0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الأساس الشرعي للتفريق القضائي للهجر

المؤلف:  حسن قحطان عبد الأمير صادق

المصدر:  التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة

الجزء والصفحة:  ص 40-54

2026-10-22

25

+

-

20

تؤكد مبادئ الشريعة الإسلامية على ضرورة عدم الإضرار بالغير، وتؤكد على وجه الخصوص على رفع الضرر الحاصل بين طرفي الحياة الزوجية ولما لهذا الضرر من تأثير قد يمتد على مدى استمرار تلك الرابطة، فللتفريق القضائي أسس شرعية تتضح من خلال آراء المذاهب الاسلامية المتعددة بمدى مشروعية الهجر كأساس وسبب كافٍ للحكم بالتفريق ، حيث سنتناول في الفرع الأساس المستمد من القرآن الكريم ، وفي الثاني الأسس المستمدة من السنة والأحاديث النبوية الشريفة وفي الفرع الثالث الأسس المستمدة من المصادر الأخرى.
الفرع الأول
الأساس المستمد من القرآن الكريم
إن الطلاق يختلف عن التفريق ، فالطلاق هو حق للزوج ويستطيع استخدامه بإرادته ومتى يشاء (مع التقيد بالقيود الشرعية والقانونية والقضائية)، بالعكس من التفريق الذي قد يكون خارج ارادة الزوج ، فهو فعل طارئ يقع على العلاقة الزوجية ويفرق بين الزوجين درئا للأذى أو الضرر الحاصل على احد طرفي العلاقة الزوجية ، وله من الأساس الفقهي ما ورد في كتاب الله الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقرآنيا أمر الله سبحانه وتعالى بمجموعة من الأوامر والنواهي التي يمكن الاستناد إليها في تحديد أساس التفريق للهجر، نستعرضها تباعاً وكما يلي:
أولاً: وجوب المعاشرة بالمعروف
لقد وردت أسس متعددة لمشروعية التفريق والطلاق والفرقة بين الزوجين في كتاب الله عز وجل (القرآن الكريم) في مواضع متعددة، والذي يعد المصدر الأول والأسمى في الشريعة الإسلامية في ما أورده الشارع المقدس من أحكام وقواعد مقدسة واجبة الأتباع وفيها تفصيل لكل شيء ، فقد ورد ما يستدل من خلاله على مشروعية التفريق وعدم الهجر أو تعمد الاضرار، في قوله تعالى: ورد الأمر الإلهي في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خيْرًا كَثِيرًا (1)، وللحديث عما يستفاد من الآية الكريمة يمكن أن تلقي الضوء على المسائل الآتية:
أ. الدلالة الشرعية للمعاشرة بالمعروف
المعاشرة في اللغة: مفاعلة من العشرة، وهي المخالطة وهي مشتقة من العشيرة بمعنى الأهل والمعروف ضده المنكر، وسمي المأمور به معروفاً لأن النفوس تألفه وتأنس به ولا تنكره (2).
وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعاشرة بالمعروف في هذه الآية على الوجوب؛ لأن صيغة (عاشروهن) هي صيغة أمر في اللغة العربية، والأصل في الأمر الوجوب وقد فسر العلماء المعاشرة بالمعروف بأنها تشمل ثلاثة جوانب أساسية:
1. النية الصالحة، إذ لن يستطيع الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف إلا إذا أضمر في قلبه الخير والإحسان لها في نواياه، قال الله تعالى: إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْراً (3) .
2.القول الحسن أن يختار الزوج من الكلمات ما يدل على المحبة والملاطفة كالنداء بأحب الأسماء، وحسن طلب الحاجة، والتجنب التام لألفاظ الجرح والانتقاص من زوجته وقد صح عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قوله: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.
3. الفعل الحسن، ويشمل النفقة بالمعروف على قدر الامكان، وكف الأذى، وحسن الهيئة، والمعاملة الطيبة، فهي قد لا تكلف الزوج شيئا ، ولكنها تنتج الكثير من المحبة والالفة داخل الاسرة.
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم " وأضاف الإمام الألوسي في روح المعاني أن المعروف : ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد النصفة في القسم والنفقة والإجمال في القول والفعل (4).
ب. أثر ترك المعاشرة بالمعروف على استقرار الأسرة
يترتب على الإخلال بواجب المعاشرة بالمعروف آثار قانونية ونفسية واجتماعية خطيرة تهدد كيان الأسرة، وتؤدي في أحكامها القصوى إلى التفكك الأسري والطلاق (5):
1. الآثار القانونية
تعد المعاشرة بالمعروف حقاً واجباً للزوجة على زوجها، وتركها يشكل إخلال بالتزامات الزوج الأساسية التي امره الله عز وجل بها، وأن تارك المعاشرة بالمعروف يعد أثماً وأن للزوجة الحق في رفع الأمر إلى القضاء للمطالبة بحقوقها .
2. الآثار النفسية والاجتماعية
أثبتت الدراسات أن الخلافات الزوجية المتكررة الناشئة عن ترك المعاشرة بالمعروف تؤدي من جهة إلى(6) انهيار الأمن العاطفي تتراكم المشاعر السلبية ويتحول الحوار إلى مواجهة مشحونة ، فيشعر كل طرف بأن الآخر يتعمد إيذاءه، وتبنى جدران دفاعية تحول دون التواصل الصادق، ويضاف إلى ذلك فإنه مع الوقت، تصبح الخلافات المتكررة سبب في اتساع الفجوة النفسية بين الزوجين ويصعب إعادة بناء جسور التواصل دون وعي وإرادة مشتركة، أما إذا اختار أحد الطرفين إلى الصمت، يعيش الزوجان بجوار بعضهما لا مع بعضهما، فتزداد الفجوة ويتعقد الحل.
وكذلك فإنه من الآيات الكريمة التي يمكن أن يستفاد إليها في إيجاد أساس شرعي للتفريق للهجر في قوله تعالى : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )، "حيث ان الآية الكريمة تشير إلى ضرورة عدم امساك الزوجة على وجه الاضرار، أي بمعنى ان ابقاء الزوجة في دار الزوجية مع تقصد الاضرار بها، يعد تصرفا محرما وغير جائز (7). فالرجل اذا طلق زوجته وارجعها في فترة الرجعة حتى لا يمكنها أن تتزوج من رجل آخر، ثم طلقها بعد ارجاعها الى عصمته وهكذا بقصد الاضرار بها فهنا يكون عامدا الأضرار بالزوجة لإطالة مدة العدة عليها، وهذا ما نهى عنه القران الكريم ، فأما أن يمسكها بعد ارجاعها مع الاشهاد على الرجعة ، ويعاشرها بعد ارجاعها بالمعروف أو ينتظرها حتى تنتهي فترة عدتها فيسرحها بالإحسان ولا يضر بها (8) .
ومن الآيات التي يستند إليها المفسرون ببيان مشروعية التفريق لاسيما، عندما لا يمكن استمرار الحياة الزوجية، قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ * وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (9)
حيث إنه إذا استمر الضرر والخلاف داخل العلاقة الزوجية فأنه الحل يكون بالتفريق، وبالتالي فأن الله يعوض الطرفين بمن هو خير أي يعوضها بمن هو خير من زوجها ويعوض زوجها بزوجة تكون خيرا له من زوجته ، فبقائهما على العلاقة الزوجية معا يعني بقاء الضرر وبالتالي يمتد تأثيره إلى الأسرة التي يؤكد الدين الاسلامي دائما على ضرورة رعايتها.
وورد عن ضرورة الصلح قبل التفريق ، فالأولوية للجمع لا التفريق ، والأولى دائما التدخل بقصد الخير وحل النزاعات قبل التفريق أو الطلاق كما ورد في قوله تعالى في كتابه الكريم:
((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلِّحًا : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)) (10) فنلاحظ أن القرآن الكريم يشير الى وجوب تلافي الضرر أولا، ومن ثم والانتصار للطرف المتضرر بالتفريق بينه وبين ما يمكن أن يسبب له الضرر.
أن مبدأ الصلح خير هو قاعدة كلية في الشريعة الإسلامية، وذلك لقول النبي صلى الله عليه واله وسلم : الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ويفسر القرطبي الآية بأن الزوجة إذا خافت من زوجها النشوز وهو الإساءة بالقول والفعل، أو الإعراض وهو الترك والصدود ، فإنه يجوز لهما الصلح. (11)
وبالتحليل النفسي للآية الكريمة، نجد أن المشكلة ليست مادية بحتة بل نفسية أيضا، فكلمة (خافت) تشير إلى حالة نفسية سلبية تعيشها المرأة؛ فهي لا تخاف الفقر بقدر ما تخاف من الجفاء والعقوق فإن الآية تطلب من الزوجة ألا تصبر على الظلم، بل تبحث عن حل شرعي (الصلح) يزيل الخوف من قلبها وأن قوله تعالى ( والصلح خير) يعني أن التنازل عن بعض الحقوق المادية خير من التنازل عن كرامتك النفسية أو خير من العيش في حالة من الخوف الدائم. (12)
وفي الوقت ذاته نلاحظ تأكيد الآيات الكريمة على ضرورة التدخل لحل الخلافات و المشاكل التي تسبب الضرر ففي الصلح خير ، فيكون الصلح ليس على حساب الطرف الضعيف وإنما يكون حل الخلافات وتجاوزها. (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاء إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) (13) .
ففي كتاب الله عز وجل خير السبل في ادامة الرابطة الزوجية وفيها الكثير من الادلة والبراهين على ضرورة التوفيق بين اطراف العلاقة الزوجية وفض الخلافات التي قد تحصل فيها بالطرق الودية والتي تحفظ للطرفين حقوقهما ، فان تعذر ذلك أو كان الضرر مستحكما ولا يمكن مع وجوده استمرار الحياة الزوجية ، جاز حينها التفريق ويبقى الحكم بالتفريق في جميع الأحوال خاضعا لمستوى جسامة الضرر الحاصل على الطرف المتضرر.
فالحياة الزوجية في الدين الاسلامي تقوم على مبدأ المعاشرة بالمعروف او التسريح بالإحسان ، ولا مكان للضرر ضمن هذا المبدأ ، فهو اما بقاء الزوجين مع المعاشرة بالاحترام والمودة المتبادلة ، واما الافتراق وكذلك يجب ان يكون الافتراق بإحسان ولين.
وعليه، يتضح مما تقدم أن القرآن الكريم لم يشرع التفريق بين الزوجين أو الطلاق على سبيل الإطلاق أو التعسف، بل جعله حل استثنائي يمكن اللجوء اليه عند تعذر استمرار المعاشرة الزوجية السليمة واستحالة تحقيق مقاصد الزواج، ويعد القرآن الكريم الاصل التشريعي الذي يستند إليه الفقه الإسلامي ولا يخالفه ومن ثم القوانين الوضعية في المناطق الاسلامية، فقد تم اعتماد الاليات التي شرعها الله عز وجل ، واكد عليها الفقه الاسلامي ، في إقرار أنظمة التفريق القضائي بسبب الضرر أو الهجر أو الشقاق، تحقيقا لمقاصد العدالة وصيانة لكرامة الإنسان وحفضا للحقوق.
ثانياً: تحريم إبقاء الزوجة معلقة
تكرس الشريعة الإسلامية لمبدأ العدل والرحمة في العلاقات الزوجية، وتحرم كل ما يمس كرامة المرأة أو يعيق حريتها في اختيار مصيرها. ويتجلى ذلك في تحريم ابقاء الزوجة معلقة، ففي تلك الحالة تعيش الزوجة بين كونها متزوجة ومطلقة دون وجود حل حاسم. وقد نزل القرآن الكريم بآيات قاطعة تحرم هذا السلوك الذي قد يتخذه الزوج وتضع ضوابط صارمة للعلاقة الزوجية والتأكيد على وجوب ان تبقى اما قائمة على المعروف أو تنتهي من خلال التسريح بالإحسان.
أ. مدلول الآيات الكريمة في تحريم التعليق
إن إبقاء الزوجة معلقة أي تعليقها بين أن تكون ذات زوج أو مطلقة من الممارسات المحرمة في الشريعة الإسلامية، وذلك لما يلحقه التعليق من ضرر بالغ بالزوجة، فيجعلها تعيش في حالة من الظلم والاضطهاد النفسي والاجتماعي وقد اكد الفقهاء الاسلاميين على حرمة هذا الفعل وردع من يقوم به من خلال منح الزوجة طلب التفريق عن زوجها كونها لا تملك حق تطليق نفسها، لأن الهجر يمثل اعتداءاً صريحاً على كرامة الزوجة وحقوقها المشروعة التي اكدت عليها ثوابت الدين الإسلامي.
لقد نهى الله عز وجل في كتابه العزيز عن هجر الزوج لزوجته وتعمد الاضرار بها في أكثر من موضع، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: " فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَدْرُوها كَالْمُعَلَّقة " و كلمة (المعلقة) تعني أنها المرأة التي لا هي غير متزوجة فتستطيع الزواج، ولا هي متزوجة فتأخذ حقوقها الزوجية كاملة.
وجاء التأكيد على ذلك في آية أخرى في القرآن الكريم بقوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَانٍ) ، وكذلك قوله تعالى، وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فجمعت الآيات الكريمات بين النهي عن الإمساك مع تعمد الزوج الإضرار بزوجته، والوعيد الشديد لمن يفعل ذلك بأنه ظالم لنفسه بالدرجة الاساس، لأنه تعرض لسخط الله وعقابه بسبب ظلمه لزوجته(14) .
كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضٍ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )" سورة البقرة، الآية 229 والعضل في اللغة هو المنع والحبس، وقد فسره الفقهاء بأن يحبسها الزوج لتعذيبها أو لتفتدي نفسها منه بما أعطاها أو أكثر، وهذا عين الإضرار والتعليق.
إن معنى قوله تعالى ( فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ )" أي جعلها كالتي لا هي زوجة ولا هي طليقة، وهذا من أعظم الصور التي يتجلى بها الضرر ، فالزوجة تكون في موقف ضعيف ، لاهي تستطيع طلاق نفسها ، ولا هي تستطيع البقاء على هذا الحال مع زوجها ، فبقائها يعني استمرار الضرر، فلا يبقى امامها الى ان تطلب التفريق بينها وبين زوجها وتثبت اسبابه امام القضاء.
ب. علاقة الهجر الطويل بالتعليق وأثره على استقرار الأسرة (15):
إن الممارسات المتمثلة في إبقاء الزوجة معلقة تمثل تعسفاً في استعمال الزوج لحقه في احتباس زوجته، وهي صورة من صور الظلم التي توعد الله (عز وجل) فاعلها بالعذاب الشديد فالدين الاسلامي الذي كرم الزوجة وأعطاها حقوقها كاملة فلا يمكن أن تبقى معلقة تعاني من الهجر والإضرار.
ومن أخطر صور التعليق وأكثرها شيوعاً هو الهجر الطويل، حيث يهجر الزوج زوجته في الفراش أو في المسكن دون طلاق او وصال ويتركها الزوج معلقة لا هي مطلقة فتتزوج ولا هي معاشرة بالمعروف فتأخذ حقوقها، وهذا الهجر الطويل يقصد به الزوج الإضرار بزوجته ليضطرها الزوج أحيانا إلى اللجوء الى الطلاق (الخلعي)(16) فتتفق معه على أن يطلقها مقابل ان تبذل له جزء من حقوقها، أو أن تتنازل عن كل ما لها من حقوق مقابل ان يطلقها، وبالتالي فالزوج قد يتعمد تعليق زوجته في الكثير من الاحيان من اجل تحقيق هذا المكسب المالي.
وبالتالي، فأن الآثار المترتبة على الهجر الطويل بوصفه صورة من صور التعليق تشمل:
1. الضرر النفسي المستمر حيث تعيش الزوجة في حالة من القلق الدائم ، ولا تعلم مصيرها هل سيرجع الزوج عن الهجر ام ستطلق، مما يؤدي إلى اضرار نفسية كبيرة بالزوجة كالاكتئاب والقلق مع استمرار هجر زوجها لها.
2 . تضرر الاسرة بشكل كامل تبقى الأسرة في حالة الضرر المستمر الذي يصاحب عدم الاستقرار، حيث لا يمكن ان نتصور استقرار الاسرة مع تعمد اضرار الزوج بزوجته.
3. حرمان الزوجة من حقوقها المشروعة: قد يرافق الهجر في الكثير من الاحيان منع الزوجة من حقوقها الزوجية من نفقة وكسوة ومسكن ، وفي نفس الوقت تمنع من حقها في حياة كريمة ومشتركة مع زوج رضيت به وتزوجته .
4. استغلال ضعف الزوجة وعدم قدرتها على تطليق نفسها، يستغل بعض الأزواج عدم قدرة الزوجة على الانفصال عن زوجها بأراداتها المطلقة ومتى تشاء ، فيطيلون الهجر ليكسبوا تنازلات مالية من الزوجة في الكثير من الاحيان. فعلى الزوج أن يتقي الله في زوجته، وألا يمسكها ضراراً، وأن لا يهجرها هجراً طويلاً بغير قصد الإصلاح، بل عليه إما أن يعاشرها بالمعروف ويؤدي حقوقها كاملة وإما أن يسرحها بإحسان دون إضرار بها، فقد قال النبي : خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ومن خالف هذه الأحكام فقد خالف أمر الله وأمر رسوله، وتعرض لعقابه في الدنيا والآخرة (17).
فالهجر وتعمد الاضرار بالزوجة وتعليقها ، أمر قد نهى عنه الله عز وجل في كتابه الكريم، فالدين الاسلامي هو دين وئام ومودة، فلا (يمكن استغلال احكامه السامية التي لم تعطي الزوجة حق تطليق نفسها متى تشاء في تعمد الاضرار بالزوجة وهجرها وتعليقها).
الفرع الثاني
الأساس المستمد من السنة النبوية الشريفة
تشير الأحاديث النبوية الشريفة وما نقل عن نبينا الأعظم ( محمد صلى الله عليه واله وسلم ) أنه أكد على ضرورة حسن المعاشرة الزوجية بالمعروف وان للزوجة على زوجها حق فأن هجرها أو تعدى عليها جاز لها رفع الضرر بطلب التفريق ، لأن اساس الحياة الزوجية قائم على وجوب المعاشرة بالمعروف أو التسريح بالإحسان.
أولاً: أحاديث تحريم الضرر
في إطار المبادئ التي أقرها الدين الاسلامي والتي توجب المعاشرة بالمعروف وتحرم تعمد الإضرار بالزوجة، فنجد ان الفقه الإسلامي يستند إلى حديث نبوي شريف يُعد أحد القواعد الفقهية المهمة، وهو قوله : (لا ضرر ولا ضرار) نلاحظ ان هذا الحديث الموجز يحمل دلالتين عميقتين: الأولى (الضرر) وهي تعمد إلحاق الأذى بالغير والثانية (الضرار) وهي مقابلة الضرر بالضرر، أو مجاوزة الحد في إيقاع الضرر هذه القاعدة تحرم كافة أشكال الإضرار بالزوجة، سواء كان بالهجر الطويل غير المبرر (18)، أو منع النفقة، أو التعسف في استعمال حق القوامة.
فمن الناحية الشرعية والقانونية، يتحول هذا الحديث النبوي الشريف إلى أصل تشريعي تبنى عليه الأحكام فالفقيه ويستدل فيها بهذا الحديث لإبطال كل عقد أو تصرف يُلحق ضرراً مادياً أو معنوياً بالغير، فلو امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته أو هجرها هجر تام دون مسوغ شرعي، فإن القانون يستند إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار " لإلزام الزوج بالحقوق أو التفريق لوجود الضرر ، والضرر هنا ليس مقصوراً على الأذى الجسدي، بل يشمل الضرر النفسي الناتج عن حالات التعليق والهجر، و وحرمان الزوجة من حقوقها الاساسية . وكذلك يُستفاد من الحديث النبوي لا ضرر ولا ضرار أنه يمنع الامساك بالزوجة من أجل إضرارها، فهناك فرق بين أن يحدث ضرر عارض (مثل المرض أو السفر للعمل، وبين أن يُحدث الزوج ضرراً متعمداً (مثل إطالة الغياب عن الزوجة بلا مبرر أو سبب يبيح له ذلك فالشريعة الاسلامية تتدخل لرفع هذا الضرر ، حتى لو اقتضى ذلك فسخ عقد الزواج ففي المذاهب الفقهية كالمالكية والحنابلة، يُعتبر الضرر المعنوي كافياً لطلب التفريق، أسوة بالضرر المادي.
كما أن هذا الحديث أسس لأحد أهم القواعد التي تجذرت في الفقه الاسلامي، ؛ فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، حيث إذا أدى استمرار الزواج الى استمرار التعليق والهجر والاضرار المتعمد، فإن قاعدة لا ضرر ولا ضرار تبيح انهاء هذه الرابطة الزوجية، فحديث لا ضرر ولا ضرار (19) يُذكر أن الفقهاء عدوه قاعدة كلية يُحتج بها في فسخ عقود النكاح عند وجود ضرر حقيقي (20) .
ثانياً: الأساس المستمد من الروايات الواردة عن آل البيت (عليهم السلام) .
إن المدرسة العلوية وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أكدوا على وجوب المعاشرة بالمعروف وحرموا ظلم الزوجة بكل أنواعه و جعلوا حسن العشرة دليلاً على كمال الإيمان يُنقل عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: " فَإِنَّ لِلنِّسَاءِ عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ، فَأَحْسِنُوا صُحْبَتَهنَّ"، وهذا النص يؤكد على أن للزوجة حقاً، ويؤكد أن العلاقة الزوجية تكون عبارة عن حقوق والتزامات متبادلة.
ومن الروايات الشريفة المنقولة عن الإمام الصادق يُروى أن رجلاً أتاه يشكو سوء خلق زوجته، فقال الإمام الصادق (عليه السلام): أَلَا تَسْتَحْيِي؟! أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تُحِبُّهَا وَتُسِيءُ صُحْبَتَهَا؟ خَيْرُكُمْ خَيرُكُمْ لِنِسَائِهِ، وَيُلاحظ هنا أن المعصومين كانوا يربطون بين حسن الخلق والالتزام الشرعي، فليس من العدل أن يطلب الرجل الطاعة وهو يعطل واجب النفقة أو يهجرها هجراً غير مبرر (21) .
وبخصوص مسألة الهجر، وإعراض الزوج عن زوجته بغير وجه حق أو بقصد الإضرار بها، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام في تفسير آية النشوز بيان أن الهجر المشروع إنما هو في حدود المضجع كعلاج مؤقت لحالة النشوز، فقال (عليه السلام): فَالْهَجْرُ أَنْ يُحَوّلَ إِلَيْهَا ظَهْرَهُ فِي الْمَضْجَعِ، فبين أن ذلك لا يخرج عن كونه إجراء تأديبياً محدوداً، أما الهجر الطويل المؤدي إلى تعليق الزوجة وإضرارها وحرمانها من حقوقها فهو من المحرمات، وقد أوجبت الشريعة الاسلامية على الزوج إما العشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان، فلا يجوز للزوج إبقاء زوجته معلقة بالهجر غير المبرر، كما أكد الإمام الرضا ( عليه السلام) على وجوب العدل بين الزوجات وعدم الإضرار بالزوجة، وأكد على وجوب عدم اضرار الزوجة بالهجر فأوجب على الزوج إما الفيئة (الرجوع) إلى زوجته أو الطلاق بعد أربعة أشهر، منعاً لتعليقها وإضرارها (22).
كما نقل عن قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما سؤل حول حقوق الزوجة الواجبة على الزوج أنه قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا إِذا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِب الْوَجْهَ، وَلَا تُقبح، وَلَا تَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ») (23)
فنلاحظ أن الدين الإسلامي يؤكد على صيانة حقوق الزوجة سواء كانت تلك الحقوق مادية أم معنوية ، ويؤكد على وجوب اتباع قيم العدالة والاحترام المتبادل بين الزوجين ، فأن الزوج ملزم كما ورد في الحديث النبوي باحترام زوجته ولا يجيز الهجر الا من ناحية العتاب داخل الدار لا أكثر ، سيما وأن القاعدة الذهبية في الدين الاسلامي في النهي عن الإضرار بالنفس و بالآخرين تتجسد في الحديث النبوي الشريف " (لا ضرر ولا ضرار) فهي قاعدة عامة كما أشرنا إليها ، تحرم الضرر بكل مستوياته وبكافة توجهاته ، وهي من أهم القواعد المتأصلة في الفقه الاسلامي ، فالدين الاسلامي دين التسامح والمودة .
وأشار المنقول عن الرسول ( محمد ) من باب الهجر والاعراض عن الزوجة في ظل تعدد الزوجات ، انه قال: " مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُهُ مَائِلٌ ") (24)
وهذا يعني أن الميل الزوج لزوجة وهجر زوجة الاخرى غير جائز ، فهو يشير الى كون من يهجر زوجته ليواصل الاخرى فيأتي يوم القيامة كالمشلول المائل أي بمعنى أنه يجازى في الآخرة عن هذا الميل في الدنيا لزوجة دون الأخرى ، حيث ان الزوجة ليس لها ذنب في هذا الهجر الغير مبرر.
ونلاحظ أنه حتى في حالة السفر والغياب المبرر ، فأن الرسول ( محمد ) يؤكد على ضرورة العودة بأسرع ما يمكن ،بغية مواصلة الأهل والزوجة وكما نقل عنه (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه قال: "(«السَّفْرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ فَإِذا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ (حاجته) فَلْيُعَجِلْ إِلَى أَهْلِهِ») (25) .
فالهجر في السنة النبوية وكما ورد بالاحاديث المنقولة عن الرسول ( محمد صلى الله عليه واله وسلم ) هو توقف مؤقت عن الكلام أو المبيت في الفراش فيكون داخل جدران البيت لإعادة ترتيب الحياة الزوجية بعد الخلافات وليس قطيعة تامة أو تركاً للمسؤولية فإذا تجاوز الهجر حدوده صار ضرراً مباشراً على الزوجة، يُحاسب عليه الزوج ويُعطى للزوجة بسببه الحق في طلب التفريق.
وخلاصة ما تقدم نجد أن القرآن الكريم جعل الزواج قائماً على اسس المودة والرحمة وأمر دائما بوجوب المعاشرة بالمعروف، وحرّم ترك الزوجة بلا عذر المعلقة لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة و كذلك جاءت السنة النبوية الشريفة لتؤكد أن للزوجة حق لا يجوز سلبه والتجاوز عليه، ونهت عن الهجر المتعمد وغير المبرر ، إلا الهجر المؤقت الذي يكون داخل البيت كعلاج مؤقت، وليس وسيلة للانتقام ، وبناءً على قاعدة لا ضرر ولا ضرار"، يعتبر الهجر والغياب بلا عذر فعل محرم على الزوج فإذا استحكم الضرر الناتج عن الهجر واصبح مما يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية ، أوجب الفقه الإسلامي التسريح بإحسان لحماية كرامة المرأة وصيانة حقوقها ، وجاز لها طلب تفريقها عن زوجها رفعا للضرر وانصافا لحق الزوجة في حياة كريمة.
الفرع الثالث
الأساس المستمد من المصادر الأخرى
إن مسألة رفع الضرر عن الزوجة من المقاصد الجوهرية التي اكدت عليها الشريعة الإسلامية، انطلاقاً ، من مقصد وجوب حفظ النفس والعرض وضرورة إرساء دعائم الحياة الزوجية الكريمة وبنائها على اسس من المودة والرحمة وقد استند الفقهاء في تأصيلهم لوجوب رفع الضرر وعدم جواز الإضرار بالزوجة إلى جملة من الأدلة الشرعية والعقلية، متفقة في جوهرها مع قاعدة لا ضرر ولا ضرار التي تمثل محوراً رئيساً في أبواب المعاملات والأحوال الشخصية وسنتناول في هذا الفرع موقف الفقهاء وإجماعهم في هذا الشأن، ثم دور الحاكم الشرعي لدى الفقه الامامي، يلي ذلك بيان حكم العقل في دفع الضرر ، ثم الإشارة إلى ما استدل به باقي المذاهب من أدلة تبعية كالاستحسان والمصالح المرسلة.
أولاً: الإجماع في وجوب رفع الضرر وعدم جواز الإضرار بالزوجة
أجمع فقهاء المسلمين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والامامية على أن رفع الضرر عن الزوجة واجب شرعي، وأن الإضرار بالزوجة محرم بنصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وقواعد الأصول المتفق عليها بين الفقهاء حيث ان الضرر" منفي في الشريعة والزوجة لها حق السلامة من الضرر كغيرها، بل يتأكد لشدة حاجتها إلى الحماية". (26)
واستند الفقهاء في ذلك إلى قاعدة أن الضرر يجب أن يُزال" التي تعد من القواعد الفقهية الكبرى المتفق عليها، فقاعدة رفع الضرر من مقاصد الشريعة العامة (27) ، وقد أجمع الفقهاء على أن الإضرار بالزوجة من كبائر الذنوب الموجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة، وأجمع الفقهاء على أن من أضر بزوجته عمداً بغير حق، فإنه أثم ظالم"، وللحاكم الشرعي أن يرفع الضرر عنهما ولو بالتفريق إن تعذر غيره (28) .
ويؤكد فقهاء المذهب الامامي، على دور الحاكم الشرعي في رفع الضرر عن الزوجة بشكل، فالتفريق وتطليق الزوجة عن زوجها يعتبر من أهم اختصاصاته الولائية (في الولاية على عقد الزواج) ، حيث يقول المحقق الحلي إنّ للحاكم الشرعي إلزام الزوج برفع الضرر عن زوجته، وله إنذاره ثم تعزيره، ثم التفريق بينهما عند الضرورة. (29) ويقول الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي (ت 966هـ ) بقوله : الحاكم هو الولي العام في باب رفع الضرر، فإذا شكت الزوجة الضرر ولم يمكنها رفعه بنفسها ، فللحاكم أن ينظر في أمرها، وله أن يأمر الزوج بإزالة الضرر، فإن امتنع ضربه وأدبه، ثم يفرق بينهما إن استمر الضرر".
ويؤكد الشيخ الطوسي أن الحاكم الشرعي هو المرجع الوحيد في الحالات الاستثنائية قائلاً: "إذا عضل الزوج زوجته أو أضر بها عمداً، ولم يمكن للزوجة رفع أمرها إلا إلى الحاكم، وجب على الحاكم أن يرفع ضررها ولو بالطلاق جبراً عنه إذا تعذر الإصلاح" (30) ، وهذا ما أخذت به مدونة الفقه الجعفري في حكم الطلاق الحاصل بالتفريق القضائي (31) .
وكذلك اكد الإمام الخميني فقد أضاف على دور الحاكم وسلطته على عقد الزواج، فقال: "الحاكم الشرعي أو من ينوب عنه له صلاحية التدخل في الشؤون الزوجية لرفع الضرر، وله أن يحدد للزوج مهلة لإزالة الضرر، فإن لم يفعل أجبره على الطلاق أو فرق الحاكم بنفسه . (32) ويجمع فقهاء المذهب الامامي على أن الحاكم يباشر رفع الضرر بمراحل متدرجة : الإنذار أولاً، ثم التعزير (العقوبة التأديبية)، ثم الحبس، ثم التفريق، فيقول العلامة الحلي إن للحاكم أن يؤدب الزوج الضار بالتعزير المناسب، وله أن يحبسه حتى يرفع الضرر ، وله أن يفرق بينهما إذا لم يجد ذلك نفعاً". (33)
ثانياً: حكم العقل برفع الضرر وفقاً لقاعدة دفع الضرر واجب عقلاً يذهب جمهور الفقهاء الأصوليين إلى أن العقل السليم يستقل بإدراك وجوب دفع الضرر عن النفس وعن الغير"، وأن هذه قاعدة عقلية قبل أن تكون شرعية، فيقول الإمام الغزالي في تقرير الحكم العقلي: "العقل يحكم بقبح الضرر وحسن دفعه، وهذا مما لا يحتاج إلى ورود شرع، فإن الضرر ألم والمؤلم قبيح عقلاً ، والمقصد هنا أن الضرر يبان ويجب ازالته من الناحية العقلية ، فلا يحتاج إلى أكثر من ادراك ووعي بالضرر. وما يؤكد هذه القاعدة بالقول دفع الضرر واجب عقلاً وشرعاً، أما عقلاً فلأن في تركه هلاكاً وإيلاماً نفسياً وجسدياً، وأما شرعاً فلأن الشارع أمر برفعه (34) كذلك قاعدة دفع الضرر واجب من القواعد العقلية التي أقرها الشرع، فالعقل السليم يرى أن إزالة الأذى عن النفس وعن الزوجة أولى من إبقائه لأن في بقاء الضرر فوات مقصود النكاح من السكن والمودة. (35) .
والعقل والشرع متطابقان في هذه القاعدة: العقل الصريح يوافق الشرع الصحيح " في أن دفع الضرر عن النفس وعن الزوجة مقدم على جلب المنفعة، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا حكم عقلي وشرعي متفق عليه.
ثالثاً: الاستحسان
يستحسن الحنفية والمالكية التدخل لرفع الضرر عن الزوجة، ولو لم يكن هناك نص خاص في يدل على ذلك، فيقول السرخسي : " يُستحسن للقاضي أن يأمر الزوج بإزالة الضرر عن زوجته ولو بالحسم والتعزير، استحساناً منه لدليل المصلحة الشرعية. فالعدول عن مقتضى القياس الأصلي الذي قد يمنع تدخل القاضي في الشؤون الزوجية) إلى حكم آخر (وهو جواز تدخله) هو من الاستحسان الذي ارتضاه الشرع لرفع الحرج.
رابعاً : المصالح المرسلة (الاستصلاح)
يعتمد الفقهاء المالكية والحنابلة على المصالح المرسلة في إثبات حق المرأة في الخلاص من الضرر الحاصل عليها من قبل زوجها، فيقول الإمام الشاطبي: من المصالح المرسلة التي لا نص فيها ولا إجماع لكنها ملائمة لمقاصد الشرع أن نمنع الزوج من الإضرار بزوجته بل نوجب على الحاكم رفع ضررها، لأن في ذلك حفظاً لنفسها وعرضها ودينها (36) .
ويتم التأكيد هذا المعنى من خلال وجوب رفع الضرر عن المرأة المظلومة من أعظم المصالح المرسلة التي دل عليها عموم الشريعة، وإن لم يرد فيها نص خاص في كل صورة، فللحاكم أن يتصرف فيها بحسب المصلحة.
خامساً: سد الذرائع (عند المالكية والحنابلة)
يقصد بسند الذرائع، هو استناد الحكم في الذرائع اصوليا ، من خلال تحريم مقدمات الفعل المحرم، فالوسيلة الى الحرام محرمة ، والوسيلة الى الحلال تكون وسيلة مباحة، فذريعة الهجر محرمة لكون نتيجتها محرمة. ويستدل الفقهاء بقاعدة سد الذرائع لمنع الإضرار بالزوجة فيقول الشاطبي: سداً للذريعة، لا يجوز للزوج أن يستعمل حقه في القسم أو النشوز أو الطلاق بقصد الإضرار بزوجته.
فقيام الزوج بهجر زوجته بصورة غير مبرره يعد أمراً مرفوضاً كون نتيجته محرمة الا وهي الاضرار بالزوجة.
بناءً على ما تقدم من استعراض للأدلة والاجتهادات الفقهية في المذاهب الإسلامية المختلفة، نستنتج أنه لا خلاف بين الفقهاء ولا بين المذاهب الإسلامية كافة (في اصل وجوب رفع الضرر)، فأن رفع الضرر الحاصل على الزوجة واجب شرعي وعقلي، وأن ابقاء الزوجة معلقة أو الإضرار بها بهجر طويل غير مبرر يعد فعلاً محرماً ، وقد استند الفقهاء في هذا الحكم إلى أدلة كلية متفق عليها ومنها ، حرمة الضرر، وحكم العقل بقبح الإضرار ووجوب رفع الضرر، ثم إلى ما يراه كل مذهب من أدلة تبعا لذلك ، كالاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع. كما أشار الفقه الامامي إلى أن للحاكم الشرعي حين تعذر الإصلاح التدخل لإنهاء الرابطة الزوجية ويبدأ هذا التدخل ، من الإنذار إلى التعزير إلى التفريق الجبري، صيانة لحرية للزوجة ورفعا للظلم والضرر الحاصل عليها من جراء استمرار الحياة الزوجية مع الهجر غير المبرر ، وبهذا يتضح لنا أن الشريعة الاسلامية لم تترك الزوجة ضائعة ومعلقة، بل أوجبت على الزوج إما أن يعاشرها بالمعروف وإما التسريح بالإحسان، وحرم عليه تعليقها وإضرارها تحت أية ذريعة غير مبررة.
____________
1- سورة النساء ، (الآية 19).
2- ابن فارس أحمد ابن فارس (ت 395هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام ،هارون، دار الفكر بيروت، 1979، ج4، ص 49
3- سورة الأنفال، (الآية 70).
4- ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، الجزء الأول ، دار طيبة للنشر والتوزيع ، ص44
5- حسين أيوب، فقه الأسرة المسلمة ، دار السلام للطباعة والنشر ، القاهرة ، 2003 ، ص 54.
6- آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ، الوجيز في الفقه الإسلامي، أحكام الزواج وفقه الأسرة، دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ص 157.
7- سورة البقرة ، الآية 231
8- ابن كثير تفسير القرآن العظيم الجزء الأول، دار طيبة للنشر والتوزيع ، تفسير الآية 231 ، ص 606.
9- سورة النساء ، الآية 130
10- سورة النساء ، الآية 128
11- محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ، دار الفكر ، بيروت ، 1384هـ ، الجزء 5 ، المجلد 10 ، ص 261
12 - محمد متولي الشعراوي ، تفسير وخواطر القرآن الكريم، الراية للنشر والتوزيع، الجيزة ، 2016، الجزء 4 ، ص 628.
13- سورة النساء، الآية 35
14- وروى الطبري عن مجاهد وابن عباس والسدي أن الآية نزلت للتحذير من إضرار الرجل بزوجته بإمساكها بلا رغبة صادقة فيها، مما يحرمها حقوقها ويضيع عليها حياتها.
15- الإمام ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، 2001م، ج 5، ص 127
16- الطلاق الخُلعي هو طلاق اتفاقي بين الزوجة وزوجها، تقوم فيه الزوجة بالتنازل (بذل) جزء او جميع حقوقها مقابل ان يقوم زوجها بطلاقها منه (ويمكن فيه للزوجة على سبيل المثال ان تعطي لزوجها على اي مبلغ مالي مقابل ايقاع الطلاق بها
17- سنن الترمذي ، كتاب المناقب، باب في فضل ازواج النبي، رقم الحديث 3895
18- ناصر مكارم الشيرازي ، قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، ج 1 ، 2026 ، ص 29 مقال منشور للاطلاع عليه :
61552-https://salmerja.com/more.php?idm تاريخ الزيارة 2026/2/22
19- أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.
20- جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر ، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 122.
21 - محمد بن الحسن وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، 1412هـ. الجزء ،15 كتاب الطلاق الأبواب المتعلقة بالشقاق والنشوز.
22- منسوب للإمام علي بن موسى الرضا، الفقه الرضوي، مؤتمر الإمام الرضا العالمي، مشهد، 1406هـ، يُنظر باب النفقات ووجوب القسم.
23- ابو داوود سليمان بن الاشعث السجستاني الأزدي، كتاب سنن ابي داوود ، كتاب النكاح، باب حق الزوجة على زوجها، الحديث رقم (2142) ، ص 245.
24- سنن ابي داوود، مصدر سابق الجزء الثاني، باب القسم بين النساء الحديث رقم (2133)، ص 242.
25 - صحيح البخاري ، كتاب الجهاد والسير باب كراهية أن يطرق أهله ليلاً حديث رقم (1804)، ص792.
26- شمس الأئمة السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، 1414هـ - 1993م، ج5، ص 198.
27- إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، 1425هـ 2005م، ج 2، ص 45.
28- ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد أديب الصالح، دار الكتاب العربي، بيروت، 1414هـ-1994م، ج 3، ص 320.
29- جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام تحقيق عبد الحسين محمد علي، دار الأضواء، بيروت، 1403هـ - 1983م، ج2، ص 235.
30- محمد بن الحسن، المبسوط في فقه الإمامية، تحقيق: محمد باقر البهبودي المكتبة المرتضوية، طهران، 1387هـ - 1967م، ج4، ص 210.
31- ينظر المادة (73/ثالثا) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري .
32- روح الله الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني طهران، 1421هـ - 2000م، ج2، ص 330.
33- الحسن بن يوسف، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، تحقيق: محمد حسن آل یاسين مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1413هـ - 1992م، ج3، ص 150.
34- محمد الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه، دار عالم الفوائد مكة المكرمة، 1426هـ - 2005م، ص 310.
35 - وهبة مصطفى الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، دار الفكر ، دمشق، 1427هـ - 2006م ، ص 526.
36- إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، 1425هـ 2005م، ج 2، ص135.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد