المقصود بـ(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص289-292
2026-06-18
89
قال مؤلف كتاب كشف الاسرار: لما أمر الله سبحانه عباده بالصيام وأوجب عليهم حمل مسؤولية هذا الحكم عبر عن ذلك بقوله (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) لكيلا يشق هذا التكليف على العباد إذا فالمراد من عبارة (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) هو التخفيف بعد التكليف مثل قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ[1])، ثم قال تعالى بعد ذلك: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[2])[3].
قوله تعالى (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)، منصوب على الظرفية بتقدير في ومتعلق بقوله (الصِّيَامُ)، وقد مر أن تنكير أيام واتصافه بالعدد للدلالة على تحقير التكليف من حيث التكلفة والمشقة تشجيعا للمكلف، وأن قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) بيان للأيام فالمراد المعدودات شهر رمضان[4].
وظن البعض أن المراد بقوله تعالى (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) هو صيام غير الصيام الفروض في شهر رمضان وأنه كان صياما لثلاثة أيام من كل شهر وتم نسخ ذلك بنزول حكم وجوب الصيام في شهر رمضان المبارك في الاية التي تلي تلك الاية[5]. وهناك احتمال آخر يقول إن المقصود بـ(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) هو الصيام لثلاثة أيام في كل شهر إلا أن ذلك كان مقتصرا على رسول الله ﷺ[6]، بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم ونهب أموالهم في وقعة الطف ثم تبركوا باليوم فاتخذوه عيدا وشرعوا صومه تبركا به ووضعوا له فضائل وبركات ودسوا أحاديث تدل على أنه كان عيدا إسلاميا بل من الاعياد العامة التي كانت تعرفه عرب الجاهلية واليهود والنصارى منذ بعث موسى وعيسى عليهما السلام.
وكل ذلك لم يكن وليس اليوم ذا شأن ملي حتى يصير عيدا مليا قوميا مثل النيروز أو المهرجان عند الفرس ولا وقعت فيه واقعة فتح أو ظفر حتى يصير يوما إسلاميا كيوم المبعث ويوم مولد النبي ولا هو ذو جهة دينية حتى يصير عيدا دينيا كمثل عيد الفطر وعيد الاضحى فما باله عزيزا بلا سبب؟ وثانيا إن الاية الثالثة من الايات أعني قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) تأبى بسياقها أن تكون نازلة وحدها وناسخا لما قبلها فإن ظاهر السياق أن قوله (شَهْرُ رَمَضَانَ) خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ لخبر محذوف كما مر ذكره فيكون بيانا للأيام المعدودات ويكون جميع الايات الثلاث كلاما واحد مسوقا لغرض واحد وهو فرض صيام شهر رمضان وأما جعل قوله (شَهْرُ رَمَضَانَ) مبتدأ خبره قوله: (الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فإنه وإن أوجب استقلال الاية وصلاحيتها لئن تنزل وحدها غير أنها لا تصلح حينئذ لئن تكون ناسخة لما قبلها لعدم المنافاة بينها وبين سابقتها مع أن النسخ مشروط بالتنافي والتباين[7].
تذكير: قال الطبري بأن على من ادعى وجوب الصيام في غير شهر رمضان ثم نسخ ذلك بوجوب الصوم في شهر رمضان فليأت بالبرهان[8]، وكذب الكثير من المفسرين المتأخرين النسخ المزعوم كصاحب تفسير المنار[9].
[3] كشف الأسرار: 1 / 485 ، بتصرف.
[4] راجع: تفسير الميزان: 2 / 8-9.
[5] تفسير جامع البيان: المجلد 2 ، 2 / 173 - 174.
[6] راجع: تفسير الكشاف: 1 / 225.
[7] تفسير الميزان 2 / 9 - 10 .
[8] راجع: جامع البيان: 2 / 174 .
[9] راجع: تفسير المنار: 2 / 150
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة