كان الأئمّة عليهم السلام يريدون أمراً أحياناً، ويقدّر الله غيره. سئل أمير المؤمنين عليه السلام: بِمَا ذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!
فَقَالَ: بِفَسْخ العَزَائِمِ ونَقْضِ الهِمَمِ. لَمَّا هَمَمْتُ فَحِيلَ بَيْنِي وبَيْنَ هَمِّي. وعَزَمْتُ فَخَالَفَ القَضَاءُ والقَدَرُ عَزْمِي. عَلِمْتُ أنَّ المُدَبِّرَ غَيْرِي!
وروى في «نهج البلاغة»: عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ.[1]
وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُسَلِّمُ عَلَى النِّسَاءِ ويَكْرَهُ السَّلَامَ عَلَى الشَّابَّةِ مِنْهُنَّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أتَخَوَّفُ أنْ يُعْجِبَنِي صَوْتُهَا فَيَدْخُلَ عَلَيّ أكْثَرُ مِمَّا طَلَبْتُ مِنَ الأجْرِ.[2]
قال الشيخ المفيد: روى عبد الله بن ميمون القدّاح عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام أنّه قال: اصْطَرَعَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: إيهاً[3] حَسَنُ! خُذْ حُسَيْناً!
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتَسْتَنْهِضُ الكَبِيرَ عَلَى الصَّغِيرِ؟!
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: هَذَا جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لِلحُسَيْنِ: إيهاً حُسَيْنُ خُذِ الحَسَنَ.[4]
وكان سيّد الشهداء عليه السلام شديد الحبِّ لسُكينة وامّها الرباب. وكانت الرباب ابنة امرئ القيس. وتتضمّن قصّة زواجها منه شرحاً لطيفاً.[5]
قال أبو الفرج: حدّثني عوف بن خارجة المُرّيّ قال: والله إنّي لعند عمر بن الخطّاب في خلافته إذ أقبل رجل أفحج أجلح أمعر[6] يتخطّى رقابَ الناس حتى قام بين يدي عمر فحيّاه بتحيّة الخلافة. فقال له عمر: فمن أنتَ؟ قال: أنا امرؤ نصرانيّ، أنا امرؤ القيس بن عديّ الكلبيّ![7] قال: فعرفه عمر.
فقال له رجل من القوم: هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهليّة يوم فلج.
قال عمر: فما تريد؟! قال: أريد الإسلام. فعرضه عليه عمر فقبله. ثمّ دعا له برمح فعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة. فأدبر الشيخ واللواء يهتزّ على رأسه.
قال عوف: فو الله ما رأيت رجلًا لم يُصلّ للّهِ جلّ وعزّ ركعة قطّ امِّر على جماعة من المسلمين قبله.
ونهض عليّ بن أبي طالب عليه السلام من المجلس ومعه ابناه الحسن والحسين عليهما السلام حتى أدركه. فأخذ بثيابه، فقال له: يا عَمِّ! أنَا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصِهْرُهُ، وهَذَانِ ابْنَايَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ مِن ابْنَتِهِ وقَدْ رَغِبْنَا في صِهْرِكَ فَأنْكِحْنَا!
فَقَالَ: قَدْ أنْكَحْتُكَ يَا عَلِيّ المَحْيَاةَ: ابْنَةَ امْرِئ القَيْسِ! وأنْكَحْتُكَ يَا حَسَنُ سَلْمَي: ابْنَةَ امْرِئ القَيْسِ! وأنْكَحْتُكَ يَا حُسَيْنُ الرَّبَابَ: ابْنَةَ امْرِئ القَيْسِ![8]
[1] «مستدرك نهج البلاغة» تأليف الشيخ هادي كاشف الغطاء، ص 170.
[2] «مستدرك نهج البلاغة» ص 170. ذكر الشيخ الكلينيّ في «فروع الكافي» ج 5، ص 534 و535، كتاب النكاح، باب التسليم على النساء، طبعة مطبعة الحيدريّ، أربع روايات، الأولى: بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تبدءوا النساءَ بالسلامِ ولا تدعوهنّ إلى الطعام فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: النساءُ عَيّ وعَوْرَةٌ فَاستروا عيّهنّ بالسكوت واستروا عوراتهنّ بالبيوت.
الثانية: بسنده عنه عليه السلام أيضاً قال: لَا تُسَلِّم على المرأة.
الثالثة: بسنده عنه عليه السلام أيضاً قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله يُسلِّم على النساء ويردّون عليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسلِّم على النساء وكان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ ويقول: أتخوّفُ أن يُعجبني صوتُها فيدخل عَلَيّ أكثر ممّا طلبتُ مِنَ الأجرِ.
الرابعة: بسنده عنه عليه السلام أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: النساء عَيّ وعورةٌ فاستروا العورات بالبيوت، واستروا العَيّ بالسكوت. وجاء في الهامش في بيان وتفسير الخبر الأوّل الذي يشبه مضمونه هذا الخبر، نقلًا عن كتاب «مرآة العقول» للمجلسيّ رحمه الله: العيّ: العجز عن البيان. أي: لا يمكنهنّ التكلّم بما ينبغي في أكثر المواطن. فاسعوا في سكوتهنّ لئلّا يظهر منهنّ ما تكرهونه. فالمراد بالسكوت سكوتهنّ. ويحتمل أن يكون المراد سكوت الرجال المخاطبين وعدم التكلّم معهنّ لئلّا يتكلّمن بما يؤذيهم. والعورة ما يُستحي منه وينبغي ستره.
[3] في «أقرب الموارد»: إيْهاً بالكسر للإسكات والكفّ: يقال: إيهاً عنّا أي: كُفَّ واسكت. وأيهاً بالفتح: اسم فعل كهَيْهَاتَ.
[4] «الإرشاد» ص 272، الطبعة الحجريّة.
[5] روي آية الله الشعرانيّ هذا الموضوع كلّه في هامش ص 186 من «دمع السجوم» عن ابن حجر العسقلانيّ في «الإصابة»، عن ابن الكلبيّ النسّابة الذي كان من أكابر الإماميّة ومن معاصري الإمام الصادق عليه السلام.
[6] الأفحج: من تدانت صدور قدميه وتباعد عقباه. الأجلح: الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه. الأمعر: القليل الشعر.
[7] من الجدير ذكره أنّ امرئ القيس هذا هو ابن عديّ بن أوس بن جابر، وهو كلبيّ. وهو غير امرئ القيس المعروف، إذ إنّ والده هو حجر الكنديّ. ومات قبل البعثة بثمانين سنةً.
[8] «الأغاني» ج 16، ص 140 و141، طبعة دار الكتب.