يرد مصطلح الابستمولوجيا في عدة لغات اختلافات في الرسم والنطق. فهو مستعمل في اللغتين الانكليزية والفرنسية ويستخدم العرب المحدثون هذا المصطلح خاصة في المغرب العربي.
لكن الإشكال في هذا الصدد هو اختلاف هذه اللغات حول معاني هذا المصطلح. إذ إن الفرنسيين يفصلون بصفة عامة بين الابستمولوجيا ونظرية المعرفة إذا ما استثنينا بعض المفكرين أمثال بياجي et وبوجي get، وغيرهما واستعمال هذا اللفظ كنعت في العبارات التالية (1) مثلا :
1 - Un Projet épistémologique,
2 - Une critique épistemologique,
3 - L'aspect epistemologique d'une coeuvre.
وهذا التذبذب الفرنسي واضح أيضاً على مستوى تحديد علاقة الابستمولوجيا بتاريخ العلوم وعلم المناهج. إذ إن التأكيد على العلاقة الأولى لا يأخذ دائماً الشكل نفسه، ثم إن هناك من يلح على ضرورة البحث الإبستمولوجي في المناهج العلمية وثمة من يرى عكس ذلك. والجدير بالذكر أن هذا التشتت المعنوي يوجد أيضاً عند عرب المغرب الذين يتبعون النموذج الفرنسي في هذا الموضوع.
أما الأنجلوسكسونية فهم يقصدون بمصطلح الابستمولوجيا نظرية المعرفة بوصفها تبحث في حدود المعرفة وشروطها ومصادرها ولا يبدو أنهم يؤكدون على علاقة الابستمولوجيا بتاريخ العلوم وعلم المناهج. هذا وقد اتبع هذا المعنى الايطاليون والألمان وخاصة عرب المشرق الذين يتخذون بدورهم البريطانيين والأمريكان نموذجاً لهم.
وطبعاً فهذا الاختلاف يؤدي إلى تنوع الممارسات الابستمولوجية حتى داخل المجال الفرنسي نفسه فشتان مثلا بين ابستمولوجيا بياجي التي تساوي بين الابستمولوجيا ونظرية المعرفة والتي تستند إلى علم النفس التكويني وبين الممارسة الابستمولوجية الباشلارية (*) التي ترتكز أساساً على تحليل المفاهيم الفيزيائية . ومن هنا يمكن أن نستنتج صعوبة تعريف الابستمولوجيا وتحديد ملامحها وهو ما أكد عليه العديد من النقاد نذكر منهم على سبيل المثال بلانشي في الفصل الثاني من الباب الأول من كتابه L'épistémologie. يتوجب إذن النظر في هذا المفهوم الهام إذ إن هناك أزمة وعند الأزمات لا بد من تحديد المفاهيم المسببة لها. هذا ما يمكن على كل حال أن نستنتجه من تاريخ الفكر بصفة عامة : ففي المجال الفلسفي يجري تحديد الفلسفة من جديد كلما حصلت تناقضات فلسفية. والفلسفة النقدية الكانطية مثلاً تمثل في الحقيقة نتيجة تناقضات فلسفية هي :
- تجريبية لوك وهيوم
- عقلانية ديكارت ولا يبنتز
- مثالية بركلي ...
وفي المجال الرياضي كان رياضيو اليونان يمارسون العدد الصحيح دون الاهتمام بتحديد العدد لكن لما اصطدم الفيثاغوريون بالأعداد الصماء (،...) أصبح من الضروري النظر في العدد قصد تحديده تحديداً دقيقاً، وعند المعاصرين كثر الحديث عن تعريف الرياضيات وتحديد أسسها إثر بروز ما يسمى بأزمة الأسس أي ظهور تناقضات مرتبطة بتصور أهل الرياضيات والفلسفة للعمل الرياضي.
وللنظر في مفهوم الابستمولوجيا نقترح المنهج التالي:
1 - الانطلاق من الأصل اللغوي لهذا المصطلح وهو أصل يوناني وهكذا نلازم مبدئياً الحياد، وسيفضي هذا البحث إلى ضبط موقع الابستمولوجيا بين الفلسفة والعلم.
2- النظر في علاقة الابستمولوجيا بأخويها وهما أ) نظرية المعرفة وب) تاريخ العلوم، والإجماع قائم حول التقارب بين هذه الاختصاصات الثلاثة.
3- اعتبار إمكانية النظر الابستمولوجي في المناهج العلمية. والمسألة مطروحة على بساط النقاش منذ أن كتب لالاند Lalande ما كتب في هذا الباب.
4- وحتى يتبلور أكثر فهمنا للابستمولوجيا نقترح إضافة فصل رابع نخصصه لفلسفة الفيزياء النيوتونية يكون بمثابة التطبيق للنتيجة التي وصلنا إليها نظرياً.
-----------
(*) نسبة إلى الفيلسوف والإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار Gaston Bachehard.