1. النسخ من جهة العدة: كما اتضح. عند تفسير الآية 234 من سورة البقرة، فإن العديد من المفسرين قد استندوا إلى بعض الروايات وقالوا بنسخ الآية التي هي مورد البحث بالآية 234؛ لأن تلك الآية نزلت بعد الآية التي هي. مورد البحث، وإن كانت في ترتيب الآيات القرآنية قد جاءت قبلها كما بينا ذلك سابقاً. وعلى هذا تكون الآية المذكورة التي اعتبرت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام ناسخة للآية التي هـي مورد البحث القائلة بأنّ عدة الوفاة سنة واحدة[1].
وجواب ذلك أنه بغض النظر عن الروايات فإنّ البحوث التفسيرية تقضي بصعوبة إثبات نسخ الآية التي هي مورد البحث بآية عدة الوفاة؛ لأن تعيين وتحديد العدّة هو من الأحكام الإلهية ولا خيار للبشر فيها حتى يحق لهم الوصية بها. وعلى هذا فالآية التي هي مورد البحث ليست مبينة لتحديد العدّة كي يمكن نسخها، إلا إذا ثبت أنّ مضمونها هو الحكم الشرعي القاضي بإمضاء إحدى السنن الجاهلية القديمة، وعليه فيجب أولاً إثبات أن مثل هذا الحكم كان قانوناً جاهليّاً حتمياً، لا أنه متوقف على الوصية. وثانياً أنّ الآية التي هي مورد البحث بصدد إمضاء ذلك القانون الذي كان موجوداً قبل الإسلام كي يثبت من هذه الآية حكم شرعي فعند ذلك تكون الآية السابقة (234) ناسخة لهذه الآية. وقد مضى تحرير هذا المطلب تحت أوّل عناوين تفسير الآيـة التي هي مورد البحث.
وعلى أي حال، فالآية التي هي مورد البحث لا دلالـة فـيـهـا عـلـى أن عدة الوفاة سنة واحدة كي يمكن أن تكون متناقضة مع الآية التي اعتبرت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، بل إنها تقول إنّ الأفراد الذين قد حـان وقـت وفاتهم عليهم أن يوصوا ورثتهم بأن يدفعوا مصاريف إطعام ولباس ومسكن المرأة لمدة سنة واحدة، وباب الوصية مستقل عن باب الإرث.
كما أننا إذا وضعنا الروايات جانباً فإنّ جملة (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 240] ليس لها ظهور قوي في خروج النساء بعد انتهاء السنة الواحدة ـوإن كان البعض استظهر ذلك[2]- كي يكون مفهومها عدم صحة تصميم المرأة قبل انقضاء المدة المذكورة؛ إذ ربما كان مفهومها هو أنّ الورثة لا يحق لهم إخراج النساء، لكن لا مانع من خروجهن الاختياري في المدة المذكورة، لأن الخروج أو عدم الخروج من بيت الزوج المتوفى هـو مـن حقوق النساء، وأنهن يستطعن التنازل عن حقهن.
وعلى هذا فلا يمكن إثبات نسخ الآية التي هي مورد البحث من جهة زمان العدة.
2. النسخ من الناحية المالية: تعد آية الإرث (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: 12] ناسخة للآية التي هي مورد البحث من الناحية المالية؛ لأن تأمين مصاريف المرأة. طبقاً للآية التي هي مورد البحث ـ لمدة سنة واحدة يقع على عاتق الورثة الذين عليهم دفع ذلك من مال الزوج المتوفّى، أما وفقاً لآية الإرث النازلة بعد الآية التي هي مورد البحث، فإن الزوجة ترث الزوج بعد موته، وتقوم بتأمين مصاريف معيشتها من سهمها ونصيبها الذي يبلغ الربع أو الثمن من تركة الزوج[3]، فتنتفي الحاجة إلى تأمينها من أموال الزوج المتوفى.
والجواب على ذلك هو أن آية الإرث أيضاً ليست ناسخة للآية التي هي مورد البحث؛ لأنّ مضمون آية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ...) [النساء: 12] هو أن زوجة الرجل المتوفى ترث ربع تركته إن لم يكن له ولد، وإلا فسهمها هو الثمن من تركة المتوفى، في حين أنّ حين أنّ مضمون الآية التي هي مورد البحث هو أن الزوج المشرف على الموت عليه أن يوصي بأن يقوم ورثته بدفع مصاريف زوجته من ثلث تركته لمدة سنة واحدة.
وعلى هذا الأساس، فلا منافاة بين هاتين الآيتين كي تكون إحداهما ناسخة والأخرى منسوخة، إلا إذا امتنع اجتماع الوصية والإرث، أي عدم جواز الوصية لوارث، كما نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا وصية لوارث[4]، والمرأة واحدة من الورثة. إلّا أنّ هذه الرواية ليست أصلاً فقهيّاً لدى الإمامية؛ لعدم كونها رواية موثوقة[5].
يضاف إلى ذلك أنه قد اتضح عند تفسير الآية (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 180] أنها قد جمعت بين الإرث والوصية، وهذا يعني أن الشخص يستطيع عند موته أن يوصي بدفع قسم من ثلثه أو جميعه إلى أحد الـورثة الـذي يعتقد الموصي أنه أحق من الآخرين به؛ وفي هذه الحالة يأخذ الوارث (الموصى له) سهمه من الإرث أيضاً بصورة مستقلة إضافةً إلى ما أُوصي له به.
وهكذا يكون إثبات نسخ الآية التي هي مورد البحـث ـ بغـض النـظـر عـن الروايات والوقائع التاريخية في صدر الإسلام. من الأمور الصعبة جدا.
[1] راجع مجمع البیان، ج1-2، ص591؛ التبيان، ج2، ص261-262 و278؛ الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج3، ص206.
[2] راجع جامع البیان، ج 2، ص 771؛ مجمع البیان، ج 1-2، ص 602.
[3] راجع: مجمع البیان، ج 1-2، ص 602؛ تفسير العياشي، ج 1، ص 129؛ الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3، ص 206.
[4] موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف، ج 7، ص 297
[5] وردت هذه الرواية من طرق الإمامية نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في تهذيب الأحكام، ج 9، ص 162؛ والاستبصار، ج 4، ص 113؛ ومَن لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 194، بهذا الشكل: لا وصية لوارث، ولا إقرار بدين. وقد وجّه الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق رحمهما الله هذه الرواية وفسّراها، أو حملاها على التقية.