بعد أن تكون النساء المطلقات قد أنهين عدتهن[1] – التي هي ثلاثة أطهار بالنسبة الى البعض (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228]، وثلاثة أشهر للبعض الاخر (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: 4] والولادة بالنسبة الى النساء الحوامل (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: 4] فلا ينبغي أن توضع العقبات أمام زواجهن المجدد بهدف حرمانهن من الزواج مع الزوج الثاني الذي يرضين به.
والخطاب بالجمع يقصد به الأزواج السابقين للنساء المطلقات على الرغم من أن إطلاق الآية طبقا لشأن النزول الآتي يشمل أولياء وأقارب المرأة أيضا. وصحيح أن خطابي الجمع في صدر وذيل الآية السابقة كانا موجهين الى الازواج المطلقين والتناسب الموجود بين هاتين الآيتين يقتضي أن يكون الخطاب في ذيل الآية التي هي مورد البحث التي صدرها موجه للأزواج السابقين والذي هو نهي عن الممانعة في زواج النساء (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) [البقرة: 232] موجها أيضا الى الأزواج المطلقين إلا أن سبب النزول يشير الى اطلاق وشمول الآية.
إن محتوى الآية التي هي مورد البحث أيضا يشير الى أن المخاطب في ضمائر الجمع في صدر وذيل الآية هم الأزواج المطلقون لأن هذه الآية شرح للتسريح بالمعروف الذي ورد في الآية السابقة.
ومع الاخذ بنظر اعتبار شؤون النزول الواردة في ذيل الآية التي هي مورد البحث أي التدخلات غير المبررة لمعقل وجابر في زواجي أخت الأول وابنة عم الثاني يميل العلامة الطباطبائي قدس سره الى القول بأن الخطاب موجه الى أقرباء وأولياء النساء المطلقات لكنه يشمل أزواجهن أيضا[2]. وفي هذا الكلام مجال للتأمل.
وعلى هذا فخطابات الجمع بدليل السياق ظاهرة في خطاب الأزواج المطلقين ومع ظهور اطلاق الخطاب فهو يشمل أيضا أولياء وأقارب المرأة المطلقة الذين لا يتمتعون بأي نوع من الولاية عليها وهكذا فلا تناقض بين جامعية الخطاب وبين شؤون نزول الآية أيضا.
ولتوضيح وجود الآراء المتباينة بين القدماء والمتأخرين حول تعيين المخاطب في الآية التي هي مورد البحث، نقول: إن الطبري ومن يوافقه في الرأي اعتبروا أن المخاطب هو أولياء المرأة واعتبروا النهي عن العضل شاهدا على أن لهؤلاء ولاية مثلما أن كلمة (أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة: 232] تدل على أن المخاطبين هم الأولياء[3]. إلا أن الاستاذ العلامة الطباطبائي رحمه الله بعد رده لدلالة الآية على الولاية وافق على أصل الرأي القائل بأن مخاطب الاية هم أقرباء المطلقة[4].
أما الفخر الرازي ومناصروه فقد اعتبروا أن المخاطب هم الأزواج السابقون واكتفوا لتأييد رأيهم بدليلين دون النظر في الشواهد الاخرى[5].
وكل واحدة من هاتين النظريتين راجحة من جهة ومرجوحة من جهة اخرى.
أما الزخمشري فقد قدم حلا مناسبا ربما كان مشتملا على كلا جانبي رجحان كلتا النظريتين ومصونا من مرجو حيتيهما أيضا وهو أن مخاطب الاية هي الامة الاسلامية والمجتمع الاسلامي يتوزع أفراده بين من يكون من الأزواج ومن يكون من أقارب الزوجات فبعضهم هم المطلقون وبعضهم الآخر ذوو علاقة بالطلاق الواقع[6]، فجاء الامر الى هذا المجتمع بأن الله يريد رعاية استقلال المرأة كما يريد الامتناع عن التدخلات الفضولية والمؤذية.
ومن فروع البحث ما يلي:
1. إن المرأة المطلقة ما دامت في أيام العدة فلا يحق لأي أحد غير زوجها السابق الرجوع إليها ويجب على هذا الغير أن يعترف بحق الزوج السابق في الرجوع إذا كان بصورة تتحقق معها الامساك بالمعروف وينتفي الاضرار فيه ولا يمتلك أي واحد من أقاربها حق العضل والامتناع عن القبول برجوع الزوج الساق.
وهذا المطلب واضح جدا من الآية السابقة أما ما بقي من زواياه الغامضة فقد تكفل اطلاق الآية الحالية بتوضيحه.
2. إن المرأة المطلقة التي انقضى زمن عدتها يمكناه إما الزواج من زوجها السابق بعقد جديد أو مع شخص آخر وفي الحالة لا يحق لأحد مطلقا لا لأقربائها منعها من الزواج مع زوجها السابقة أو اللاحق ولا زوجها السابق يمتلك حق عضل الزواج مع الزواج الجديد.
3. إن هذا الحل لا يتوجه عليه محذور تفكيك الشرط والجزاء الذي يتحاشى عن الفخر الرازي والذي تحمله العلامة الطباطبائي رحمه الله مستشهدا بكلمة (أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة: 232] الظاهرة في الأزواج السابقين.
وعلى هذا الأساس فقد تم المحافظة على استقلال المرأة بالتزامن مع تحديد هذا الاستقلال بالمبدأ الإسلامي (المعروف). أي إن المرأة مستقلة في إطار (المعروف) لا خارجه؛ وإلا فسيكن لمسألة النهي عن المنكر ما يبرر طرحهـا عـلى بساط البحث.
تنبيه: إذا ارتكب الزوج السابق العضل الظالم، أو قام الأقارب بوضع العقبات غير المبررة أمام الزواج مع الزوج السابق أو اللاحق، ورضي المجتمع الإسلامي بهذا المنع غير المشروع، فهم في حكم العاضل[7].
[1] إن ظاهر بلوغ الأجل في (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) [البقرة: 232] هو انقضاء زمان العدة ولا يوجد في الكلام قرينة على أن المراد منها هو المعنى الجامع كي تتضمن أيضا معنى (على وشك الانقضاء) وذلك خلافا للآية السابقة التي فسرنا فيها (بلوغ الاجل) بكونه شاملا للوصول وللإشراف عليه بقرينه (الامساك).
[2] الميزان في تفسير القرآن ج2 ص237
[4] الميزان في تفسير القرآن ج2 ص237
[5] التفسير الكبير مج3 ج6 ص112.
[6] الكشاف عن حقائق التنزيل ج1 ص277-278.
[7] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 278.