يقع الكلام في هذه الملاحم والأخبار الغيبية تارة من جهه أن الأنبياء كيف علموا بهذا الأمر الموقوف ، ولم يعلموا بالأمر الموقوف عليه. وأخرى أنّ هذا الإخبار مع عدم الوقوع كيف لا يعد تكذيبا لقولهم؟
أما الأول ، فلا شك أنّ النبي إذا أخبر بشيء ثم حصل البداء في تحققه فلا بد أن يستند في إخباره إلى شيء يكون مصدرا لإخباره ومنشأ لاطلاعه. فيمكن أن يكون المصدر اتصاله بعالم لوح المحو والإثبات ، فاطلع على المقدّر ، ولم يطلع على كونه معلقا على أمر غير واقع ، لعدم إحاطة ذلك اللوح بجميع الأشياء.
كما أنه يمكن أن تتعلق مشيئته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه ، لحكمة داعية إلى إظهاره ، فيلهم أو يوحي إلى نبيه مع علمه سبحانه بأنه يمحوه.
نعم ، من شملته العناية الإلهية واتصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها ، وإن كان ذلك قليل كما يتفق ذلك لخاتم الأنبياء وبعض الأوصياء.
وعلى ضوء ذلك فالحكم الذي يوحى إلى الأنبياء ، تارة يكون ظاهرا في الاستمرار والدوام ، مع أنه في الواقع له غاية وحدّ يعيّنه بخطاب آخر.
وأخرى يكون ظاهرا في الجد مع أنّه لا يكون جديا واقعا ، بل لمجرد الاختبار والابتلاء.
وثالثة يوحى إليهم بالإخبار بوقوع عذاب لحكمة في هذا الإخبار ، ومع ذلك لا يقع.
هذه هي الجهات التي يمكن أن تكون مصدرا لعلمه واطلاعه. والكل يرجع إلى وقوفه على المقتضيات وعدم وقوفه على العلة التامة. فلأجل ذلك صح له أن يخبر عن التقدير الأول لأجل وجود المقتضى ، ولو اطلع على العلة التامة لأخبر عن التقدير الثاني. ولا بعد في أن يخفي تعالى على نبيه شرائط التقدير الأول وموانعه لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.
فقد كان هناك مصلحة في الإخبار عن تحقق ذبح إسماعيل ، ونزول العذاب إلى قوم يونس ، وكون الميقات ثلاثين يوما ، وأنّ العروس واليهودي يقتلان. فلله سبحانه في إخباره وإظهاره حكم ومصالح نقف على بعضها ولا نحيط بجملتها.
هذا كله حول مصدر علم النبي في إخباره.
وأما الثاني ، وهو أنّ إخبار النبي بشيء وعدم وقوعه يعد في نظر الناس تكذيبا للنبي. فنقول : إنّ المغيبات التي وقع فيها البداء إنما توجب معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والتقول بالخلاف إذا لم يكن هناك قرائن تدل على صدق مقالهم ، ولذلك نرى أن عيسى (عليه السلام) لما أخبر أصحابه بأن العروس ستهلك ، برهن على صدق مقاله بإراءة الأفعى تحت مجلسها كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) برهن على صدق إخباره بهلاك اليهودي بالأمر بوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود.
ونظيره قصة إبراهيم ، فإن في التفدية بذبح عظيم دلالة على صدق ما أخبر به الخليل من الرؤيا. كما أنّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر عن العذاب ، وقد رأى القوم طلائعه ، فقال لهم العالم : افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فاخرجوا إلى المفازة ، وفرّقوا بين النساء والأولاد ، وبين سائر الحيوانات وأولادها ، ثم ابكوا وادعوا ففعلوا فصرف عنهم العذاب (1).
وبالجملة ، إذا كانت إخبارات النبي مقترنة بالقرائن الدالة على صدق اخباره ، وأنّ الوقوع كان حتميا قطيعا لو لا فعل ما فعلوه ، لما عدّ ذلك تقولا بالخلاف ، بل يعد من دلائل الرسالة.
وعلى ذلك فإخباراتهم الغيبية إما كانت على وجه التعليق في اللفظ ، كما في قصة يونس ، حيث روي أنه قال لقومه : «إنّ العذاب مصبحكم بعد ثلاث إن لم تتوبوا» (2). أو في اللب ، كما إذا دلت القرائن الماضية على أنّ كلامه كان معلقا على مشيئته سبحانه ، وكانت مشيئته سبحانه معلقة على عدم صدور أمر يدفع العذاب.
وأنت إذا أحطّت بما ذكرنا من الأمور تقف على مدى صحة ما نقله الرازي عن سليمان بن جرير من أنّ أئمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم ، فإذا قالوا سيكون لهم أمر وشوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا لله تعالى (3)!. وكأنّ الرجل كان غافلا عن تلك المعارف العليا في الكتاب والسنّة.
ونضيف أخيرا بأنّ هذا النوع من الإخبارات التي تعد نتيجة للبداء لا نفس البداء ، لا تتجاوز في كلمات الأئمة عن مواضع أربعة (4) ، ذكر تفصيلها في موضعها ، فكيف يدّعي الرازي وضع ضابطة كلية؟!
______________
(1) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 153.
(2) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 135.
(3) نقد المحصل ، للرازي ، ص 421.
(4) راجع في تفسير ذلك كتاب «البداء في ضوء الكتاب والسنة» للأستاذ دام حفظه ص 107 ـ 108.