0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم

علوم القرآن

أسباب النزول

التفسير والمفسرون

التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل

مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج

التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين

القراء والقراءات

القرّاء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة

تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن

الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة

قصص قرآنية

قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله

سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة

حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية

العقائد في القرآن

أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية

التفسير الجامع

حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص

حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة

حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر

حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن

حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات

حرف الدال

سورة الدخان

حرف الذال

سورة الذاريات

حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن

حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة

حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ

حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح

حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف

حرف الضاد

سورة الضحى

حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق

حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر

حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية

حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق

حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش

حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون

حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل

حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد

حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس

حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة

حرف الواو

سورة الواقعة

حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس

آيات الأحكام

العبادات

المعاملات

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

إشارات ولطائف حول الرجل والمرأة

المؤلف:  الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي

المصدر:  تسنيم في تفسير القران الكريم

الجزء والصفحة:  ج11، ص265-281

2026-09-30

42

+

-

20

1. عدم امتياز الرجال والنساء في الأمور المعنوية

لا سبيل إلى التقرب من الله سوى التقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] وليس هناك أي امتياز للرجال على النساء في بلوغ مراحل التقوى وتحصيل الكمالات الاعتقادية والأخلاقية والعمل الصالح والقيام بالأفعال اللائقة. وبتعبير آخر نقول: إن نيل الكمالات العلمية والعملية ليس (مشروطاً بالرجولة)، ولا ممتنعاً بالأنوثة، أي إنّه لا الذكورة هي (شرط) الكمال، ولا الأنوثة هي (مانعة) ذلك؛ لأنّ تحصيل الكمالات هو من اختصاص روح الإنسان، وبما أنها مجردة عن المادة، فلا مجال لاتصافها بالذكورة أو الأنوثة.

وعدم تهيؤ الظروف والإمكانيات والمعلم والمزكي ومهذب النفوس للنساء، وتخلفهنّ عن القافلة، لا يدلّ على النقص في قابلية المرأة مقارنة بالرجل. وإثبات هذا المطلب يحتاج إلى كتاب آخر، ولكن ما يتسع له مجال البحث الحالي هو المرور السريع في قسمي العقل والنقل والإشارة بصورة إجمالية:

أ. القسم الأول (العقل): وهذا القسم يتوقف على بعض الأسس التصورية والتصديقية للمطلب:

فنقول أولاً: إنّ الإنسان هو هوية ملتئمة من الروح والبدن.

وثانياً: إن الروح الإنسانية يكون تجردها نفسياً لا عقلياً، أي إنها في بعض أفعالها محتاجة إلى البدن، خلافاً للتجرد العقلي؛ حيث يتكفّل العقل المجرد بجميع الشؤون.

وثالثاً: إن الأصالة في الإنسان هي من مختصات روحه المجردة، والبدن هو آلته (الطبيعية لا الصناعية).

ورابعاً: إن لقوّة البدن وضعفه والشؤون البدنية دوراً فعالاً في أفعال الروح، لأن الأفعال القوية تحتاج إلى آلات قوية ولا تنتج الآلات الضعيفة إلا العمل المتراخي.

وخامساً: إنّ الروح الإنسانية منزّهة عن الذكورة ومبرأة عن الأنوثة؛ لأنّ المجرد يسمو ويتقدّس على الاتصاف بالماديات.

وسادساً: لو قلنا بخلق الروح الإنسانية قبل خلق البدن ـ كما عليه أفلاطون ومن يشاركه في الرأي من المتقدمين، وشارح حكمة الإشراق القطب الشيرازي ومن يشاركه في المذاق من المتأخرين. فهي منزّهة عن كونها رجلاً أو امرأة.

أما لو قلنا بخلقها في آن واحد مع خلق البدن. كما عليه الشيخ الرئيس من القدماء، والخواجة الطوسي رحمه الله من المتأخرين، ومن رأى رأيهما. فهي مبرأة من الذكورة والأنوثة.

أما لو قلنا بجسمانية الحدوث وروحانية بقاء الروح، حيث يكون لها اتصال واتحاد جسماني مع البدن المادي في بدء الخلق، وبعد التجرّد أو الحركة الجوهرية يكون لها تعلق تدبيري لا اتحاد جسماني معه؛ فهي كانت ولا تزال مبرأة من كونها رجلاً أو امرأة أي إنها في مرحلة الوجود الجسماني التي هي مرحلة حدوث الروح، ليست مذكرة ولا مؤنثة، ودليل ذلك ما يلي:

الأول: أن تركيب الروح والبدن تركيب تكويني لا صناعي، وحقيقي لا اعتباري.

الثاني: أن هذا التركيب التكويني والحقيقي هو تركيب اتحادي لا انضمامي.

الثالث: أن الاتحاد يختلف عن الوحدة؛ لأنّ في الوحدة يكون أحد المفاهيم أو أحد العناوين والمعاني موجوداً بوجود واحد، بينما في الاتحاد يكون مفهومان أو أكثر وعنوانان أو أكثر موجودين بوجود واحد.

الرابع: كل واحد من المعنيين المرتبطين مع بعضهما والمتحدين معاً له حكمه الخاص به، الذي لا ارتباط له مع حكم الآخر ذاتاً؛ مثل الجنس والفصل (لا بشرط)، والمادة والصورة (بشرط لا).

الخامس: أن الروح في بداية ظهورها هي صورة جسمانية للنطفة لا مادتها، ومن خلال الحركة الجوهرية ترتفع هذه الصورة الجسمانية وتتحوّل مادتها أيضاً تبعاً لذلك حتى مرحلة خلق الله تعالى للجسد، وفي هذه المرتبة أيضاً تكون الروح الجسمانية صورة لا مادّة، والبدن الجسماني مادة لا صورة. أي إن أدق التحاليل العقلية يفيد أنّ ما يصير بعد ذلك روحاً مجردة وهو الآن جسماني، هو صورة لا مادة.

السادس: أنّ ذلك الذي يتحوّل بذاته في الحركة الجوهرية، هو الصورة لا المادة؛ والذكورة والأنوثة هما ترتيبان خاصان في البدن الذي هو الحامل للصورة، وإذا أردنا تقييم الروح الجسمانية والبدن المادي الذي رُكب على شكل رجل وامرأة فالروح الجسمانية صورة بشرط (لا) وفصل (لا بشرط). والبدن الجسماني مادّة (بشرط (لا) وجنس (لا بشرط). ويستحيل في الحكمة المتعالية تطبيق أحكام وأوصاف الصورة أو الفصل على المادة أو الجنس، وبالعكس.

السابع: توضيح هذا المطلب يتم بتقريبين:

أحدهما: تقريب المادة والصورة (بشرط لا).

وثانيهما: تقريب الجنس والفصل (لا بشرط).

وقد جاء هذان التقريبان في الهيات الشفاء والتحصيل لبهمنيار. وخلاصة كلام هذين الحكيمين في هذين الكتابين هو أنّ الذكورة والأنوثة تعودان إلى المادة والجنس لا إلى الصورة والفصل.

الثامن: أنّ الروح الإنسانية التي صارت مجردة في مرحلة البقاء، إذا وصلت إلى التجرد العقلي وكانت تعمل في هذا القسم بدون البدن، فإن كون البدن امرأة أو رجلاً والذي هو آلتها يصبح عديم الأثر. أما إذا وصلت إلى التجرد النفسي وكانت تعمل في هذا القسم مع البدن، فإن مسألة تقسيم العمل وفقاً لتركيب الآلة وقوتها وضعفها تكون مطروحة بقوّة، وربما كان تقسيم الأعمال الخاصة بالرجال والنساء ناتجاً من ملاحظة تركيب الآلات هذا.

التاسع: أن قانون حكم أحد المتحدين ينسحب إلى الآخـر، لا يوجـب الوقوع في مغالطة أخذ ما بالذات مكان ما بالعرض، ولا يصحح ذلك مـا نـظـنّـه من الناحية الأدبية من أنّ الوصف لحال متعلّق الموصوف هو صفة ذلك الموصوف نفسه، وفي تمثيل الزهرة والثمرة[1] يجب انطباق خصوصية المثال بالممثل، أي إن الزهرة لها صورة ستصبح في المستقبل ثمرة، ولها مادة لا تصير ثمرة في المستقبل، بل ستكون مادة الثمرة. ولو تم دراسة مسألة المادة والصورة والجنس والفصل في جميع المراحل بشكل كامل، فسيتضح أن كون الشيء ذكراً أو أنثى يقع في حدود المادة والجنس لا في حدود الصورة والفصل، وأن ما يقبل التحوّل ذاتاً وينال شرف الوصول إلى أعلى درجات الكمال هو الصورة والفصل لا المادة والجنس.

العاشر: أنّ الفروق الكمّيّة لا تكون ذات معنى إلا عند تشابه جميع الظروف والتساوي في رفع جميع الموانع، وإلّا. عند تماثل برامج تعليم الكتاب والحكمة من جهة، وتزكية الأرواح من جهة ثانية، وتضحية النفوس المسوّلة والأمارة من جهة ثالثة؛ عند ذلك فقط سوف يتضح هل إنّ التمايز ناتج من ذات المرأة (روحها) أم من آلاتها البدنية؟

وفي بعض الأحيان تُطرح مسألة جنسيّة المرأة والرجل في قبال الجنس والفصل الفلسفيتين. وهنا يجب الالتفات إلى أنّ المطلب العقلي يجب بيانه بأسلوب من ب منهجي، وفقاً للأصول والأسس العقلية حتماً، ومطلب الجنسية. بمعنى الصنف الخاص حيث يندرج كلا الصنفين تحت نوع واحد وحقيقة فاردة محكوم بهذا الحكم القائل بأن الخطوط العامة للدين في العقائد والأخلاق والعمل الصالح موجّهة إلى النوع الواحد، أما البرامج الجزئية التي من سنخ توزيع الحقوق والأحكام الجزئية والمتقابلة فهي موجهة إلى أصناف خاصة. والمرأة والرجل يشتركان في تلك الأصول بصورة متساوية، ويتفاوتان في هذه الفروع؛ وأن ما يظهر من رسالة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى ابنه الكـريـم في قوله: «فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة[2]» يمكن أن يكون المقصود منها هو هذا المطلب بأن يراعى عند تقسيم الأعمال والمهام أن تكلف النساء بما يرق منها، وتحوّل الصعاب إلى الرجال حيث توضع على عواتقهم.

ب. القسم الثاني (النقل) بين القرآن الكريم بوضوح في موارد متعدّدة عدم امتياز أي واحد من الرجل والمرأة على الآخر في المسائل المعنوية، حيث قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11] أَي إِنَّ المؤمن غير العالم ينال درجة واحدة، أما المؤمن العالم فدرجات، ولا فرق في هذه المسألة بين المرأة والرجل؛ لأنّ العنصر المحوري في هذا النوع من المطالب هـو الإيمان والعلم، وأن أصحاب ذلك هم الرجال أحياناً، وأحياناً أخرى هم النساء، ولا يجوز الاكتفاء بلفظ المذكّر أبداً.

وكذلك في آية (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ... فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ) [آل عمران:191-195] حيث ذكرت في جواب أدعية المتفكرين أنّ الله لا يضيع عمل أي واحد من النساء والرجال؛ لأنّ الذكورة والأنوثة لا دور لهما في هذه المرحلة.

وكذلك في آيات (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء: 124] و(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]، وللوصول إلى الحياة الطيبة في البرزخ والقيامة ودخول الجنة، ليس هناك... من حديث عن تفاوت بين المرأة والرجل.

جدير بالتأمل هنا أنّ في الآيات التي استشهدنا بها ومـا شـابهـهـا مـن المـوارد التي تشتمل على القرينة، لم تأتِ كلمة (أو) فيها لبيان التساوي، وعليه يكون نيل الدرجات وعدم ضياع العمل والدخول إلى الجنّة وكسب الحياة الطيبة البرزخية والقيامية بالنسبة إلى النساء ليست ناتجة من تساويهما مع الرجال، بل من جهة أنّ هذه الأمور تما يرتبط بروح الإنسان، وفي هذا المجال لا تختلف المرأة مع الرجل، كما أن الروح لا تتحمل التذكير ولا التأنيث.

وقد اعتبر الغربيون الذين ينادون بمساواة حقوق المرأة مع الرجل أن الرجل والمرأة نوعان من حقيقة واحدة تدعى الإنسان، ولم ينظروا إلى الإنسان إلا أنه. جسم مادي لا غير. بينما تقول التعليمات الدينية التي يؤيدها العقل أيضاً أن الذكورة والأنوثة هما صنفا الإنسان لا فصله، وليستا جزئين من ذاتـه، بـل حقيقة الإنسان غير جسمه المادي، والحديث عن تساوي حقوق المرأة مع الرجل أو عدم تساويها ليس له مجال في حقيقة الإنسان. فالمرأة والرجل من جهة الجسم المادي والخصائص النفسيّة يتفاوتان بعضهما مع البعض الآخر، ويجب إعطاء كل منهما ما يناسبه من حقوق. إذن، فمساواة المرأة والرجل في الحقوق ليست عدلاً، بل هو ظلم صريح.

جدير بالذكر أن اختلاف الحقوق ومراعاة حال كل صنف ليسا سبيين في تفوّق أي من صنفي المذكر والمؤنث على الصنف الآخر، مثلما أن التفاوت بين أصناف الحيوانات والنباتات موجود أيضاً لكنه لا يعد دليلاً على كمال أو نقص أي واحد منهما.

نعم، إن تحصيل العلوم والكمالات المعنوية والعبادات والأخلاق في التعاليم الدينية ليس مشروطاً بالرجولة كما أنه ليس ممنوعاً بالأنوثة، وهكذا مناصب من قبيل النبوة والرسالة هي أفعال تنفيذيّة تدعمها الولاية، ولا امتياز للرجال على النساء في نيل ولاية الله، مثلما كانت فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل من الكثير من الأنبياء عليهم السلام.

وكذلك القضاء والمرجعية (للرجال) هي. مناصب تنفيذية في يد الرجال، أما في أصل الاجتهاد والتفقه فلا أفضلية للرجل على المرأة. إنّ الرجولة شرط في تقلّد القضاء والمرجعية، وإلّا فالنساء يستطعن الوصول إلى درجة الاجتهاد كما يستطعن تربية القاضي والفقيه.

تنبيه: يجب الالتفات إلى انتفاء المانع في مرجعيّة النساء للنساء، والقدر المتيقن من الإجماع الذي هو دليل لبي (على افتراض تمامية الإجماع التعبدي) هـو نفي مرجعية النساء للرجال.

وفي ختام هذا البحث من الضروري التذكير بنقاط ثلاث:

النقطة الأولى: تستند المواد الحقوقية للمجتمعات غير الدينية على مبانٍ خاصة، وتلك المباني تعتمد على منابع تجريبية وتاريخية كما تعتمد أحياناً على تحليلات العقل التجريدي. بينما تستند هذه المواد الحقوقية للمجتمعات الدينية على أصول خاصة تعتمد على منابع الوحي وعلم الله سبحانه الأزلي المصان من عيوب الجهل وأمراض السهو والنسيان وآفة التحوّل والتغير الاستكمالي. وعلى هذا فإنّ ما يتم تدوينه حول الإنسان عموماً والنساء والرجال خصوصاً لـه جذور وحيانية متينة وراسخة.

النقطة الثانية: أنّ مقارنة حقوق الرجال مع النساء هي أوسع من مقايسة حقوق الزوجة والزوج أو البنت والابن مع الأب والأم؛ لأن هناك تعهدات متبادلة في العلاقات العائلية بين الزوجة والزوج، وهذه التعهدات المذكورة قابلة للزيادة والنقيصة نوعاً ما. فيمكن للمرأة في ضمن العقد أن تضع تعهدات على عاتق الرجل، أو أن تطلب امتيازات خاصة، وتصبح هذه الشروط لازمة الإجراء على الرجل في حالة مشروعيتها أولاً والقبول بها من جانب الرجل ثانياً. وهكذا الأبناء الذكور والإناث لهم تعهدات متقابلة أمام الأب والأم. إذن، فعلى ذلك يجب عدم الخلط بين بحث حقوق المرأة والرجل باعتباره أصلاً جامعاً وبين الموارد الأخرى مثل الزوج والزوجة.

النقطة الثالثة: أن المرأة والرجل يكافئ أحدهما الآخر في تحصيل العبادات، إلا أن الوصول إلى الكمالات لها شروطها الخاصة بها، كما أن نمو القابليات تساهم فيه عوامل عديدة كالماء والهواء والعرق والآداب والتقاليد و... وهذه العوامل ليست متشابهة في جميع الأمكنة، ويمكن ألا تكون النساء موفقة في تحصيل الكمالات العلمية والمعنوية والقيام بأعمال الخير بنفس درجة توفيق الرجال لذلك خصوصا عندما يصبح في احدى الحالات رجل مثل الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) إسما عظم الهيا إلا أن ذلك لا تعني سد الطريق أمام جميع النساء اذ يجب عدم الخلط بين القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية.

2. تجليل القرآن الكريم لمقام المرأة: لم يكن للنساء في أي وقت حق أو قيمة حتى لدى الامم المتمدنة كالبونان التي كانت تمتلك القانون والكتاب عرضة للتهديد والقتل والبيع والشراء وربما كانت تحرم أحيانا حتى من حق العبادة أيضا[3].

وفي الجاهلية أيضا كان الرجال ينزعجون من ولادة البنات ويعتبرون تربيتهن عارا بل كانوا في بعض الاحيان يدفنون البنات وهن أحياء: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل: 58-59].

ومع بزوغ فجر الدين الاسلامي صارت النساء تتمتع بالحقوق والتقدير الخاص وفي الحقيقة تم احياء شخصية المرأة لقد بدأ القرآن بخطوة أولى جمع فيها بساط قسوة وظلم الآباء الذين كانوا يقتلون بناتهم في بعض قبائل العرب وبعد تقبيحه قتل البنات اعتبر الرجال القساة من أصحاب القلوب الميتة مسؤولين ومدانين في محكمة العدل الالهي واصفا ما يحكمون به على النساء بالجهل والقبح (أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل: 59] لان تعيين جنس الوليد وكونه ولدا أو بنتا هو بيد الله (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) [آل عمران: 6] كما أن المصالح والمفاسد لا يعلمها إلا هو فيرزق البعض أولاداً والبعض الآخر بناتاً، ويرزق البعض الأولاد والبنات، ولا يرزق آخرين أبناء أصلاً؛ وفقاً لهذه المصالح والمفاسد (لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [الشورى: 49-50]. ولا يزال أثر الجاهلية موجوداً بين المسلمين حتى اليوم، حيث إنّـه عنـدمـا تحدث حالة من الزنا يشعر أقرباء المرأة بالعار على أنفسهم، بينما لا تشعر عائلة الرجل بمثل ذلك، بينما واقع الحال أن الزنا عار على كلتا العائلتين، والقرآن الكريم يعتبر الرجل والمرأة الزانيين مذنبين ويستحقان العقاب من دون أن يضع فرقاً بينهما (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2].

نعم، إن دور كلّ من المرأة والرجل في وقوع المعاصي يختلف عن الآخر، حيث تكون بدايات بعض الذنوب التي تتطلب قدرات بدنية عالية من الرجل ثم تسري إلى المرأة، بينما تكون بعض المعاصي التي تثيرها لطافة البدن مبتدئةً من المرأة ثم تتجه نحو الرجل[4]. ومن هنا نرى القرآن الكريم يقدم اسم الرجل على اسم المرأة حين بيانه لعقوبة السرقة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38]، بينما يفعل عكس ذلك عند الحديث عن الزنا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2]. ولكن الدنب عار على فاعله، وعدم إحساس أحد الطرفين بالحقارة في الذنب المشترك هو علامة على رسوخ الفكر الجاهلي في أذهان هؤلاء.

لقد أعلن القرآن الكريم بعد تحريمه وتقبيحه قتل البنات أن العرق والقبيلة هما كالتعداد والهوية الطبيعية للناس وأنهما ليسا سببا للتفاخر والقرب الى الله أو باعثا على العار والبعد عنه بل إن جميع الناس ينحدرون من مبدأ محترم اسمه آدم وحواء وإن محور الكرامة الوحيد عند الله هو التقوى وإن الانسان الاكثر تقوى هو الاقرب الى الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13][5].

كما أنه بعد بيانه لمحورية التقوى باعتبارها أصلا كليا يعدد الكثير من الفضائل الاخلاقية المشتركة للرجال والمرأة: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 35] كما يعتبر الرجل نظيرا للمرأة في أداء الامور العبادية وكسب الفضائل النفسية.

كما أنه في آية (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: 34] بعد بيانه لقيومية الرجال على النساء يذكر مباشرة فضائل النساء ويعددها.

ويذكر في آيات عديدة أيضا دور النساء في فترات التاريخ المختلفة ويشيد به ويثني عليه ويصرح بعظمته وفي هذا المجال نشير الى ما امتازت به النساء اللواتي كان لهن دور مؤثر في نهضتي النبيين موسى وعيسى عليهما السلام في فترتين تاريخيتين.

أ. نهضة النبي موسى عليه السلام: وفي هذه الفترة يحتل دور أم النبي موسى عليه السلام أهمية عالية وقد نظر القرآن الكريم نظرة خاصة الى أم هذا النبي عند الحديث عن نهضة موسى الكليم عليه السلام وأخبرنا في آيات (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) [القصص: 7] و(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) [طه: 38-39] عن وحي الله التكويني اليها وصلتها القلبية مع الله والأمر بالإرضاع وأمرها بإلقاء النبي موسى عليه السلام في البحر عند الاحساس بالخوف كل هذا مع أن هذا النبي كان لديه أب وجد حيان إلا أنه لا ذكر لهما في هذه الواقعة الملكوتية.

كما أن القرآن الكريم كشف عن دور زوجة فرعون في المحافظة على حياة النبي موسى عليه السلام والمساهمة في تهيئة أركان نهضته: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص: 8-9] واعتبر مقام هذه السيدة الكريمة مقاما عظيما من خلال ذكر مناجاتها مع الله وطلبها منه أن يبني لها عنده قصرا في الجنة وأن ينجيها من فرعون وأعمال الفرعونيين الباطلة: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) [التحريم: 11].

ومن الحوادث الأخرى التي هيأت الأرضية لنجاة المحرومين من بـنـي إسرائيل من ربقة الفراعنة، هو سلوك النبي موسى عليه السلام مع بنتي نبي الله شعيب عليه السلام لأنه من خلال التعامل العطوف والشريف لموسى مع هاتين البنتين تمكن من التعرف على البيت الرفيع الشعيب، فقضى فترة شبابه في معهد النبوة واكتسب الخبرة التي جعلته مؤهّلاً لإنقاذ مستضعفي بني إسرائيل.

إن بنتي النبي شعيب في نفس الوقت الذي كانتـا فيـه تشتغلان بالرعي حافظتا على حيائهما وطهارتهما أيضاً، وهذا الأمر الأساسي هو الذي لفت انتباه النبي موسى عليه السلام إليهما وصار سبباً في أن يستقي لهما الماء من البئر ثم يستريح في الظل: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) [القصص: 23-24] وبعد ذلك ذكرت البنتان لأبيهما شعيب عليه السلام قصة لقائهما بحضرة موسى عليه السلام ثم ـ وتنفيذاً لأوامر الأب- جاءت إحدى البنتين التي كانت موسی حركاتها تتصف بالحياء التام إلى موسى عليه السلام لتدله على منزلهم كي يطلبوا منه أن يتعاون معهم.

وبعد حضور موسى عليه السلام في دار شعيب تكلمت إحدى البنتين عن قدرة وأمانة النبي موسى عليه السلام طالبة استخدام هذا الشخص: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 25-26] وعلى إثر اتفاق النبي شعيب مع النبي موسى عليهما السلام تم زواج موسى الكليم عليه السلام. مع إحدى بنات شعيب.

ب. نهضة النبي عيسى عليه السلام: وفي الفترة الثانية يبرز دور السيدة مريم بما يجعله يستحق الدراسة.

يبدأ القرآن الكريم سرده لقصّة النبي عيسى عليه السلام بالإشارة إلى أوصاف أمه، وعن كيفية مجيئها إلى الدنيا يذكر أنّ امرأة عمران نذرت إن رزقها الله ولداً أن تجعله خادماً لبيت الله. وكان المنتظر أن يكون المولود ذكراً؛ لأنّ الولد أكثر ملاءمة لتقديم الخدمة، ولما جاء المولود أنثى قالت الله: إني كنت أظن أن المولود ذكراً، ولكنّي ولدت أنثى! وهنا يشير الباري تعالى إلى السيدة مريم عليها السلام بما يليق بها من الاحترام، فيقول بأنّ الولد لا يمكن قياسه مع هذه البنت التي رزقت بها: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 35-36].

ويمكن أن يعتبر الأدباء (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) [آل عمران: 36] تشبيها مقلوباً أو معكوساً، فيقولون: إن معناه أنّ المرأة ليست مثل الرجل، وهذا الاحتمال ناتج من الفهم الخاطئ لأصالة الرجل بالنسبة إلى المرأة. وإلا فظاهر العبارة هـو التشبيه المستقيم الذي يعني أنّ الولد الذي كنتِ تنتظرينه ليس مثل هذه البنت؛ لأن هذه البنت سوف تلد. من دون أن يمسها بشر آخر. نبياً إلهياً يقتلع جذور الظالمين.

تنبيه: إن احتمال التشبيه المقلوب يصح في حالة كون جملة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) [آل عمران: 36] هو قول أُمّ السيدة مريم، ولكن الظاهر أن جملة (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) [آل عمران: 36] بصيغة المؤنّث الغائب هي قول الله لا قول أُم مريم وإلا فإنّ صيغة المتكلّم المفرد هي. هكذا (بِمَا وَضَعَتْ) [آل عمران: 36] ولما كانت هذه الجملة هي كلام الله، فالتشبيه المذكور هو كلام الله أيضاً، وطبقاً لما تم بيانه فالذي يمكن احتماله هو أن يكون التشبيه مستقيماً لا مقلوباً.

ولتأييد استقامة التشبيه يمكن القول إنّ في فترة حياة هذه السيدة العظيمة لم يكن موجوداً بشر عادي يصلح أن يكون كفؤاً لها كي يتزوجها، وهذه علامة على عظمة السيدة مريم. عليها السلام إذ لو كان هناك فرد لائق وكفو لها، لانتفت ضرورة ولادة عيسى عليه السلام من دون ،أب، مثلما جاء بقية الأنبياء ولهم آباء، وإن كان من الممكن أن يكون في هذا الموضوع مصالح خفية أُخرى لسنا مطلعين عليها؛ لإمكانية وجود ضرورة لمثل هذا الإعجاز في ذلك المقطع التاريخي.

وعلى أي حال، فإضافة إلى مقبولية أعمال السيدة مريم عليها السلام فإن جوهر ذاتها مقبول الله أيضاً، والله سبحانه قد تكفّل هو نفسه تدبير أمورها بشكل خاص: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران: 37] وكان لعبادات هذه السيدة وحالاتها أثر عميق في النبي زكريا عليه السلام مما دفعه إلى أن يطلب الولد من الله، وقد استجاب الله تعالى له ببركة هذا الدعاء بولادة نبي الله يحيى عليه السلام.

3. تكريم القرآن الكريم لمنزلة الأمومة: أشاد القرآن الكريم في آيات مختلفة بمكانة الأمهات، مثل (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) [لقمان: 14]. فبعد إشادته في هذه الآية بمنزله الأب والأم، ذكر الام الأم بصورة منفردة، لكنه لم يتحدّث عن الأب وواجباته كتأمين مستلزمات معيشة العائلة.

واهتمت الروايات أيضاً اهتماماً خاصاً بدور الأم وتكريم مكانتها، في حين لم يتم التصريح بمثل هذا التعبير عن الأب. لقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجنـة تحت أقدام الأمهات[6]»، كما سُمّيت الأم التي تموت في حال النفاس بالشهيدة[7].

والسبب في اهتمام كتاب الله والعترة الأطهار عليها بالأمهات هو عظمة وظيفة صيانة البيت وتربية الأولاد؛ لأنّ انهيار أساس العائلة يجلب الكثير من المفاسد، مثلما أن السبب الأهم في فساد الغرب ناتج من هذه الناحية، ومن هنـا أمر الله سبحانه النساء بأن يلعبن دوراً فعالاً في البيت: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) [الأحزاب: 33].

إن ما يتعلّمه الطفل من السنة السابعة من عمره فما بعد يتوقف على ما تعلمه من مطالب في السنوات السبع الأولى من عمره في مدرسة الأم. وعلى هذا، فإنّ السلوك الفعلي للأُم سيكون له الدور الأساسي في مستقبل الإبن، ويحتل اهتمام الأم بالتعاليم الدينية أهميته الخاصة في هذا المجال. وجاء في إحدى الروايات النهي عن ضرب الطفل حتى نهاية عامه الأول؛ لأنّ بكاءه في الأشهر الأربعة الأولى هو شهادة بوحدانية الله، وبكاؤه في الأشهر الأربعة الثانية هـو شـهادة برسالة رسول الإسلام، وبكاء الطفل في الأشهر الأربعة الثالثة هو دعاء لوالديه[8].

ومن الأمور المهمة التي لها الأثر البالغ في تربية الطفل وتوفيقه هو إرضاعه والأم على وضوء مع قراءتها للأذكار واتجاهها نحو القبلة. وقد أثبتت التجارب الموثوقة أنّ العلماء البارزين قد ولدوا من أُمهات من هذا القبيل.

4. استحقاق النساء من الإرث: كانت النساء قبل ظهور الإسلام محرومات من الإرث، لكن الإسلام أقرّ لهن استحقاقهن له: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) [النساء: 7] فَأَثبت مبدأ استحقاق النساء للإرث من خلال جملتين مستقلتين ينتفي معهما أي احتمال للتخصيص أو التقييد، إلّا أنّ هناك تفاوتاً بين النساء والرجال في حصة كل منهما من الإرث في بعض الموارد.

والسر في هذا التفاوت هو أنّ الكثير من تكاليف تأمين المعيشة يقع على عاتق الرجل، مثل توفير المسكن والملبس والغذاء واستقبال الضيوف ومصاريف الأطفال ودفع المهر و... ومن هنا كانـت حـصـة الـرجـل أكثـر مـن حصة المرأة في بعض فروض الإرث. وفي مقابل ذلك تم التعويض عن قلة حصة المرأة من خلال إعفاءها من الالتزامات المالية المذكورة.


[1] يستعين البعض لتبيين تأثير أنوثة البدن على الروح من خلال الأخذ بنظر الاعتبار جسمانية حدوث وروحانية بقاء النفس أحياناً بالاستشهاد بمثال الزهرة والثمرة القائل بأن أي زهرة لا نوجب أي ثمرة.

[2] نهج البلاغة، الكتاب 31، الفقرة 118

[3] راجع: تاريخ تمدن كهت ترين روزكارتا سده ما = تاريخ الحضارة من أقدم العصور الى قرننا الحاضر ج1 ص187

[4] إن بعض تجارب علم النفس يؤيّد شدة الحياء لدى المرأة وشدّة الجرأة لدى الرجل. ولا شك في أنه يمكن عن طريق الدراسات الطبيعية البحث عن أثر كيفية بنية العضو الجنسي.

[5] قد بينا في السابق الفرق بين مطالب الحكمة النظرية التي تتمحور حول الوجود والعدم وبين مسائل العملية التي تدور حول (الوجوب والحظر) ويمكن أن يكون الرجال متمعين بقوة زائدة في البعض من الجهات فتكون عليهم مسؤوليات خاصة تناسب هذه القوة لكن هذا التمايز لن يكون سببا لامتيازهم.

[6] نهج الفصاحة، ج 1، ص 211

[7] من ماتت في حيضها مات شهياة مستدرك الوسائل، ج 2، ص 41؛ أيما امرأة ماتت في ولادتها حشرتها مع الشهداء (مستدرك الوسائل، ج 15، ص 214).

[8] التوحيد، الصدوق، ص 331؛ بحار الأنوار، ج 57، ص 381. وهناك آيات عديدة في القرآن الكريم تشير جميعها إلى أن تسبيح وسجود وتحميد وإسلام وانقياد جميع الموجودات هو إلى الله سبحانه. ودرك تسبيح وتحميد الموجودات ليس ميسوراً للجميع، إلا أن البرهان العقلي لم يقم على خلاف هذه القضايا أيضاً، وعلى هذا فليس من الصعب القبول الإجمالي لهذا النوع من المعارف. ونحن إن شاء الله تعالى سوف نسعى لبيان هذه الأصول في المكان المناسب. وعلى هذا فبكاء الطفل في مراحل طفولته المختلفة يحمل رسائل مختلفة، وهذا الأمر مقبول قبولاً كاملاً لا يشوبه أي محذور.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد