل هم وأعمالهم في سبيل الغي والطاغوت، كما هي الحال في الثورات الشيوعية السابقة؛ لأنهم لا يؤمنون بالله ولا بالقيامة.
والأدلة التي تثبت أنّ تحرير الوطن والمياه والأراضي هو قتال في سبيل الله،
1. لم يرد في الآية التي هي مورد البحث حديث عن سعي جالوت الظالم لإطفاء دين الله، كما لم يرد حديث عن ثورة بني إسرائيل المشردين من أجل إيقاد شعلة الدين، بل كان استدلالهم على وجوب الثبات في الحرب يقوم على تهجيرهم من أوطانهم وسلب أبنائهم منهم. (وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) [البقرة: 246] فلو كان خطر زوال الدين موجوداً لكان النبي (صلى الله عليه وآله) هو المسؤول عن مجابهة ذلك الخطر، كما أنّ التعليل بالتبعيد وليس بخطر زوال الدين يشير أيضاً إلى أن هدف المجاهدين كان تحرير وطنهم.
أما دعاء (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 250] المنقـول عـنهـم فـهـو أيـضـاً كـان دعاء لخواصهم لا جميعهم، لذا فيمكن أن يكون الذين يحملون مثل هذا الهدف مجموعة قليلة بين هذه المجاميع الكثيرة.
2. تكرّرت كلمة في سبيل الله مرتين في الآية، ولو كانت الحرب المقصودة ليست في سبيل الله لاستحال تعاون نبي الله لقيادة الحرب ولذكرهم في جوابه بعدم كونها حرباً في سبيل الله. إذن، فسكوته ذو المغزى ـ بل إقراره ـ يعد دليلاً على كون الحرب المذكورة حرباً في سبيل الله. ثم إن القرآن الكريم يورد هذه القصة دون إنكار، وهذا دليل قاطع على أن قتال المسلمين لتحرير مياههم وأراضيهم وسجنائهم هو جهاد (في سبيل الله).
3. جاء في أول آيات القتال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 244] وهو يمثل شعاراً يغطي كل القصة بأجمعها، ولا يدع مجالاً لافتراض عدم شمول ذلك العنوان العام المذكور للقتال في سبيل تحرير الوطن الذي يندرج ضمن تلك المجموعة. وعلى ذلك، فالذي يستفاد من الآية التي هي مورد البحث ـ مضافاً إلى الآيات السابقة. هو وجوب محاربة الظالمين، وإن كان ذلك القتال هو لتحرير الأسرى والسجناء واستعادة الوطن.
ومما يجدر الإشارة إليه هنا أن من يقاتل فقط من أجل استرجاع الأرض أو تحرير الأسرى والسجناء، وإن كان معتقداً بالله تكون قدرته على الحرب محدودة؛ لأنه لا يجيز لنفسه أن يخوض الحرب إلا في حالة عدم تسببها في مقتله أو أسره وإلا فستكن مثل هذه الحرب نقضاً للغرض المقصود منها.
وفي مقابل ذلك، يكون من يقاتل في سبيل إعلاء كلمة الحق مصوناً من خطر الخوف من قلة الجند (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 249] كما أنه يرى مقتله في سبيل الله هو الفوز بالحياة المثلى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ) [آل عمران: 169] لذا نرى مثل هذا النوع من الناس يصمدون إلى اللحظات الأخيرة من ألحرب.