المطلب الثاني: الصدقة
إنّه لمّا كان من آداب السفر المؤكّدة الصدقة كما عرفت وجرى ذكرها، ناسب أن نشير إلى فضلها وآدابها الواردة عن أهل البيت (عليهم السّلام)، فنقول: إنّ الصدقة - وهي التطوّع بإعطاء مال وتمليكه من غير عوض للّه سبحانه - فضلها كثير، فقد ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّ الصدقة تدفع ميتة السوء (1)، وأنّ صدقة المؤمن تظلّه يوم القيامة (2)، وأنّها تزيد في المال كثرة (3)، وأنّها خير مال المرء وذخائره (4)، وأنّها دواء المرضى (5)، وعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّها جُنّة من النار (6)، وعن سائر الأئمّة (عليهم السّلام) أنّ البرّ والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة السوء (7)، وأنّها تدفع سبعين بابا من السوء، منها الداء، والدبيلة (8)، والحرق، والغرق، والهدم، والجنون (9)، وأنّ اللّه (عزّ وجل) يعطي بصدقة واحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد (10)، وأنّها مفتاح الرزق (11)، وأنّها تزيد في المال كثرة (12)، وأنّها تقضي الدين، وتخلف بالبركة (13)، وأنّ صدقة المؤمن لا تخرج من يده حتّى يفك عنها من لحى سبعين شيطانا كلّهم يأمره بأن لا يفعل، وما تقع في يد السائل حتّى تقع في يد الرّب جلّ جلاله (14)، وأنّ خير مال المرء وذخائره الصدقة (15)، والصدقة المندوبة سرّا أفضل من الجهر (16)، وورد عن النّبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أنّ صدقة السّر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى (17)، ومعنى السّر أن لا يعلم بها ثالث، وأفضل منها أن لا يعرف المتصدّق عليه المتصدّق، وأمّا الواجبة فإظهارها أفضل بل الأقرب أفضليّة الإعلان بالمندوبة أيضا عند أداء الأسرار بها إلى تهمة عدم المواساة للفقراء (18). ويستحب أن يعول الإنسان أهل بيت من المسلمين بل يختاره على الحج والعتق، وقد ورد أنّ الحجّ أحبّ من عتق سبعين رقبة، وأنّ الإعالة لأهل بيت من المسلمين بإشباع جوعتهم، وإكساء عورتهم، وكفّ وجوههم من الناس أحبّ من سبعين حجّة (19).
ويستحب المبادرة بالصدقة في الصحّة قبل المرض (20)، ومداواة المريض بالصدقة (21)، والأفضل أن يعطى المريض الفقير بيده، ويأمره بأن يدعو له (22)، وكذا الطفل (23) ولا فرق في فضل الصدقة المندوبة بين أن يكون المتصدّق به كثيرا أو قليلا، والمتصدّق عليه فقيرا أو غنيّا (24)، وإن كان التصدّق بالكثير أفضل، وعلى الفقير أفضل، ويستحب التصدق كلّ بكرة وعشيّة بشيء ليوقي اللّه تعالى شرّ ما ينزل من السماء إلى الأرض في ذلك اليوم وتلك العشيّة (25)، ويستحبّ التصدّق بشيء من المال الذي يخاف عليه لحفظ الباقي (26)، ومع عدم المستحقّ يعزل المقدار ويقصد به الصدقة (27).
وينبغي أن يكون المتصدّق عليه قنوعا، وأن يحمد اللّه إذا أخذ ويدعو لمن أعطاه. وينبغي ردّ غير القانع، وإلّا زادة للقانع (28).
ويتأكد استحباب الصدقة في الأوقات الشريفة كيوم الجمعة، ويوم عرفة (29)، وشهر رمضان (30)، والأعياد، ونحوها.
ويستحب التصدّق على الحيوانات أيضا (31).
والتصدّق على الأرحام أفضل من التصدّق على الأجانب (32).
ويكره ردّ السائل ولو ظنّ غناه، بل يعطيه شيئا ولو يسيرا، أو يعده به، فإن لم يجد ردّه ردّا جميلا (33).
ولا يكره ردّ السائل الرابع إذا تصدّق على ثلاثة (34).
ويستحب التماس السائل الدعاء، فقد ورد أنّه يستجاب دعاؤه فيكم، وإن لم يستجب في نفسه لكذبه (35).
ويستحب المساعدة على إيصال الصدقة إلى المستحق، فقد ورد أنّه لو تداولها أربعون ألف إنسان ثم وصلت إلى المسكين كان لهم أجر كامل (36)، بمعنى أنّه يؤجر كلّهم من غير أن ينقص من أجر صاحبه شيء.
ويكره المنّ بعد الصدقة، وقد ورد أنّ اللّه تعالى حرّم الجنّة على جمع منهم المنّان بفعل الخير إذا عمله (37).
ويستحب تقبيل المتصدّق يد نفسه بعد الإعطاء؛ لأنّ اللّه تعالى يأخذ الصدقة قبل أن تقع في يد المتصدّق عليه (38).
ويكره لوم المتصدّق في كثرة التصدّق (39).
ويستحب الابتداء بالعطاء قبل السؤال (40)، والاستتار من الأخذ بحجاب أو ظلمة لئلا يتعرّض للذّل (41).
ويستّحب الصدقة بأحّب الأشياء إليه (42)، ويحرم التصدّق بالمال الحرام (43) إلّا بقصد التصدّق عن صاحبه المجهول (44).
ويستحب إطعام الطعام (45)، وسقي الماء ولو عند الماء فإنّه يعدل عتق رقبة، وأمّا السقي فيما لا يوجد الماء فكإحياء النفس (46).
ويستحب البرّ بالإخوان والسعي في حوائجهم (47) وصلة فقراء الشيعة (48).
ويستحب الصدقة في حال الركوع (49).
ويكره التصدّق بجميع المال فيبقى لا مال له (50)؛ لقوله تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 4/2 باب فضل الصدقة برقم 1.
(2) الكافي: 4/3 فضل الصدقة برقم 6 بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): أرض القيامة نار ما خلا ظلّ المؤمن فإنّ الصدقة تظلّه.
(3) الكافي: 4/9 باب في أنّ الصدقة تزيد في المال برقم 2 بسنده عن أبي عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): تصدّقوا فإنّ الصدقة تزيد في المال كثرة، وتصدّقوا رحمكم اللّه.
(4) عيون اخبار الرضا عليه السّلام/222 باب 30 وبإسناده عن عليّ عليه السّلام قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله: خير مال المرء وذخائره الصدقة.
(5) قرب الإسناد/55.
(6) بصائر الدرجات: 1/11 نادر من الباب برقم 4 بسنده عن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة وذكر اللّه أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنّة، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): لا قول إلّا بعمل، ولا عمل إلاّ بنيّة، ولا نيّة إلّا بإصابة السنّة.
(7) الفقيه: 2/37 باب 19 فضل الصدقة برقم 155.
(8) في المطبوع: الداء الدبيلة.
(9) الفقيه: 2/38 باب 19 فضل الصدقة رقم 160 وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): إنّ اللّه لا إله إلّا هو ليدفع بالصدقة الداء، والدبيلة، والحرق والغرق والهدم، والجنون، وعدّ (عليه السّلام) سبعين بابا من الشر.
(10) الكافي: 4/46 باب النوادر برقم 5.
(11) الكافي: 4/9 باب في انّ الصدقة تزيد في المال برقم 3 بسنده قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) لمحمّد ابنه: يا بنيّ كم فضل معك من تلك النفقة، قال: أربعون دينارا، قال: اخرج فتصدّق بها، قال: إنّه لم يبقَ معي غيرها، قال: تصدّق بها فإنّ اللّه (عزّ وجلّ) يخلفها، أما علمت أنّ لكلّ شيء مفتاحا ومفتاح الرزق الصدقة فتصدّق بها، ففعل فما لبث أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عشرة ايّام حتّى جاءه من موضع أربعة آلاف دينار فقال: يا بنيّ أعطينا للّه أربعين دينارا فأعطانا اللّه أربعة آلاف دينار.
(12) الكافي: 4/9 باب في انّ الصدقة تزيد في المال برقم 2.
(13) الكافي: 4/9 باب في انّ الصدقة مزيد في المال برقم 1.
(14) ثواب الاعمال/171 ثواب الصدقة برقم 12. وفي آخر الحديث ثمّ تلا هذه الآية: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ اَلصَّدَقََاتِ وَأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ}.
(15) عيون أخبار الرضا عليه السّلام/222 باب 30.
(16) الكافي: 4/8 باب فضل صدقة السرّ برقم 2.
(17) الكافي: 4/7 باب فضل صدقة السرّ برقم 1.
(18) وجه الأفضليّة في المقامين ظاهر.
(19) الكافي: 4/2 باب فضل الصدقة برقم 3.
(20) الأمالي للشيخ الطوسي: 2/12.
(21) الكافي: 4/3 باب فضل الصدقة برقم 5.
(22) الكافي: 4/3 باب فضل الصدقة برقم 9.
(23) الكافي: 4/4 باب فضل الصدقة برقم 10.
(24) الأمالي للشيخ الطوسي: 2/73.
(25) الفقيه: 2/37 باب 19 برقم 189 وقال (عليه السّلام): باكروا بالصدقة فإنّ البلايا لا تتخطّاها، ومن تصدّق بصدقة أوّل النهار دفع اللّه عنه شرّ ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدّق أوّل الليل دفع اللّه عنه شرّ ما ينزل من السماء في تلك الليلة.
(26) عيون أخبار الرضا عليه السّلام: 180 ومن الأخبار المأثورة عن الرضا (عليه السّلام).
(27) الحديث المتقدم.
(28) الكافي: 4/49 باب النوادر برقم 12 بسنده عن مسمع بن عبد الملك قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) بمنى و بين أيدينا عنب نأكله فجاء سائل فسأله فأمر بعنقود فأعطاه، فقال السائل: لا حاجة لي في هذا، إن كان درهم، قال: يسع اللّه عليك فذهب، ثمّ رجع، فقال: ردّوا العنقود، فقال: يسع اللّه لك ولم يعطه شيئا، ثمّ جاء سائل آخر فأخذ أبو عبد اللّه (عليه السّلام) ثلاث حبّات عنب فناولها إيّاه فأخذ السائل من يده ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين الذي رزقني، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) مكانك فحشا ملء كفيّه عنبا فناولها إيّاه فأخذها السائل من يده ثمّ قال: الحمد للّه رب العالمين، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) مكانك يا غلام أيّ شيء معك من الدراهم فإذا معه نحو عشرين درهما فيما أحرزناه أو نحوها فناولها إيّاه فأخذها، ثم قال: الحمد للّه هذا منك وحدك لا شريك لك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) مكانك فخلع قميصا كان عليه فقال: البس هذا فلبسه ثم قال: الحمد للّه الذي كساني وسترني يا أبا عبد اللّه أو قال: جزاك اللّه خيرا لم يدع لأبي عبد اللّه إلّا بذا ثم انصرف فذهب، قال: فظنّنا أنّه لو لم يدع له لم يزل يعطيه لأنّه كلّما كان يعطيه حمد اللّه أعطاه.
(29) ثواب الأعمال/219 ثواب الصدقة يوم الجمعة رقم 1 بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كان أبي (عليه السّلام) أقل أهلّ بيته مالا وأعظمهم مؤونة، قال: وكان يتصدّق كلّ جمعة بدينار، وكان يقول: الصدقة يوم الجمعة تضاعف لفضل يوم الجمعة على غيره من الأيّام و171 برقم 21 كان أبو جعفر (عليه السّلام) إذا كان يوم عرفة لم يردّ سائلا.
(30) ثواب الأعمال/171 ثواب الصدقة برقم 19 بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من تصدّق في شهر رمضان بصدقة صرف اللّه عنه سبعين نوعا من البلاء.
(31) ثواب الأعمال/173 ثواب صدقة النهار برقم 2.
(32) ثواب الأعمال/171 الصدقة برقم 8 بسنده قال سُئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: على ذي الرحم الكاشح والكافي: 4/10 باب الصدقة على القرابة حديث 3.
(33) الكافي: 4/15 باب كراهية ردّ السائل برقم 3.
(34) الكافي: 4/17 باب قدر ما يعطي السائل برقم 2.
(35) الكافي: 4/17 باب دعاء السائل برقم 2 بسنده عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: لا تحقروا دعوة أحد فإنّه يستجاب لليهودي والنصراني فيكم ولا يستجاب لهم في أنفسهم وبرقم 1 قال: إذا أعطيتموهم فلقّنوهم الدعاء فإنّه يستجاب الدعاء لهم فيكم ولا يستجاب لهم في أنفسهم.
(36) الكافي: 4/17 باب أن الذي يقسم الصدقة شريك صاحبها في الأجر حديث 1 و2 و3.
(37) الكافي: 4/22 باب المنّ حديث 1 و2.
(38) عدّة الداعي: 59 وكان زين العابدين (عليه السّلام) يقبّل يده عند الصدقة وسُئل عن ذلك فقال (عليه السّلام): إنّها تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل.
(39) الفقيه: 2/42 باب 19 حديث 188.
(40) الحديث المتقدم.
(41) الكافي: 4/23 باب من أعطى بعد المسألة حديث 3 و4.
(42) الكافي: 4/52 باب فضل إطعام الطعام حديث 12 بسنده عن معمّر بن خلّاد، قال: كان أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) إذا أكل أتى بصحفة فتوضع بقرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلّ شيء شيئا فيضع في تلك الصحفة، ثمّ يأمر بها للمساكين، ثمّ يتلو هذه الآية: {فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ} ثمّ يقول: علم اللّه عزّ وجلّ أنّه ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنّة.
(43) المقنع/54.
(44) حرمة التصدّق بالمال الحرام وجهه ظاهر؛ لأنّه لا يملكه بل المال باقٍ في ملك مالكه الأصلي وأمّا التصدّق عن صاحبه المجهول فهو مشروط بمن لا يمكن معرفته.
(45) الكافي: 4/52 باب فضل إطعام الطعام حديث 11 و12.
(46) الكافي: 4/57 باب سقى الماء حديث 3.
(47) الكافي: 4/41 باب معرفة الجود والسخاء برقم 15 بسنده عن جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم، ومن خالص الإيمان البرّ بالإخوان، والسعي في حوائجهم، وإنّ البارّ بلا خوان ليحبّه الرّحمن وفي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران، ودخول الجنان، يا جميل أخبر بهذا غرر أصحابك، قلت: جعلت فداك من غرر أصحابي؟ قال: هم البارّون بالإخوان في العسر واليسر، ثمّ قال: يا جميل أما إنّ صاحب الكثير يهوّن عليه ذلك وقد مدح اللّه عزّ وجلّ في ذلك صاحب القليل فقال في كتابه: {يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كََانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ}.
(48) وسائل الشيعة: 6/332 باب 50 حديث 1 بسنده عن أبي الحسن الأوّل (عليه السّلام) قال: من لم يستطع أن يصلنا فليصل فقراء شيعتنا، ومن لم يستطع أن يزور قبورنا فليزر قبور صلحاء إخواننا.
(49) وسائل الشيعة: 6/334 باب 51 برقم 1.
(50) الكافي: 4/55 كراهية السرف والتقتير حديث 3.