تجاوز المشرع على مبدأ الفصل بين السلطات
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص 209-214
2026-09-09
39
يكاد ينعقد اجماع الفقه الدستوري على ان مبدأ الفصل بين السلطات يعد من عناصر الدولة القانونية الذي بمقتضاه ينحصر عمل كل سلطة من سلطات الدولة بوظيفة معينة فتقوم السلطة التشريعية بسن القوانين وتعمل السلطة التنفيذية على تنفيذها في حين يتجلى عمل السلطة القضائية بالفصل في الخصومات الناشئة عن تطبيقها اياً كان نوعها أو طبيعتها أو اطرافها (1).
وعلى الرغم من ان الفصل المطلق بين تلك السلطات لم يعد مقبولاً بل اضحى التسليم بضرورة التعاون بينها هو المعتمد الا ان هذا الأمر لا يعني تمييع دور كل منها بحيث يصبح من السهولة تناول أي من السلطات المذكورة اختصاص الاخرى.
ولهذا فمازال صدى القول بأن القضاء مستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية يتردد على لسان الفقه والقضاء ولا يمكن تجاهله أو اغفاله وذلك انطلاقاً من المبدأ المهم ( الفصل بين السلطات ) الذي يعد بحق الحجر الاساسي لبناء تنظيم قضائي سليم لما يترتب عليه من ضمان للحريات الفردية ضد السلطة المطلقة وتأييد لمبدأ استقلال القضاء (2).
ولذلك اذا ما اتجهت الدساتير نزولاً عند اعتبارات المرونة التشريعية ان توكل امر توزيع الاختصاص بين المحاكم الى السلطة التشريعية فأن هذا التفويض لا يعني خروج تلك السلطة عن الحدود المرسومة لها من خلال الانتقاص من الولاية العامة للسلطة القضائية وبما ينال من استقلالها (3).
وعلى العموم فأننا لو اقتفينا اثر الدساتير العراقية المتعاقبة منذ ولادة الحكم الوطني في بداية القرن العشرين لالفينا تأكيد المشرع الدستوري على استقلال القضاء في مواجهة السلطات الاخرى استقلالاً لا ريب فيه وان شابه بعض التباين.
ففي ظل الحكم الملكي نرى ان القانون الاساسي لسنة 1925 قد نص على ( ان المحاكم مصونة من التدخل في شؤنها ) (4) كما اكد ان (للمحاكم المدنية حق القضاء على جميع الاشخاص في العراق وفي الدعاوى كافة والامور المدنية والجزائية التي تقيمها الحكومة العراقية أو تقام عليها عدا الدعاوى والامور الداخلة في اختصاص المحاكم الدينية أو المحاكم المخصوصية) (5) وبعد الغاء هذا القانون على اثر سقوط الحكم الملكي وقيام الحكم الجمهوري ومن ثم توالي الدساتير المتعاقبة في هذه الحقبة ( وهي دستور 1958 و 1964 ، 1968 و 1970) لم نعثر فيها على نصوص مشابهة لتلك التي كانت مقررة في اول دستور للعراق ومع ذلك فهي التزمت التأكيد على استقلال القضاء وكفالة حق التقاضي ومنها ما نص عليه دستور 1970 بأن ( القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون) (6) كما قضى بأن ( يحدد القانون طريقة تشكيل المحاكم ودرجاتها واختصاصها .... الخ. (7))
ويلاحظ في هذا الدستور انه لم يأت بنص يجعل الولاية العامة للقضاء في الفصل في الخصومات كما كان مقرراً في دستور 1925 الا ان هذا الامر ليس بالضروري لان مفهوم القضاء واضح ودوره يتمثل في فض المنازعات كما ان المشرع الدستوري حدد اختصاص كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قبل ان يبين الاحكام الخاصة بالقضاء حيث تتولى الأولى بصورة أساسية سن القوانين (8) في حين تختص الثانية بتنفيذها (9) ولذلك كان الفصل في الخصومات من اختصاص القضاء وان لم يُشر الى ذلك صراحة.
وكذلك يلاحظ على الدستور المذكور عدم استثنائه منازعات معينة من الخضوع للولاية العامة للقضاء كما هو الحال في دستور 1925 الذي استثنى المنازعات الخاضعة للمحاكم الدينية والمحاكم الخصوصية ( أي الخاصة ) من الخضوع لولاية المحاكم المدنية وهنا تبرز المشكلة، فهل معنى ذلك ان المشرع الدستوري لم يرغب في اخراج اية منازعات من ولاية القضاء ، ام انه اراد ان يترك الامر للسلطة التشريعية لتقرر بشأنه ما تشاء بحسب الظروف والاحوال ؟
يمكن القول أن النصوص العامة للدستور توحي بأن المشرع الدستوري اراد هنا أن تختص كل سلطة بوظيفتها الاساسية وأن خروج اية سلطة من الوظيفة الأساسية الموكلة اليها ينبغي أن يكون في حدود النصوص الدستورية ذاتها التي اجازت ذلك الخروج وحددت احكامه وضوابطه وهو ما يتضح في اطار السلطة التشريعية التي كانت تتولى اصدار القرارات الإدارية الى جانب وظيفتها الاساسية وهي من القوانين أو اصدار القرارات التي لها قوة القانون (10) كذلك يتجلى هذا الأمر في اطار السلطة التنفيذية التي تتولى الى جانب وظيفتها الاساسية ( وهي تنفيذ القوانين ( سلطة اصدار القرارات التي لها قوة القانون (11). ويلاحظ ان مثل ذلك الخروج لم ينص عليه الدستور بالنسبة للقضاء وهو ما يعني ان للاخير الولاية العامة بنظر المنازعات المختلفة دون استثناء الا ان مجرد استقراء بسيط لتوجهات المشرع العادي نلاحظ انه ذهب الى خلاف ذلك تماماً، اذ عد النصوص الدستورية المشار اليها آنفاً بمثابة تفويض له بتنظيم القضاء وتحديد اختصاصه بالصورة التي يراها دون قيد أو معقب ولهذا نجده في قانون المرافعات المدنية ينص على سريان ولاية المحاكم على جميع الاشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات الا ما استثنى بنص خاص(12).
كذلك نص قانون التنظيم القضائي على ان ( تسري ولاية القضاء على جميع الاشخاص الطبيعية والمعنوية العامة والخاصة الا ما استثنى بنص خاص) (13). وبناء عليه بات المشرع العادي يستند الى تلك النصوص التي وضعها بنفسه في اخراج الكثير من المنازعات لا سيما الادارية (14) من ولاية القضاء ليقرر بعد ذلك تحصينها نهائياً من الطعن بها امام اية جهة أخرى أو ايجاد جهات غير قضائية بتشكيل معين للفصل فيها، وهو ما تحقق بالنسبة للمنازعات الضريبية اذ اخرجها المشرع من ولاية المحاكم وناط النظر بها بلجان ضريبية منحها اختصاصاً قضائياً.
ونرى في ذلك تعدياً صارخاً على مبدأ الفصل بين السلطات الذي اضحى من المبادئ الدستورية العامة في جميع النظم الديمقراطية يقتضي من جميع السلطات احترامه حتى وان لم ينص عليه الدستور صراحة.
وحتى لو سايرنا مقاصد المشرع العادي وقدرنا مبرراته في اخراج منازعات معينة نظراً لطبيعتها أو لصفة اطرافها أو للظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة من ولاية القضاء مثال ذلك الخاصة بأعمال السيادة أو المنازعات العسكرية أو المشتجرة بسبب اعلان حالة الطوارئ فأن هذا الامر لا يعد مقبولاً بالنسبة لمنازعات تفرض طبيعتها اختصاص القضاء بالفصل فيها الا وهي المنازعات الضريبية والسبب في ذلك يعود الى ان الادارة تكون في أوج قوتها نظراً لما تتمتع به من امتيازات وسلطات تقديرية واسعة يكاد لا يحدها حد .اذ تتضح سلطاتها التقديرية في مجال تحديد الدخول والارباح الخاضعة للضريبة ومدى توفر شروط الاعفاء منها ومدى استحقاقها لتنزيل التكاليف التي ساهمت في الحصول عليها، وتحديد مقدار السماحات التي يستحقها صاحبها وتحديد سعر الضريبة المفروضة عليها فضلاً عن تقديرها مدى صحة المعلومات والبيانات والتقارير المقدمة من قبل المكلف ومدى التزامه بالواجبات الملقاة على عاتقه فكل هذه الاحكام وغيرها التي تنطوي عليها القوانين الضريبية تؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الادارة تتمتع في ظلها بسلطات واسعة لذلك كان من الأولى ايلاء الرقابة على اعمال تلك الادارة الى القضاء على اعتبار انه الحامي الاول والاخير للحقوق والحريات وكذلك من اجل الحؤول دون تعسفها في استعمال سلطتها أو شططها في تقديرها للضرائب ورد غوائلها عندما تحيد عن جادة الصواب.
وبناء عليه فأننا نرى ان ما قررته السلطة التشريعية لنفسها من اختصاص يتجلى فيه صورة الاعتداء على عمل القضاء مما يعد انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات و نأياً من جانبها عن روح النصوص الدستورية ومبادئها العامة، هذا من جانب ومن جانب آخر ان اعتداء السلطة التشريعية على هذا المبدأ يعد في الوقت ذاته اعتداء على سيادة القانون لان هذه السيادة وحسب ما يقرره بعض الفقهاء (15) لا تتحقق مالم تفرض على جميع السلطات في الدولة تشريعية كانت أم تنفيذية ام قضائية وانه على السلطة التشريعية ان تهتدي بالقواعد الدستورية ومبادئ الحق الطبيعي اثناء سنها لاي قانون لانه في حال عدم الاهتداء بمثل هذه القواعد التي تعتبر ضوابط ملجمة لها كان في مقدورها ان تسن ما تشاء من التشريعات، وتترك الافراد تحت رحمة هذه التشريعات، ويقال عندئذٍ ان هذه القوانين قد عصفت بحقوق الافراد واغتالت حريتهم وهو ما يؤدي الى تحقيق الطغيان بأسم القانون وسيادته.
______________
1- د. ثروت بدوي، النظم السياسية، ج 1 بلا مكان نشر دار النهضة العربية، 1964 ص 135.
2- د محمد ظاهر معروف، ممارسة السلطات القضائية من قبل الموظفين الاداريين في العراق، مجلة القضاء ، ع ، س 1971،26 ،ص 48.
3- سعد عصفور النظام الدستوري المصري إسكندرية، منشأة المعارف، 1980، ص 420.
4- انظرم (71) من القانون الاساسي لسنة 1925 الملغي.
5- انظر م (73) من القانون الأساسي المذكور اعلاه.
6- انظر ف (أ) م (73) من دستور 16 تموز 1970.
7- انظر ف ( ج ) م (63) من دستور 16 تموز 1970.
8- كانت تتمثل السلطة التشريعية وبحسب ما نص عليه الدستور العراقي في 16 /تموز / 1970 بمجلس قيادة الثورة (المنحل) (م42/أ) ورئيس مجلس قيادة الثورة عند تخويله سلطة سن القوانين أو اصدار قرارات لها قوة القانون من قبل المجلس المذكور ( م43 /ز ) ويضاف الى ذلك فأنه لرئيس الجمهورية عند الاقتضاء اصدار قرارات لها قوة القانون ( م 57/ج) اما المجلس الوطني ( المنحل ) فأنه لم يكن له الحق سوى النظر في مشروعات القوانين المقترحة فيما عدا الحالات التي يحصل فيها خلاف بينه وبين مجلس قيادة الثورة (المنحل ) اذ ينبغي هنا ان تعقد جلسة مشتركة بين المجلسين ومن ثم يعتبر القرار الصادر بأغلبية الثلثين قراراً نهائياً ( م 52،53 ) وحينها يمكن القول بأنه جزء من السلطة التشريعية.
9- كانت تتمثل السلطة التنفيذية في ظل دستور (1970) برئيس الجمهورية ( م 57/أ ) ومجلس الوزراء (المنحل) (م61،62 ) كما أجاز المشرع الدستوري لمجلس قيادة الثورة (المنحل ( اصدار القرارات الإدارية في كل ما تستلزمه ظروف تطبيق أحكام القوانين النافذة ( م 42 /ب.)
10- ونقصد بذلك مجلس قيادة الثورة ( المنحل ) الذي حول سلطة اصدار القرارات اللازمة لتنفيذ القانون بحسب المادة (42 /ب) من دستور 1970.
11- ونريد بذلك رئيس الجمهورية الذي كان المشرع الدستوري يمنحه سلطة اصدار القرارات التي لها قوة القانون بحسب المادة (57/ج) من دستور 1970.
12- انظر م (29) من قانون المرافعات المدنية النافذ.
13- انظر م(3) من قانون التنظيم القضائي رقم ( 1960) لسنة 1979 النافذ.
14- انظر تفصيل ذلك لدى عصام عبد الوهاب البرزنجي، الرقابة القضائية على اعمال الإدارة في العراق وآفاق تطورها، مجلة العلوم القانونية، المجلد (4), ع (21)، 1985 ، ص 173-182.
15- نصرت منلا ،حیدر، مدی دستورية القوانين التي تحجب حق التقاضي مجلة المحامون، ع10 1976 ، ص 233.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة