1. نقض دليل الأشاعرة حول رؤية الله: إن التعبير بصيغة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ...) [البقرة: 243] مع عدم كون متعلّق الرؤيـة محسوساً، يدل على قدح استدلال الأشاعرة الذين استفادوا من تعبير (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22-23] إمكانية رؤية الله في القيامة. فهؤلاء الأشاعرة يقولون: إن مفردة (النظر) إذا استعملت مع (في). مثل (نظرت في كذا) ـ تكون بمعنى الفكر، وإذا استخدمت مع اللام). مثل نظرت لكذا) ـ فهي بمعنى الرحمة، وإذا جاءت من دون استخدام حرف جرّ. مثل (نظرت كذا) ـ فهي بمعنى المقابلة، وإذا جاءت مع حرف (إلى). مثل (نظرت إلى كذا) ـ فهي بمعنى المشاهدة؛ ولما كانت في آية (...إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 23] قد جاءت مع حرف (إلى)، فتكون في هذه الآية بمعنى المشاهدة.
وهذا الاستدلال ينتقض بالآية التي هي مورد البحث؛ لأن الرؤية المساوقة للنظر ـ بل أدق منه ـ قد استخدمت مع حرف (إلى)، في حين أنها ليست بمعنى المشاهدة[1].
2. وجوب حفظ النفس: يجب حفظ النفس، وعلى الإنسان ألا يضع نفسه في مواطن الهلاك والخطر، إلا أن الحياة والموت هما بيد الله، ولا سبيل إلى الفرار من الموت: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]. فربما غادر الحياة كثير من الأفراد الذين فروا إلى الملاجئ قبل أن يصل الموت إلى غيرهم، مثلما أمات الله هؤلاء الذين خرجوا من المدينة فراراً من الطاعون، مع أن السبب في فرارهم خارج المدينة هو خوفهم من الموت. أو مثل الهاربين من سوح المعارك الذين يموتون بأمكنة مختلفة وبأشكال متباينة، في حين يتمكن العديد من المقاتلين في الخطوط الأمامية من حفظ أنفسهم رغم كونهم في خضم أخطار محدقة.
وبتعبير آخر نقول إنه طبقاً لما تقوله الآية فإنّ الإحياء والإماتة كليهما بتقدير الله. ولكن الإقرار بالتقدير الإلهي لا يعني إهمال التدبير، كما أن الفرار من الواجب بحجة النجاة من الموت ليس نافعاً.
وما تفيده هذه الآية ليس فقط إمكانية الحياة المجدّدة في عالم الطبيعة، بـل وقوع ذلك أيضاً.
3. الخطاب التكويني والتشريعي: يعد خطاب (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: 243] من الخطابات التكوينية المشتملة على الإيجاب والإيجاد. وعلى العكس من الخطابات الاعتبارية التي هي فرع وجود المخاطب والأصل فيها هو المخاطب؛ يكون المخاطب في الخطابات التكوينية هو الفرع في حين يكون الخطاب هو الأصل؛ إذ بالخطاب يصير المخاطب موجوداً.
ويجب الالتفات إلى عدم معقوليّة مخاطبة المعدوم المحض، بل الخطاب التكويني يمكن توجيهه إلى الشيء الذي له وجود علمي لا عيني. والأشياء قبل تحققها العيني حاضرة في. محضر العلم الإلهي، وإليها يتوجه الخطاب فتصير موجودات عينية؛ لكن بنحو التجلّي لا التجافي.
وقد جاء تبيين الوصف في آية (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82] بصورة الأمر و(أَن يَقُولَ) [يس: 82] تأول بالمصدر فتصير (قول) وأما تعابير (الأمر) و(القول) و(كُن) فهي بيان للإرادة الإلهية، وليست ألفاظا.
وخلافاً لآية (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: 243] التي يكون الأمر مُوتُوا فيها أمراً تكوينياً، فإن عبارات مثل «موتوا قبل أن تموتوا»[2] و«زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا»[3] هي أوامر تشريعية وتربوية؛ أي إنّها تقول إن عليكم قبل أن تموتوا بالموت الطبيعي وتتركوا هذه الدنيا، أن تقطعوا أملكم من الدنيا وما فيها مختارين لا مكرهين، وأن تحاسبوا أنفسكم بموازين الدين الحق قبل أن يحاسبكم غيركم.
والدليل على تشريعية الخطابات المذكورة هو وقوعها في منطقة ثبوت التكليف وإمكانية التخلّف عنها، بعكس الأمر التكويني الذي يقع خارج منطقة التكليف وعدم إمكانية التخلّف عنه أيضاً.
4. القرآن مصدر اعتبار التوراة والإنجيل الأصيلين: يقول الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله: إن القرآن هو الذي حافظ على كرامة وعزة اليهودية والمسيحية[4]. فلو لم يكن القرآن موجوداً لما بقي أحد على يهوديته أو مسيحيّته؛ إذ لا تثنية اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: 30] يمكن تعايشها مع العلم، ولا تثليث النصارى (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) [المائدة: 73] يمكن تبريره عقلياً، ولا أُبوّة الله لبعض الناس، ولا بنوّة بعض الأشخاص له، ولا مصارعة الله مع بعض أنبيائه، ولا تحليل الخمر والميسر، ولا...، ولا ما يقوله أتباع هذين الدينين من تشبيه وتجسيم، يمكن أن يتعايش مع التطوّر الحاصل في العلم وما شهده العقل من رقي.
وما نقصده أن العقيدة التي يعرضها اليهود والمسيحيون على الناس ليست عقيدة دين يقبله العقل، وما يرسمه علماؤهم من صورة لعيسى وموسى ويقدمونها للمجتمع ليست صور شخصيات يقبلها الناس ويستطيعون هضمها، ولا مريم التي يتحدثون عنها بالسيّدة التي يمكن أن يعتقد أحد ما بقدسيتها.
تنبيه: إن عبادة الأصنام التي تمثل ديناً باطلاً، تمكنت من البقاء في بعض المجتمعات، ولكن الإلحاد الذي هو إنكار للدين ورفض له، قد تعرّض للانهيار في عددٍ من تلك المجتمعات.
أما القرآن فقد أكد توحيد الله سبحانه ونزاهته عن أي شكل من الانحطاط التشبيهي، كما رسخ قداسة موسى وعيسى ومريم عليهم السلام، وأوضح للعالم ذلك التوحيد الخالص وتلك الشخصيات الإلهية. لقد حفظ القرآن حيثية التوراة والإنجيل الأصيلين، وعارض ما يتحدّث به أتباع هذين الدينين من أن دين المسيح هو دين مداهنة الظلم، وقال بأن مسألة الجهاد ليست من مبتدعات القرآن، بل إن دروس المقاومة وأدلّة المعاملة مع الله في سبيل حفظ استقلال وحرية الدين والمتدينين قد وردت في كتب التوراة والإنجيل والقرآن السماوية (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ) [التوبة: 111].
وهكذا فمعرفة واكتشاف حقيقة التوراة والإنجيل يجب أن تتم من خلال كلام وبيان القرآن الكريم، لا مما يتفوه به المفترون.
5. سبيل الوقاية من التفسير بالرأي: يجب التمسك بركني الثقلين الوثيقين لتجنّب الوقوع في الانحرافات العلمية أو العملية؛ فيجب المعرفة الجيدة للخطاب القرآني، وإدراك أحاديث العترة الطاهرة اليها بدقة؛ لأن حصيلة القرآن والعترة هي الصراط المستقيم الواحد.
ومن جانب آخر، لا يستطيع أي واحد أن يصل إلى مقصده دون أن يكون معه مصباح هدى يهتدي به فيرى الصراط ويسير عليه والوحي هو الصراط المستقيم الإلهي، والعقل هو المصباح المنير. والمصباح وحده لا يوصل الإنسان إلى الهدف، كما أن الصراط هكذا أيضاً؛ فاللازم توفر العقل المنير الذي هو الحجة الداخلية، والصراط المستقيم الذي هو الوحي الخارجي. ومن يتحرّك وإلى جنبه مشعل العقل يعرف جيداً معنى القرآن والرواية ورسالتهما، ولا يقع فريسة في شراك التطورات العلمية، بمعنى أنّ العقل هو ذلك الذي يرى صراط الوحي، حيث لا يمكن رؤية الصراط السماوي إلا بالعقل.
نعم، كان من حق (السيد نور الدين العراقي) المرابط في الخطوط المتقدمة لجبهات القتال بمعنوياته الحماسية والثورية التامة، أن يؤلّف المجلدات الثلاثة من تفسير القرآن والعقل؛ لأنه فقيه وحكيم يتحرّك بمصباح العقل ولا يقع أسيراً للأوهام كي يفسر آيات كالآية التي هي مورد الحث بموت وحياة المجتمعات، ويربطها بالحرب والكفاح السياسي؛ كما وقع في أسرهـا بعـض المفسرين المتنورين[5].
[1] راجع: رحمة من الرحمن، ج 1، هامش ص 363.
[2] بحار الأنوار، ج 66، ص 317.
[3] نهج البلاغة، الخطبة 90.
[4] راجع: كشف الغطاء، ج 4، ص 323.
[5] راجع القرآن والعقل، ج 1، ص 142-143.