الانتقال والمعاينة في الجريمة غير المشهودة
المؤلف:
سجاد غانم عبد الحسين
المصدر:
الانتقال والمعاينة لعضو الضبط القضائي وحجيته في الاثبات
الجزء والصفحة:
ص 118-121
2026-08-17
16
ويقتضي ذلك بيان مفهوم الجريمة غير المشهودة، ومدى طبيعة الانتقال والمعاينة، في هذا النوع من الجرائم .
اولاً: تعريف الجريمة غير المشهودة :
إن معيار التمييز بين الجريمة المشهودة والجريمة غير المشهودة يتمثل في علانية سلوك الجاني وظهوره للعيان بما يتيح إدراكه إدراكا مباشرًا (1).
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الجريمة غير المشهودة هي الجريمة التي لا يتم كشفها فور وقوعها، وإنما بعد مضي مُدَّة زمنية عليها، الأمر الذي يترتب عليه زوال مظاهر التلبس وضعف الأدلة المادية أو تكون الأدلة أقل وضوحاً مقارنة بالجريمة المشهودة (2).
وعليه تُعدّ الجرائم غير المشهودة هي الجرائم العادية التي لا تتوافر فيها حالات الجريمة المشهودة المنصوص عليها قانوناً، أو التي انقضت على ارتكابها مدة تزيد على أربع وعشرين ساعة"، بما يترتب عليه انتفاء وصف التلبس فيها (3) ، فإذا زالت أحوال التلبس بالجريمة، أو لم تتحقق أحدى صور الجريمة المشهودة، واكتشفت الجريمة دون قيام حالة من حالات التلبس عُدَّت الجريمة غير مشهودة (4).
ثانياً : تمييز الجريمة المشهودة عن الجريمة غير المشهودة
للتمييز بين النوعين من الجرائم، يكمن ذلك في عدة نواحي أساسية من أهمها :
1- من حيث جواز القبض على المتهم (5) : حيث أجاز قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، لكل شخص ولو بغير أمر من السلطات المختصة أن يقبض على أي متهم بجناية أو جنحة، إذا كانت الجريمة مشهودة (6).
2- من حيث القياس وردت حالات الجريمة المشهودة في قوانين الإجراءات الجزائية على سبيل الحصر لا على سبيل البيان أو المثال ، وعليه لا يجوز التوسع فيها بطريق القياس أو التقريب، كما لا يملك القاضي سلطة إنشاء أو استحداث حالات تلبس جديدة غير تلك التي نص عليها المشرع (7).
من حيث التلبس بالزنا : جعل قانون العقوبات العراقي والمصري من حالة التلبس بالزنا عذراً قانونياً، لتخفيف العقوبة لمن يقتل زوجته أو أحدى محارمه (8) ، أمَّا في فلسطين، في إزاء بعض الجرائم التي ترتكب بدافع الشرف، ثم يتبين براءة الضحية عند تشريح جثتها (9) ، فقد صدر قرار يلغي بما يسمى القتل بدافع الشرف، وتعد جريمة قتل عادية (10). إلا أننا نؤيد ما ذهب إليه كل من المشرعين العراقي والمصري، ذلك أن الإنسان بطبيعته كائن تحكمه العواطف والانفعالات، وقد تعتريه في بعض الجرائم ثورة غضب نفسي وهيجان عاطفي يصعب معه ضبط السلوك .
4- من حيث التمتع بالحصانة البرلمانية : منح الدستور أعضاء المجالس التشريعية، أثناء دورات انعقادها، نوعا من الحصانة البرلمانية، يترتب عليها عدم جواز توقيف عضو المجلس أو اتخاذ إجراءات محاكمته خلال هذه المدة إلا بعد الحصول على موافقة المجلس ذاته. غير أن هذه الحصانة لا تمتد إلى حالة التلبس بالجريمة (11)، فالحصانة البرلمانية لا تُؤدي دورها في منع القبض على النائب عند ارتكابه جريمة مشهودة(12).
ثالثاً : طبيعة الانتقال والمعاينة في الجريمة غير المشهودة :
إن الانتقال والمعاينة في الجريمة غير المتلبس بها (غير المشهودة) لا يُعدّان من الإجراءات الوجوبية وإنما هما من الإجراءات الجوازية التي تخضع لتقدير سلطة التحقيق، بحسب ظروف الواقعة ومدى الحاجة إلى هذا الإجراء لكشف الحقيقة (13) . وبذلك نكون أمام معاينة جوازية في الجرائم غير المشهودة، على خلاف المعاينة الوجوبية في الجرائم المشهودة على الرغم من أن المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يُشر صراحةً إلى إجراء المعاينة الجوازية لعضو الضبط القضائي (14)، إلا أنه أشار إلى المعاينة التي تجريها المحكمة متى رأت في ذلك جدوى وفائدة في كشف الحقيقة والوصول إليها (15).
وفي صدد الانتقال والمعاينة الجوازية نظم المشرع المصري ذلك ضمن أحكام قانون الإجراءات الجنائية، حيث أجازت المادة (90)(16) من القانون لقاضي التحقيق الانتقال إلى الأماكن متى اقتضت ضرورة التحقيق ذلك، ورأى أن في هذا الإجراء ما يوجب القيام به إظهارا للحقيقة ويُفهم من هذا النص أن سلطة الانتقال والمعاينة في الجرائم غير المشهودة تُعد سلطة جوازيه تخضع لتقدير سلطة التحقيق بحسب ظروف كل واقعة وما تقتضيه مصلحة التحقيق (17).
وعلى صعيد مأموري الضبط القضائي، فأشار ذات القانون إلى أنَّ من اختصاصات مأموري الضبط اجراء المعاينات اللازمة تسهيلاً لإجراءات التحقيق (18)، فإنَّ الانتقال والمعاينة جوازيه إذا كانت الجريمة غير متلبس بها (19).
أماً قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني، وبما أن المشرع أوجب الانتقال الفوري في حالات التلبس، فإن المعاينة خارج هذه الحالات تظل جوازيه متروكة لتقدير النيابة العامة وأفراد الضبط القضائي، عملا بالمادة (22/2) من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني (20) .
ونفهم مما سبق أن طبيعة إجراء الانتقال والمعاينة تختلف باختلاف حالة الجريمة؛ إذ تكون وجوبية إذا كانت الجريمة مشهودة، أما في غير الأحوال التي حددها المشرع على سبيل الحصر، فيكون الانتقال والمعاينة إجراء جوازيًا، يخضع لتقدير الجهة المختصة القائمة به.
________________
1- د. علي حسين الخلف، ود. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، دار الكتاب القانوني، بيروت، لبنان، 2019، ص 319 .
2- د. مصطفى كامل شرح قانون العقوبات العراقي، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف، بغداد، 1949، ص 94.
3- سليم علي عبده، تقديم القاضي د. فوزي ،أدهم الجريمة المشهودة (دراسة مقارنة)، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان الطبعة الأولى، 2005، ص 108.
4- يقصد بالجريمة غير المشهودة تلك الجريمة التي لا تتوافر فيها أي من حالات التلبس التي حددها القانون على سبيل الحصر، سواء لعدم ضبطها حال ارتكابها، أو لعدم اكتشافها عقب وقوعها بوقت قريب، أو لانتفاء المظاهر الخارجية الدالة على ارتكابها. وبذلك فإن هذه الجريمة لا تبرر اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية المقررة لحالة التلبس، وإنما تخضع في كشفها والتحقيق فيها للقواعد العامة المنصوص عليها في القوانين الإجرائية. وتعد الجريمة غير المشهودة هي الأصل العام في الجرائم، إذ إن المشرع افترض وقوع الجريمة في الغالب دون مشاهدة مباشرة أو قرائن فورية تكشف عن مرتكبها، الأمر الذي يقتضي احترام الضمانات الإجرائية المقررة للأفراد، وعدم المساس بحرياتهم إلا وفق أو امر قضائية مسبقة. وعلى هذا الأساس، فإن معيار التمييز بينها وبين الجريمة المشهودة يقوم على ضابطين رئيسين: أولهما الضابط الزمني المتمثل في الفاصل الزمني بين وقوع الجريمة واكتشافها، وثانيهما ضابط علانية السلوك الإجرامي، أي مدى ظهور الفعل الإجرامي على نحو يسمح بإدراكه مباشرة من قبل السلطات أو العامة. ويترتب على اعتبار الجريمة غير مشهودة تقييد سلطات الضبط القضائي، فلا يجوز لها القيام بإجراءات القبض أو التفتيش أو الدخول إلى المساكن إلا وفقًا للشروط والأوضاع التي رسمها القانون ولا يمكن وضع تعريف جامع مانع للجريمة غير المشهودة، ذلك أن المشرع لم يُعن بتحديدها بنص خاص، وإنما اكتفى ببيان حالات الجريمة المشهودة على سبيل الحصر، مما يجعل الجريمة غير المشهودة تُعرف بطريق غير مباشر، أي من خلال انتفاء إحدى صور التلبس المنصوص عليها قانونا.
5- د. جاسم خريبط خلف شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة الثالثة، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2020، ص 106.
6- ينظر المادة (102/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي.
7- د. مدحت محمد بهي الدين باظة سلطات مأموري الضبط القضائي في مجال جمع الأدلة في التشريعين المصري والفرنسي (دراسة مقارنة) دار النهضة العربية القاهرة، مصر، 2017 ص223.
8- ينظر المادة (409) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 النافذ والمعدل، والمادة (237) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 النافذ والمعدل
9- د. ايمن ناصر عبد العال القتل بدافع الشرف، (دراسة تحليلية مقارنة بين التشريع المصري والفلسطيني)، بحث منشور في المجلة الدولية للدراسات القانونية والفقهية المقارنة مجلد 2 عدد 3 2021، ص 161
10- قرار قانون رقم 7 لسنة 2011 لا لغاء نص المادة (340) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 النافذ والمعدل
11- د. جاسم خريبط خلف شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة الثالثة، منشورات زين الحقوقية، بيروت، لبنان، 2020 ، ص107.
12- سليم علي عبده، مصدر سابق، ص 106 . وينظر المادة (63/ ب، ج) من دستور العراق لسنة 2005، وتقابلها المادة (114) من دستور مصر لسنة 2014 ، وتقابلها المادة (4/53) من القانوني الأساسي الفلسطيني لسنة 2003.
13- د. محمد حماد مرهج الهيتي، الأدلة الجنائية المادية، مصادرها انواعها _ أصول التعامل معها، دار الكتب القانونية مصر، 2014، ص 284.
14- اسراء محمد علي سالم المعاينة في المواد الجزائية، أطروحة دكتوراه مقدمة الى جامعة بغداد، كلية القانون، 1999، ص62 .
15- نصت المادة (165) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي: " للمحكمة ان تنتقل لأجراء الكشف أو التحقيق اذا تراءى لها ان ذلك يساعد في كشف الحقيقة وعليها أن تمكن الخصوم من الحضور اثناء الكشف. ويُلاحظ أن المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يشر إلى المعاينة الجوازية قبل مرحلة المحاكمة، إذ اقتصر تنظيمه في هذه المرحلة على المعاينة الوجوبية، في حين أن إشارته إلى المعاينة الجوازية جاءت مقصورة على ما يُجرى أثناء المحاكمة . ينظر المادة (43، 52) من القانون ذاته
16- نصت المادة (90) من قانون الإجراءات الجنائية المصري : " ينتقل قاضي التحقيق إلى أي مكان كلما رأى ذلك ليثبت حالة الأمكنة والأشياء والأشخاص ووجود الجريمة مادياً وكل ما يلزم إثبات حالته".
17- المستشار مصطفى مجدي هرجة، الاثبات الجنائي والمدني في ضوء الفقه والقضاء ، ج 1، بدون دار نشر، 1996 ، ص 93.
18- ينظر المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية المصري
19- د. علي عيسى القيمري، أو امر قاضي التحقيق في ضوء قانون الإجراءات الجنائية المصري، (دراسة تحليلية مقارنة)، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2024، ص 263.
20- رمزي عوني المعاينة الجنائية ودورها في الاثبات الجنائي في التشريع الفلسطيني، (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، 2019 ، ص 45 . الفقرة 2 من المادة 22 من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني : " إجراء الكشف والمعاينة والحصول على الإيضاحات اللازمة لتسهيل التحقيق..." .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون اصول المحاكمات الجزائية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة