المبحث الثاني
الاقتصاد الفعال في جمهورية مصر العربية
إن الإنسانية تعيش الآن عصر الثورة العلمية والتكنولوجية هذه الثورة الجديدة التي تبني الآن نظامها العالمي، الذي يختلف اختلافاً كلياً عن الثورات الإنسانية والعلمية السابقة، إن العالم بأسره على مشارف عصر جديد ويتأهب المجتمع الإنساني لنقلة نوعية حادة نحو مجتمع جديد مجتمع لم تستقر معالمه بعد ، لكنه بلا شك مجتمع سريع التغير مغاير بشدة لواقعنا الحاضر في إشكاله وتنظيماته، وأنماط إعماله ، وادوار إفراده ومؤسساته، والعلاقة التي تربط بين عناصر المنظومة المجتمعية ويشمل التغير الواقع الاقتصادي بشكل ملموس من حيث طبيعة التعاملات والطرق التي يتم بها انجاز المعاملات من حيث الدقة والسرعة والجهد المختزل.
هذا المبحث يتناول الاقتصاد المصري وإمكانية استيعاب التكنولوجيا في هذا الاقتصاد وهل من الممكن بموارده المتاحة إن يصل إلى الاقتصاد الفعال، ومصير مصر إزاء هذه النقلة الحادة رهن بمدى إدراكها للتحديات الكبيرة التي يطرحها عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الجديدة، ومدى استغلالها للفرص النادرة التي يتيحها بنفس الوقت.
بالنسبة للتحديات فهي عديدة منها علمية وتكنولوجية واقتصادية وتنظيمية وثقافية وحتى أمنية، وأهمها وأكثرها تأثيراً في هذه المرحلة هو العنصر البشري اذ إن صناعة البشر إن صح التعبير هي أهم الصناعات في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة بلا شك، ونقصد بصناعة البشر هي إعداد الكوادر البشرية للتعايش والتعامل مع ما تطرحه تكنولوجيا المعلومات من وسائل جديدة.
إما بالنسبة للفرص فمع كل تغير تبرز الفرص النادرة التي يصعب تكرارها، وإدراك هذه الفرص لا يأتي إلا من خلال الرؤية المستقبلية والفهم العميق لطبيعة المتغيرات التكنولوجية وما يواكبها من متغيرات اجتماعية ودولية، وإمام مصر الغنية بمواردها البشرية فرصة حقيقية، لأن تؤمن لنفسها موضعاً متميزاً في خريطة عصر العلم والتكنولوجية المعاصر، حيث الموارد البشرية تفوق في أهميتها تلك الموارد المادية والطبيعية.
المطلب الأول.. لمحة تاريخية عن تكنولوجيا المعلومات في مصر
جمهورية مصر العربية، هي دولة تقع في أقصى الشمال الشرقي من قارة أفريقيا، يحدها من الشمال الساحل الجنوبي الشرقي البحر المتوسط ومن الشرق الساحل الشمالي الغربي للبحر الأحمر ومساحتها 1، 002، 450 كيلومتر مربع. مصر دولة تقع معظم أراضيها في أفريقيا غير أن جزءا من أراضيها، وهي شبه جزيرة سيناء، يقع في قارة آسيا تشترك مصر بحدود من الغرب مع ليبيا، ومن الجنوب مع السودان، ومن الشمال الشرقي مع إسرائيل وقطاع غزة، وتطل على البحر الأحمر من الجهة الشرقية تمر عبر أرضها قناة السويس التي تفصل الجزء الآسيوي منها عن الجزء الأفريقي، ويتركز أغلب سكان مصر في وادي النيل، وبالذات في القاهرة الكبرى التي بها تقريبا ربع السكان، والإسكندرية ، ويعيش أغلب السكان الباقين في الدلتا وعلى ساحلي البحر المتوسط والبحر الأحمر ومدن قناة السويس، وتشغل هذه الأماكن ما مساحته 40 ألف كيلومتر مربع. بينما تشكل الصحراء غالبية مساحة الجمهورية وهي غير معمورة (1).
يُعد الاقتصاد المصري واحداً من أكثر اقتصاديات دول منطقة الشرف الأوسط تنوعاً ، اذ تشارك قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات بنسب شبه متقاربة في الاقتصاد المصري، يعتمد اقتصاد مصر بشكل رئيسي على الزراعة، ودخل قناة السويس والسياحة والإنتاج الثقافي والإعلامي والنفط وتحويلات العمالة في الخارج من أكثر من (3) ملايين مصري يعملون في الخارج، بشكل رئيسي في المملكة العربية السعودية، ومنطقة الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة تشكل تحويلاتهم النقدية موردا من موارد الاقتصاد، كما يوجد مصريون في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا (2)، وفي السنوات القليلة الماضية أصبح هناك توجه من وزارة الاتصالات والمعلومات المصرية نحو الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سواء كان الاستثمار من الجهات الداخلية أي الإفراد والقطاع الحكومي المصري أو استثمار أجنبي مباشر من الشركات المختصة بمجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصل الاستثمار الأجنبي المباشر نحو مليار دولار للعام 2008، ارتفعت نسبة مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى نحو (3.7 ) خلال العام 2009 مقارنه مع (73.4) للعام 2008 وقد أشار تقرير لوزارة التنمية الاقتصادية إن الناتج المحلي الإجمالي للعام 2008 ــ 2009 قد وصل إلى (990211.8) مليون جنيه مصري(3).
بالنسبة لتاريخ تكنولوجيا المعلومات فقد بدأت الخدمات الآلية في جمهورية مصر العربية عام 1929 بأول سنترال * آلي روتاري كهروميكانيكي بمبنى الاوتو الحالي في رمسيس ثم تطورت السنترالات الكهروميكانيكية إلى الالكترونية وظهرت السنترالات الرقمية ونظراً لوضوح مميزاتها بالنسبة للطرازات السابقة جميعها سواء من الناحية الفنية أو الاقتصادية، كان لابد للشركة المصرية للاتصالات وهي الشركة المعنية بقطاع الاتصالات في جمهورية مصر العربية من مواكبه هذا التطور وتركيب السنترالات الرقمية وكان أولها في عام 1987 وبسعة (40000) خط بسنترال طلعت حرب بالقاهرة (4).
وقد تم تلبيه احتياجات القطاع العام والخاص ولاسيما المؤسسات التجارية والصناعية بإنشاء الشبكة القومية المصرية لنقل المعلومات (Egypt - Net) وقد تم ربط محافظات مصر بكاملها وزيادة السرعة بالنسبة للشبكة عام 1990 اذ يوجد (44 موقع للشبكة)، إما بالنسبة إلى شبكة المحمول فقد تم إدخالها إلى مصر بالتعاون مع شركة ( الكاتيل) الفرنسية والشركة المصرية للاتصالات (Telecom - Egypt لتغطي أجزاء واسعة من مصر وفي عام 1998 تم خصخصة هذا النظام بالكامل عن طريق (موبونيل _ ومصر فون وحاليا فودافون) ، إما بالنسبة إلى خدمة الانترنت فقد تم إدخالها في العام 1993 من خلال شبكة الجامعات المصرية بالمجلس الأعلى للجامعات.
تعد صناعة البرمجيات في مصر صناعة حديثة نسبياً، تتصف هذه الصناعة بأنها كثيفة العمل الماهر والقدرات التنظيمية العالية، اذ تعتبر المعلومات والمعارف من أبرز عناصر الميزة التنافسية في هذه الصناعة.
يقدر الإنتاج المصري من البرمجيات في العام 1998 بنحو (7.113) مليون دولار أمريكي، يصدر نحو (2.29%) منه إلى الدول العربية والدول الأوربية، والولايات المتحدة والشرق الأقصى، ويقدر عدد المهنيين في هذه الصناعة بنحو (5700) شخصاً يشتملون على مبرمجين ومطورين برامج وفتيين وإداريين، كما يقدر حجم رأس المال في الشركات المسجلة والتي يبلغ عددها نحو (80) أي بنحو (3.34) مليون دولار أمريكي (5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Internet on the Nile Egypt Case Study International Telecommunication Union Geneva 2001 p2.
(2) Nada Massoud Assessing the Employment Effect of FDI Inflows to Egypt: Does the Mode of Entry Matter? International Conference on "The Unemployment Crisis in the Arab Countries 'Cairo Egypt 2008 P 4.
(3) بيانات تم الحصول عليها من قبل الباحثة من الزيارة الميدانية لوزارة التنمية الاقتصادية المصرية.
* السنترال هو لوحة مفاتيح يدوية تتحكم بتحويل المكالمات، اما في الوقت الحاضر فيتم التحكم بالمكالمات عبر سنترال الكتروني.
(4) بيانات تم الحصول عليها من قبل الباحثة من مركز معلومات وزارة الاتصالات والمعلومات المصرية، 2010.
(5) محمد جمال الدين درويش، مصر ومجتمع المعلومات، اللجنة القومية للمعلومات، جامعة القاهرة، جمهورية مصر العربية 2003، ص 8.