«الصحيفة الكاملة» لسيّد العابدين وإمام الساجدين عليّ بن الحسين عليه أفضل الصلوات والتحيّات، وقد استعرضها وضمائمها. فمن المناسب أن نذكر القصيدة العصماء التي أنشدها الشاعر الكبير أبو فراس همّام بن غالب المعروف بالفرزدق بحضور هشام بن عبد الملك بن مروان في مدح ذلك الإمام العظيم بضعة رسول الله لنرتوي بحمد الله ومنّه من منهل عشق ذلك السيّد العزيز ومودّته وولايته بنحو أكمل وأتمّ: روى العلّامة المجلسيّ رضوان الله تعالى عليه في «بحار الأنوار» عن «مناقب ابن شهرآشوب» الذي روى عن «الحلية»، و«الأغاني»، وغيرهما:[1] حجّ هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الاستلام من الزحام. فنُصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل عليّ بن الحسين عليه السلام وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحةً، بين عينيه سجّادة كأنّها رُكبة عنز. فجعل يطوف، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتى يستلمه هيبةً له. فقال شاميّ: مَنْ هَذَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟!
فقال: لَا أعْرِفُهُ، لئلّا يرغب فيه أهل الشام.
فقال الفرزدق (و كان من شعراء بني اميّة ومادحيهم) وكان حاضراً: لكنّي أنا أعرفه. فقال الشاميّ: مَن هو يا أبا فراس؟! فأنشأ قصيدة ذكر بعضها في «الأغاني»، و«الحلية» و«الحماسة»، فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألَا قُلْتَ فِينَا مِثْلَهَا؟!
قال: هَاتِ جَدَّاً كَجَدِّهِ، وأبَا كَأبِيهِ، وامَّا كَامِّهِ حتى أقُولَ فِيكُمْ مِثْلَهَا!
فحبسوه بعُسفَان بين مكّة والمدينة: فبلغ ذلك عليّ بن الحسين عليه السلام، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال: أعْذِرْنَا يَا أبَا فِرَاسٍ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَنَا أكْثَرُ مِنْ هَذَا لَوَصَلْنَاكَ بِهِ!
فردّها وقال: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! مَا قُلْتُ الذي قُلْتُ إلَّا غَضَباً للهِ ولِرَسُولِهِ! ومَا كُنْتُ لأرْزَأ عَلَيْهِ شَيْئاً.
فردّها إليه وقال: بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَّا قَبِلْتَهَا فَقَدْ رأى اللهُ مَكَانَكَ وعَلِمَ نِيَّتَكَ! فقبلها. فاخبر هشام بذلك فأطلقه. وفي رواية أبي بكر العلّاف أنّه أخرجه إلى البصرة.[2]
روى الكشّيّ بسنده عن عبيد الله بن محمّد بن عائشة، عن أبيه مثله.[3]
[1] «جنّة المأوى» ص 211 إلى 213.
[2] ورد هذان البيتان بتفاوت يسير في اللفظ، في «ديوان الفرزدق» الذي جمعه كرم البستانيّ، ج 1، ص 47.
ونقل العلّامة الحلّيّ في «منهاج الكرامة» ص 16 و17، طبعة عبد الرحيم، هذه القصيدة كلّها مع ذيلها.
[3] «بحار الأنوار» ج 11، ص 37، و: ج 46، ص 128 إلى 130؛ و«اختيار معرفة الرجال» للكشّيّ، ص 86؛ و«الاختصاص» للشيخ المفيد، ص 191.