إن الذين يرون الإمام ذاتاً وجِبِلَّةً بلا إرادة ولا اختيار، وأنّه موجود ملكوتيّ ونورانيّ، ويفرّقون بينه وبين غيره من الناس، ويخالون أنّ سعادته قد قُدِّرت منذ الأزل طوعاً أم كرهاً بلا تدخّل للاختيار والإرادة والاختبار في دار الدنيا، هم على خطأ كبير. وليس هذا إلّا الغُلوّ الذي كان يفرّ منه السابقون. الإمام إنسان مكلّف مختار، وله سيره وسلوكه، وهو يدرك الحسن والرديء، ويفهم الجمال والقُبح، ويميّز طريق الجنّة من طريق النار؛ غاية الأمر، أنّه يبلغ مقام محبّة الله نتيجة مجاهدته للنفس الأمّارة، وإيثاره لرضا الله المحبوب، ويرتقي في القوس الصعوديّ أعلى من غيره، ولا يبقى حجاب بينه وبين الله. فهذا هو أزل الإمام وأبده، وهذا هو اصطفاؤه واجتباؤه. وهذا هو الذي جعل محمّداً مصطفى، وجعل عليّاً مرتضى صلوات الله عليهما وعلى آلهما الميامين.
مَن تصوّر الإمام كائناً بلا إدراك لمراحل العبوديّة والتضرّع والاستكانة للّه تعالى، فلا بدّ أن يحمل أدعيته وأنّاته المؤلمة الممضّة على أنّها كانت من أجل تعليم الناس وتمرينهم، ويفسّرها أخيراً بالامور الاستهزائيّة التهكّميّة! ويترتّب على هذا التفكير عدد من الأضرار الموبقة:
أوّلًا: سيكون قد أعمى بصيرته التي يرى بها الحقّ، فيكون قد رأى الباطل حقّاً، والحقّ باطلًا. ولم يَرَ الواقع كما هو أهله، بل رآه شيئاً آخر.
ثانياً: سيكون قد قطع علاقته بالإمام، لأنّه لا يتَّبع الإمام الحقيقيّ.
ثالثاً: وسيكون قد أسقط نفسه من مرحلة العمل والمجاهدة والتنقيب، لأنّه إذا لم يجرِ على لسانه شيء ينطق به، فإنّه يقول في باطنه حتماً: إنّ ما نُقل عن الأئمّة من العبادات والإيثار والعلوم والإدراكات، والصفاء وطُهر الفطرة، والدخول في جنّات تجري من تحتها الأنهار هو لهم لا لنا، وما يعنينا؟! نحن أهل عالم الطبيعة، وأسرى الحواسّ الطبيعيّة وصرعى الغرائز النفسانيّة، وعفريت الجهل وجموح النفس، فشتّان ما بيننا وبينهم! ولمّا خلق الله - منذ الأزل - وجودهم نورانيّاً مجرّداً لطيفاً، ووجودنا ظلمانيّاً مادّيّاً ملوّثاً، وجعلهم سعداء وجعلنا أشقياء، فإنّنا مهما سعينا فلن نبلغ درجتهم! فلنقرّ عيناً - إذاً - ولنخلد إلى الراحة، ولنعصِ الله، فهو الذي خلقنا هكذا وخلقهم كذلك!
رابعاً: سيكون الإمام هو المقتدى والقائد والرائد، والمأموم هو التابع والمقتصّ الأثر والمقود، فإذا قُدِّر لنا أنّنا لا نستطيع أن نسير وراء الإمام، وإن كان ذلك في حالة واحدة فحسب، فحينئذٍ لا يبقى معنى للإمام والمأموم، وتنقطع العلاقة، وتتبدّد سلسلة الولاية، لما ذا؟! لأنّ الإمام لم يستطع هناك أن يأخذنا معه متّبعين إيّاه. وعجز أن يكون قائدنا. ولمّا كانت الإمامة ثابتة له في جميع الامور، فإنّه يقتادنا معه إلى المكان الذي يمّمه، أي: مقام التوحيد والعرفان الذاتيّ والاندكاك في الأنوار الإلهيّة الجمالية والجلاليّة.
وهناك حيث لا بون بين الإمام والمأموم من حيث درجات العلوم والمعرفة والإدراك، ولا فرق بينهما، ولا يمكن أن يكون بينهما فرق. ولا يبقى للإمام إلّا عنوان الإمامة والاقتداء إذ إنّه هو القائد الذي اقتاد ضالّته فأوصلها إلى حيث وصل من الأمن والأمان.
على هذا، فالمعصومون الأربعة عشر اعتباراً من النبيّ الأكرم ومروراً بفاطمة الزهراء وعليّ المرتضى، وانتهاءً بالأئمّة الأحد عشر من أولادهما الذين لهم عنوان الولاية والسبق والتقدّم في القيادة لن ينفصلوا عن هذا العنوان والوسام والمنصب والامتياز. ولكنّهم في كلّ لحظة يوصلون الآلاف من النفوس التي لم تسلك الطريق إلى منزلها. ويبلغون بهم المكان الذي ذهبوا إليه وقرّوا فيه. ويقودون الجميع إلى الله وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى.[1]
في ضوء ما تقدّم، لا تبقى شبهة ولا شكّ في أنّ جميع الأنبياء المرسلين والأئمّة الطاهرين كانوا مختلفين بلا أدنى تأمّل. وقد جاء ذكر كلّ نبيّ في القرآن الكريم بنحو خاصّ وصفة مخصوصة. وصنّف الشيخ العارف الجليل محيي الدين بن عربي كتاب «فصوص الحكم» على أساس هذا الاختلاف. ودوّن كلّ فصّ من فصوصه بذكر نبيّ خاصّ يتّصف بسجيّة خاصّة.
وقد خرجت الحوزة العلميّة في قم من جمودها نوعاً ما فصارت في عصرنا هذا لا تكتفي بالعقائد السطحيّة في المعارف الدينيّة ببركة جهود استاذنا الأعظم العلّامة آية الله السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ التبريزيّ أعلى الله مقامه وبفضل تدريس الحكمة والفلسفة الإلهيّة. بَيدَ أنّ حوزة خراسان تعاني من تسرّب العقائد الشيخيّة والميرزائيّة إليها في قالب ولاية أهل البيت إلى درجة أنّ باب العرفان الإلهيّ قد اغلق تماماً سواء من جهة الشهود أم من جهة البرهان. واندفع جملة أهل العلم متعلّقين بظواهر الأخبار التي تُشبه مذاهب الحشويّة والظاهريّة كثيراً بدون مراجعة أسانيدها والتأمّل والإمعان في محتواها، وساقوا معهم جماعة إلى جحيم الضلالة.
ولو توفّرنا على إدراك الحقيقة نوعاً ما، وعرفنا الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين كما كانوا، لما مُنيت معارفنا الدينيّة بهذا الجمود والركود.
[1] الآية 42، من السورة 53: النجم.