أصول المقالة في التراث العربي:
ربط كثير من الدارسين أصول المقالة بعدد من الفنون العربية القديمة كالخطابة والمقامة والرسائل، ولكننا نرى أن ربطها بالخطبة أمر لا يصح، إذ أن المقالة فن مكتوب له شروطه الخاصة، والخطبة فن قولي شفوي يشترط خطيباً ومستمعين وأسلوباً خاصاً يختلف اختلافاً بيناً عن المقالة، وكذلك صلتها بالمقامة التي تقترب من القصة والفنون السردية، لكنها بعيدة عن طبيعة المقالة وبنائها.
أما صلتها بالترسل فتتسع في الرسائل الأدبية التي برز فيها الجاحظ وابن المقفع، وكذلك في مقابسات أبي حيان التوحيدي، وتبدو نصوص ابن عبد ربه صاحب (العقد الفريد) في كثير من جوانبها قريبة الشبه بالمقالة عندما يحصر كتابته في موضوع واحد ويعبر عنه باقتصاد وسلاسة، وضمن رؤية ذاتية مجملة.
وكما يقول د. عبد اللطيف حمزة "ربما كان من الخطأ أن ننظر إلى المقال الصحفي على أنه شيء جديد في تاريخ الأدب العربي، بينما هو شيء له مقدماته التي مهدت لظهوره".
ويرى د. حمزة أن طريقة (الرسائل الحرة) التي شاعت في البيئة العباسية، في موضوعات الدين والسياسة والاجتماع والأدب تعد - مع التجوز - صحافة كاملة، واتخذ أمثلة من رسائل عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والجاحظ والإبشيهي وغيرهم.
فهذه الرسائل قريبة الشبه بالمقال فكلاهما وليد الظروف السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية في مجتمع ما ولذلك فالجاحظ - وفق د. حمزة - أعظم صحفي ممتاز، والأدب الجاحظي (صحافة كاملة لذلك العصر).
أما الاختلاف بين الرسائل الحرة وفن المقالة فيلخصه د. حمزة في:
أ- الطول: فالمقال الصحفي يمتاز بالقصر ولا يبلغ في طوله ما بلغته الرسائل الأدبية.
ب- الزمن: فالمقال الصحفي أشد ارتباطاً بالزمن وبوقت معين من الرسائل الأدبية.
ونرى أن كثيراً من الرسائل ترد قصيرة موجزة لا تجاوز في طولها ما ألفناه في فن المقالة، كما أن المقالات التي شاعت في مجالات عصرنا ليست قصيرة وإنما محدودة الطول، إذ تتعدد صفحاتها وتقترب من شكل الرسائل التي وجدناها عند الجاحظ وعند غيره من مؤسسي فن المقالة.
وكذلك عنصر الارتباط بالزمن فقد ارتبطت الرسائل الحرة بزمنها وعبرت عن إطارها الحضاري والتاريخي، فكانت أقرب إلى الملاحظات النقدية على أحوال العصر وظروفه، ولذلك نرى فيها سجلاً حضارياً لذلك العصر وتلك البيئة وقد قامت تلك الرسائل بالدور الذي نهضت به المقالة في العصر الحديث.
وبوسعنا أن نجد صورة المقالة في بعض رسائل الجاحظ وحكاياته وموضوعاته المختلفة التي تتعرض لبعض القضايا من مثل تفضيل النطق على الصمت أو الحديث عن مزايا الكتاب وهكذا، إذ تتوافر في كتاب "البخلاء" وفي رسائله بعض خصائص المقالة مثل: وحدة الموضوع وطرق الفكرة، وأسلوب التشويق وسلاسة العرض، ويمكننا أن نتابع ذلك في كتابات البيهقي والتنوخي وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.