

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
المَرجعيَّةُ التاريخيَّة (فلسطينُ ومصرُ الإمبراطوريَّة)
المؤلف:
خزعل الماجدي
المصدر:
تاريخ القدس القديم
الجزء والصفحة:
ص 133 ــ 144
2026-04-28
35
ينقسم تاريخ العصرِ البرونزيِّ المتأخرِ لفلسطينَ إلى مرحلتَين زمنيتَين، وذلك على ضوء الاحتلالِ المصريِّ لفلسطينَ وبَدءِ العصرِ الإمبراطوريِّ لمصر، وهاتانِ المرحلتانِ هما:
(1) مرحلة الأسرة المصرية الثامنةَ عشْرةَ (1570–1304ق.م.) حيثُ بدأَت بعد منتصف القرن السادسَ عشرَ إلى نهاية القرن الرابعَ عشرَ قبل الميلاد؛ أي إنها استمرَّت زُهاءَ قرنَين ونصف. وهي المرحلة التي سادها حُكمٌ مصريٌّ مباشرٌ للقدس، وكان للحوريينَ أثَرٌ كبيرٌ فيها.
(2) مرحلة الأسرة المصرية التاسعةَ عشْرةَ (1304–1195ق.م.) حيث بدأَت مع بداية القرن الثالثَ عشرَ إلى بداية القرن الثانيَ عشرَ تقريبًا؛ أي إنها استمرَّت زُهَاء قرنٍ كامل. وهي المرحلة التي استمر فيها الحكمُ الإمبراطوريُّ المصري، وكان لليبوسيينَ والحيثيينَ الأثرُ الأكبرُ فيها. وتنتهي هذه المرحلةُ مع ظهور أقوام البحر في الشرق الأدنى في حدود 1190ق.م. حيث يبدأ عصرٌ جديد.
القُدسُ والأسرةُ المصريَّةُ الثَّامنةَ عشْرة
لا يُمكِننا قراءةُ تاريخِ فلسطينَ عمومًا، وتاريخَ القدسِ خصوصًا، في هذا الجزء من العصر البرونزيِّ المتأخر إلا من خلال تاريخِ الدولةِ المصريةِ الحديثة، التي أصبحَت إمبراطوريةً بضمِّها فلسطينَ وبعضَ أطرافِ الشام إليها.
لقد أدركَت مِصرُ أن أمانَ حدودِها الشرقية لا يكمُن في شرق الدلتا أو سيناءَ بل في فلسطين. وإذا كان أحمس، الذي قضى على الهكسوس في مدينة شاروحِن وشرَّدَهم في فلسطينَ والأردن، قد عاد سريعًا إلى مصر لينظِّمَ أمورَها الداخليةَ ويُدخِلَها في عصرٍ جديد، فإنَّ ابنَهُ أمنحتب الأول (1546–1526ق.م.) مدَّ نفوذَهُ السياسيَّ المباشرَ إلى جنوب فلسطينَ وبعضِ بلادِ الساحلِ الفينيقي.
أما شمال فلسطينَ وسوريا فقد كان مستقلًّا أحيانًا وواقعًا تحت نفوذِ الحوريينَ أو البابليينَ أحيانًا أخرى.
واستمرَّت السيطرةُ المصريةُ في عهد تحوتمس الأول (1525–1495ق.م.) الذي جهَّز جيشًا كبيرًا باتجاه آسيا، وسار نحو فلسطينَ في السنةِ الثانيةِ من حكمه حتى وصل إلى نهر الفرات، الذي أسمَاه مُعاصِروهُ «ذو المياه المعكوسة» إشارةً إلى أنه يجري من الشمال إلى الجنوب بعكس نهر النيل (1).
وعندما ظهَر الملك تحوتمس الثاني (1495–1490ق.م.) وظهرَت معه زوجته حتشبسوت انفصل النصف الشمالي من بلاد الشام عن السلطة المصرية، وتعاظم نفوذُ المملكةِ الحوريةِ الميتانية في شمال شرق بلاد الشام.
وأهملَت حتشبسوت شأنَ فلسطينَ مثلما أهملَت شئونَ بلاد الشام كلها. وكان من نتائج هذه السياسة أن قام أمراء فلسطينَ وسوريا بقيادة أميرِ قادِش بالتمرُّد على الحُكم المصري.
وما إن تولى تحوتمس الثالث (1490–1436) الحكم حتى جهَّز حملة لسحق هذا التمرُّد. واستطاع بعد معركة مجدو فعل ذلك واستولى على كلِّ فلسطين. وكانت حملتُه على مجدو فاتحةً لحملاتٍ أخرى، بلغ عددُها ستَّ عَشرَةَ حملةً رسخ فيها النفوذُ المصريُّ في الشام، وشعَر الحوريونَ ثم الحيثيونَ بالحاجة إلى صداقةِ مصرَ لا معاداتِها، وتراخى نفوذها في بلاد الشام.
ووجد تحوتمس الثالث بعد هذه الحروب أن الحاجة باتت ضروريةً لإنشاء حصنٍ دعاه «حصن طيبة» لتربية أمراءِ فلسطينَ والشامِ منذ طفولتِهم على الولاء لمصرَ وطريقةِ الحكمِ المصرية حتى يكونوا حكامَ المستقبل، وربما كان «عبدي حيبا» حاكم القدس في عهد أخناتون أحد هؤلاء.
وظل الحال على ما هو عليه في فلسطينَ أثناء حكم أمنحتب الثاني (1436–1411ق.م.). ثم تحوتمس الرابع (1411–1397ق.م.) الذي هادَن الميتانيين وتزوَّج منهم. وهدأ الصراعُ المصريُّ الميتانيُّ على بلاد الشام، ثم انفردَت المملكة الحورية الميتانية بالنصف الشمالي من بلاد الشام (ريتينو الشمالية)، وأحكمت مِصْرُ سيطرتَها على النصف الجنوبي من بلاد الشام (ريتينو الجنوبية).
وما إن ظهرَت الدولةُ الحيثيةُ حتى دخلَت في صراعٍ حاسمٍ مع الدولة الحورية الميتانية، وزالت الدولة الحورية الميتانية، الصديقةُ لمصر، من الوجود. وبذلك يكون الصراعُ المصريُّ الحيثيُّ قد حلَّ محلَّ الصراعِ الحوريِّ الحيثي، وكانت بلاد الشام، أيضًا، ساحتَهُ الكبرى.
عندما تولى أمنحتب الرابع (إخناتون) (1370–1349ق.م.) الحكمَ في مصرَ كان يحكُم فلسطينَ ولاةٌ محليونَ تَربَّوا في «حصن طيبة» على الولاء المطلَق لمصر. ولعل أبرزَ ما يمكنُ أن نتحدثَ عنه في هذا المكان هو ما عُرِفَ ﺑ «ألواح أو رسائل تل العمارنة».
أَلْواحُ تَلِّ العمَارِنة
في عام 1887م اكتشف الآثاريونَ في تلِّ العمارنة بمصر «أخيتاتون» مجموعةً من الألواح التي كانت جزءًا من أرشيف أمنحتب الثالث وابنه أمنحتب الرابع (إخناتون) وتضُم هذه الألواح ما يقرُبُ من 337 رسالة (2). وكانت هذه الرسائلُ مكتوبةً من أمراءِ كنعانَ إلى الملكِ المصريِّ باللغة الأكدية والكتابة المسمارية (الصنوبرية). وكانت هذه الرسائل قد أرسِلَت بالدرجة الأساس لإخناتون، وقليلٌ منها أرسِل إلى أبيه، وبعضُها أرسِل إلى خليفته «سمنخ كارع» الذي هو «توت عنخ آمون». وتُلقِي هذه الألواحُ الضوءَ على الأوضاعِ السياسيةِ السائدةِ في فلسطينَ في زمن إخناتون، وتوضِّح ضعفَ هذا الملكِ في السياسة الخارجية لمصرَ بسببٍ من انشغاله في إرساء عقيدته الدينية التوحيدية، وعبادته للإله أتون بدلًا من آمون.
تَرِد في هذه الألواح إشارةٌ إلى وجود اتفاقياتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ وتجاريةٍ جمعَت بين بعض المدنِ الفلسطينية؛ منها: شكيم (نابلس) ولخيش وكيله (القدس). كما تذكر هذه الرسائلُ القدسَ بأسماءٍ أخرى مثل «إيفن»، أو «راشاليم» و«يورساليم» (3).
كان عدد الرسائل التي أرسلَها حاكمُ القدس «عبدي حيبا» إلى إخناتون ستَّ رسائلَ تحملُ الأرقام (289، 290، 291، 292، 293، 294). وكانت القدسُ في عهده تسمَّى أورسالم وتسمَّى أيضًا «أرض حيبا»، أو «أرض هِبه»، و«مملكة كيله» التي سيطرت على التلال الشمالية للقدس، مثل تلِّ الفول وتلِّ النصبة وشعفاط وبيت حنانيا والجيب (4).
خارطة (9): المدن الكنعانية التي ورَد ذِكرُها في رسائل تل العمارنة. المرجع: معاوية، إبراهيم، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990م، ص102.
وكان «عبدي حيبا» يعبِّرُ عن ولائه لسيده إخناتون بعباراتٍ رنانةٍ ومستجديةٍ مثل هذه المقتطفاتِ من رسائله:
(1) إن هذه الأرضَ، أرضَ أوروسالم، لم يعطني إياها أبي ولا أمي، ولكن أيدي الملك القوية هي التي ثبَّتَتني في دار آبائي وأجدادي، ولم أكن أميرًا بل جنديًّا للملك وراعيًا تابعًا للملك … مُنحَت ملكية الأرضِ أوروسالم إلى الملك إلى الأبد، ولا يمكنُ أن يتركَها للأعداء (5).
(2) لقد ثارت كل البلاد، فهذا الميلكو Ilimilku حاكم جازر (الواقعة غربي القدس) قد كان سببًا في فقدان كلِّ أملاكِ الملك … ليت الملك سيدي يبعث إلينا بوحداتٍ من رُماة السهام، وإذا كان هناك رماةُ سهامٍ في هذه السنة، فلسوف تبقى أرضُ الملك دون أن يمسَّها سوء، ولكن إذا لم يكن هناك رماةُ سهامٍ ضاعت أرض الملك (6).
(3) لقد وضَع الملك اسمَه على أرض أورشليم إلى الآن، حتى إنني لا أستطيعُ ترك أورشليم (7).
(4) إنهم (أي الأعداء) الآن يحاولونَ الاستيلاءَ على أورشليم، وإذا كانت هذه الأرضُ ملكًا للملك … هل تُترَكُ أورشليم تسقُط، ليت الملكَ يرسل لنا خمسينَ رجلًا كحاميةٍ ليقوموا بحراسة البلاد، لقد ثارت أرضُ الملكِ كلُّها (8).
(5) ستضيع جميع أرض جلالتك التي ثارت عليَّ، أمَّا إقليمُ «شيري Seir» الواصلُ إلى «جنتَي كرمل Genti Kirmil» فقد شَق عصا الطاعة عليَّ، وكذلك أمراؤه. لقد كانت سُفنُ جلالَتِك الساعدَ القويَّ في بسط سلطتِك على بلاد النهرَين وقادِش. أمَّا الآن فقد احتلَّ بدوُ الخابيري بلادَ فرعون، ولم يبقَ لسيدي والٍ مطيع؛ فالكلُّ عصاه.
ليحترس الملك على قطعانه وبلاده … وليُرسِل المدَد … لأنه إذا لم يصِلْ جنودُه هذه السنةَ ذهبَت ممتلكاتُ جلالةِ فرعونَ سيدي، وإذا تعسَّر إرسالُ جنودٍ هذه السنةَ فليرسِلْ جلالةُ فرعونَ ضابطًا يلازمُني للحضور أنا وأخوتي كي نموتَ مع سيدنا الملك (9).
ومن خلال قراءتنا لهذه الرسائلِ يتضحُ لنا أن القدسَ كانت عاصمةً إقليميةً في بلاد فلسطينَ تضُمُّ إليها جازر وشيري وما يُحيطُ بها من المدن، وأن سببَ اضطرابِ الأوضاعِ في فلسطينَ آتٍ من ثلاثة أمور:
(1) انفراط إقليمِ القدسِ واستقلال مُدنه.
(2) توسُّع إقليم نابلس (شكيم) في عهد حاكمه «لبعايو» وضغطه على القدس.
(3) ظهور طبقةِ «الخابيرو»، أو «ساجاز = قاطعو الرقاب» وهم «العابيرو»، «وهو مُصطلحٌ شاملٌ أُطلِقَ على المنبوذينَ أو العصاباتِ التي لا تنتسبُ إلى أيةِ مجموعةٍ جنسيةٍ محدَّدة، وهم يظهرونَ في النصوص المصريةِ كأسرى آسيويينَ يُستَخدَمون في المحاجر (10).» ولا نعتقد أن لهؤلاءِ علاقةً بالعبريينَ كما يذهبُ إلى ذلك باحثونَ كثيرون.
ويبدو أن إخناتون استجاب لنداء «عبدي حيبا» فأرسلَ حملةً بقيادة «بيخورو» لإعادةِ النظامِ في فلسطين، لكن الحملةَ وصلَتْ إلى شَمالي الجليل واضطُرَّت إلى الانسحاب، ثم تقدَّمَت نحو القدس، وانسحبت إلى غزةَ بسبب المقاومة العنيفةِ التي لاقَتْها. كما أن «عبدي حيبا» فَشِل في حربه مع شكيم، وظهرَت ثوراتٌ متتاليةٌ في القدس نفسِها لكنه لم يُرسِل، مرةً أخرى، رسالةً لكي تُنجِده القواتُ المصرية، وربما كان السبب ما يؤكِّدُه هو من أن هذه القواتِ اقتحَمَت قصره في إحدى نجداتِها له وحاولَت قتلَه؛ ولذلك أرسَل إلى الفرعونَ ليطلب منه إنجادَ جازر أو لخيش أو عسقلون، وحذَّره من أن سُقوطَ القدس وشيكٌ إذا لم تأتِ هذه القواتُ «ويكاد يكون من المؤكَّد أن القواتِ التي طلبها عبدي حيبا لم تُرْسَل إليه مطلقًا، بل إن منطقةَ التلال كانت تتحوَّل بسرعة في تلك الآونة إلى منطقةٍ منزوعةِ السلاح؛ إذْ هجَر السكان مدينة شيلو، مثلًا، وهي المدينة الحصينة، كما اختفت نسبةٌ تقاربُ 80 في المائة من المستوطناتِ القائمةِ على المرتفعات، في أوائل القرن الثالثَ عشرَ قبل الميلاد (11).»
وهكذا تردَّى الحالُ في جنوب فلسطين، وانهارَ الولاةُ الموالينَ لمصرَ في المدن الفلسطينية، فقُتِلُوا أو أعدِمُوا أو انضَمُّوا إلى الأعداء، وخرجَت فلسطينُ قُبيل وفاة إخناتونَ عن طاعة مصرَ تمامًا إليها، واستقلَّت ممالكُ سوريةٌ وفلسطينيةٌ وفينيقيةٌ بنفسها، وأصبحَت إمبراطوريةُ مصرَ على حافة الانهيار.
ولم يتغيَّر الأمرُ مع سمنخ كارع ثم توت عنخ آمون (1348–1337ق.م.) ولا مع خليفته «آي» ولا مع «حور محب» الذي عالج اضطراباتِ سوريا بمعاهدةٍ مع الملكِ الحيثيِّ مورسيل الثالث، لكنه ترك فلسطينَ مسرحًا للاضطراباتِ الأهلية.
القُدسُ والأسرةُ المصريَّةُ التاسعةَ عَشْرة
نُرجِّحُ ظهورَ اليبوسيين في القدس عند نهايةِ فترةِ حكمِ الأسرةِ الثامنةَ عشرةَ وبدايةِ حكمِ الأسرةِ التاسعةَ عشْرة. ورغم أننا لا نتفق مع الرأي الذي يربط اليبوسيين مع الحيثيين بصِلةٍ إثنية (عرقية) لكننا نُرجِّحُ ظهورَهم المُرافقَ للحيثيين.
لقد ذكَر البعض أن اليبوسيين لم يكونوا سوى أسرةٍ أرستقراطية تعيش في قلعة القدس، وفي عزلةٍ عن سكان البلدة نفسها. (12)
ومن المحتمَل أنهم يُشكِّلون أشرافَ أو زعماءَ الكنعانيينَ في القدس، والذين ظهرَت قيادتُهم للحكم في القدس بعد انهيارِ حُكم «عبدي حيبا» وانفراطِ ولاءِ القدسِ لمصر.
وترى كارين أرمسترونج أن من المحتمل أن يكون اليبوسيون هم الذين أصلحوا التحصيناتِ القديمةَ على تل الأكمة (أوفل)، وقاموا ببناء الحي الجديد على المنحدَر الشرقي بين السور وقمة التل. وقد أدَّت الحَفْريات التي قامت بها كاثلين كنيون إلى الكشف عن سلسلةٍ من المصاطب المليئة بالأحجار، والتي مكَّنَت السكانَ من العيش في تلك المنطقة التي تتميز بالمرتفعات والمنخفضات، وقالت إنها تعتقد أن هذه المصاطبَ المستويةَ حلَّت محلَّ المساكنِ القديمةِ المتفرقةِ والشوارعِ التي تتسم بالانحدارِ الشديد (13).
وترى كنيون أن بناء المصاطب استغرَق وقتًا طويلًا؛ إذ بدأ العمل بها في منتصف القرنِ الرابعَ عشرَ قبل الميلاد، واكتمل في مطلع القرن الثالثَ عشَر، ولعل سبب هذه الفترةِ الطويلةِ ظهور الكوارثِ الطبيعيةِ كالزلازل، أو تآكل التربة، والحجم الكبير لجدران المصاطب، التي وصل ارتفاعُ بعضِها إلى 33 قدمًا.
اليبوسيون إذن من شغَل تاريخ القدس في النصف الثاني من العصرِ البرونزيِّ المتأخر؛ فهم لم يظهَروا في العصر البرونزي الأوسط، كما تذهب معظمُ آراءِ الباحثينَ في هذا الشأن؛ ولذلك يتوجَّبُ علينا تصحيحُ هذه القضية، والقولُ إن الكنعانيين بعامةٍ هم مَن شغَل القدس في العصر البرونزي الأوسط. أما أشرافُهم من اليبوسيين فهم الذين حكَموا القدس في العصر البرونزي المتأخر وفي قرنه الأخير تحديدًا (القرن الثالثَ عشَر) وما بعده؛ فهم الذين بنَوا القدسَ الثالثة (يبوس) ووسَّعوها باتجاه جبل صهيون. ومع صعودِ الأسرةِ التاسعةَ عشرةَ في مصر — وبَدءِ الضابط «رمسيس الأول» بقيادة دَفَّةِ البلادِ بعد وفاةِ زميلِه «حور محب» — اتجهَت الأنظارُ لإعادة السيادةِ المصريةِ إلى فلسطين، لكنَّ ذلك لم يتحقَّق إلا عند تولِّي ابنِه «سيتي الأول» (1303–1290ق.م.) عرشَ مصر الذي قاد حملةً هزَم فيها بدوَ سَيناء، وأقام مذبحةً كبيرةً بين البدوِ الرُّحَلِ الثائرينَ من الشاسو، ثم استولى على الحصون التي كانت تمتدُّ من القنطرة حتى رفح، وكان سكان بيسان — بمؤازرةٍ من الحيثيينَ وتحالُفٍ مع الكنعانيين — قد تمرَّدوا عليه. «ولم يجد سيتي صعوبةً في دحر هذا التحالُف، على الرغم من الإزعاج الذي سَبَّبه العابيرو لمؤخرة جيشه. وفي «ينوعام» تقبَّل مراسمَ طاعةِ حُكامِ لبنان، ما عدا عمورو التي استظلَّت بحماية الحيثيين، ثم قام بحملةٍ أخرى غيرِ حاسمة، ضد قادِش وعمورو التي استظلَّت بحماية الحيثيين.
وترك سيتي مسلتَين؛ إحداهُما مكسورة، في قلعة بيسان، تُمجِّدانِ انتصارَه على تحالُفِ ملوكِ كنعان، وفي المسلَّة المكسورةِ التي يصعُبُ تحديدُ زمانِها بالدقة، يَرِد ذكرُ العابيرو بين القوى التي هزَمَها الفرعون العظيم. (14)»
واستمر سيتي الأول في إعادة سيطرةِ مصرَ على فلسطينَ وفينيقيا وجنوب سوريا، ثم عقد معاهدة صُلحٍ مع الحيثيين.
وحين خرَق الحيثيونَ هذه المعاهدةَ دارت معركة قادِش الطاحنةِ بين رمسيس الثاني (1290–1223ق.م.) وتَجمُّعٍ من الإمارات المنفصلة مع الحيثيين، وكان أنِ اكتسحَ رمسيس أولًا بلادَ فلسطينَ ليصل إلى قادِش. ولم يمضِ عامانِ على معركة قادِش حتى كانت فلسطينُ نفسُها قد ثارت بأَسْرها، وامتدَّتِ الثورةُ حتى وصلَت إلى حدود مصر، فسارع رمسيسُ الثاني إلى إخمادها، ثم عقد معاهدةَ صلحٍ مع الحيثيينَ لمواجهة أعداءٍ مشتركينَ لهما، وهم شعوبُ البحر التي بدأَت بالتحرُّك نحو آسيا الصغرى وسواحل المتوسط الشامية والمصرية. وأصبحَت الأرضُ التابعةُ لمصر تُعرفُ باسم «أرض كنعان»، والتي كان أهم مراكزِها هما موقعا تلِّ القدح (تل وقاص) وحاصور.
وهذا يعني أن مصطلحَ كنعانَ ظهَر في الوثائقِ المصريةِ تحديدًا في سنة 1280مق.م. أي قبل أن يظهر في التوراة بزمنٍ طويل.
ومصطلحُ «كنعان» أمرٌ خلافيٌّ جرى إطلاقُه لاعتباراتٍ كثيرة؛ فهو أولًا يميِّزُ بين فلاحي السهول المستقرِّينَ (كناخي) والبدوِ الرُّحَلِ حولَهم (شاسو وعابيرو وشوتو)، ثم إنه أطلِق على تجار الأرجوان (كنع) الذين هم التجارُ وليس الفلاحون أو البدو؛ فتاجر الكنعان هو الذي يتاجر بصبغة الكنعان الأرجوانية بحرًا إلى مصر والعالَم، ثم أطلِق الاسم، بسبب البحر، على المدن الشامية الساحلية، وكان قد أطلِق على المدن والقرى السهلية. وهكذا تحول المصطلحُ الجغرافيُّ التِّجاريُّ إلى مصطلحٍ إثنيٍّ ليدل على قومٍ بعينهم.
لكن مصطلح «كنعان» كان محدَّدًا ولم يكن شائعًا أو رسميًّا؛ ولذلك يبرز السؤال المهم: ماذا كان يُطلَقُ على هؤلاء الأقوامِ قبل أن تَرِدَ بعضُ الإشاراتِ عن اسمِ «كنعان» هذا؟
كنا قد تعرَّفْنا إلى الأسماءِ المختلفةِ لفلسطينَ بلغة المصريين، ولكننا نعتقد أن اسم الكنعانيينَ كان قبل ذلك هو «شام» لاعتباراتٍ كثيرةٍ وفرضياتٍ مختلفةٍ ناقشناها مُطوَّلًا في كتابنا (المعتقدات الكنعانية) (15).
ثم اندثَر هذا الاسم بعد استقرارِهم في أرض الشام (التي أخذَت الاسم منهم)، وتوزَّعوا في المدن، وأخذوا أسماءَهم من أسماء هذه المدن (أوغاريت، جبيل، صور، صيدا، يبوس، … إلخ).
بل إن أصقاعَ بلادِ الشامِ كانت تُعرَفُ بأسماءٍ مختلفة؛ فمثلًا عندما جاء الملك مرنبتاح إلى العرش المصري (1222–1211ق.م.) تَوَجَّهَ، بعد ثلاثِ سنواتٍ من حكمه، لإخماد ثوراتٍ في فلسطينَ سجَّلَها لنا على لوحةٍ أصبحَت تُعرف عند الآثاريين «لوحة إسرائيل» حيث يَرِد اسمُ فلسطينَ بصيغة «حورو»، وهو الاسمُ الذي كان يُطلَق عليها سابقًا، ويَرِد لأوَّلِ مرَّةٍ في التاريخ اسمُ «إسرائيل»، وهي المرة الوحيدة التي يُذكَر فيها هذا الاسمُ على الآثار المصرية. أما ترجمةُ لوحةِ مرنبتاح هذه فهو كما يلي:
«الأمراءُ منبطحونَ يصرُخون: الرحمة. وليس بين الأقواسِ التسعةِ من يرفَع رأسَه. لقد دَمَّرتُ أرضَ تحنو، خاتي هادئة، كنعانُ قد استُلبَت في قسوة، عسقلون تمَّ الاستيلاءُ عليها، وجازر قد أخِذَت، ينوعام أصبحَت كأن لم تكُن، إسرائيل أقفَرَت وليس بها بذرة … حور عُدَّت أرملةً ﻟ «توميري» (16).»
وهناك ترجمةٌ أخرى للمقطع الأخير كما يلي:
«ينعم أصبحَت كأن لم تكُن، وإسرائيل أبِيدَت ولن يكون لها بذرة، وأصبحَت حورو أرملةً لمصر (17).»
وقد أثارت كلمة «إسرائيل» في هذه اللوحةُ مُخيِّلةَ بعضَ العلماء، مثل ألستروم وإيلدمان، واللذَين رأَيا فيها تعبيرًا جغرافيًّا استُعمِل بتوازٍ متقاطعٍ مع كنعان، ليَدُل على جزءٍ كبيرٍ من فلسطينَ أو سكانِها، ويعتقدانِ أنها تقومُ في إفرايم، وأنها نواةُ إسرائيلَ التي ظهرَت في العصرِ الحديديِّ الثاني. أما ستاغر فقد قام بربط هذه اللوحةِ بتاريخٍ لاحقٍ عليها وغيرِ ممكنٍ ﻟ «أغنية دبوره» في سِفرِ القضاة … وهكذا.
لكن طومسون يرى أن مجموعة «إسرائيل» التي هزَمَها مرنبتاح ليست «إسرائيل» ستاغر المذكورة في القضاة (5)، ولا إسرائيل ألستروم وإيلدمان في مرتفعات إفرايم. إنهم بالأحرى مجموعةٌ محدودةٌ تمامًا ضمنَ سكانِ فلسطينَ تحمل الاسم الذي يَرِد هنا، لأول مرة، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ متأخرة — من تاريخ فلسطين — أصبح يحملُ معنًى مختلفًا إلى حدٍّ (18).
تُوصَف «لوحة مرنبتاح» بأنها لوحةٌ كبيرةٌ من الجرانيت موجودةٌ في المعبدِ الجنائزيِّ لرمسيس الثاني في الضفة الغربية من طيبة، وتتضمَّنُ ما يُشبه النشيدَ الفخريَّ لانتصاراتِ الفرعونِ على أعدائه من الليبيينَ والفلسطينيين. ولا تُذكَرُ كلمةُ إسرائيلَ آثاريًّا، في جميعِ منطقةِ الشرقِ الأدنى، مرةً أخرى، إلا بعد ذلك بزمنٍ طويل، في مسلة الملك ميشع، ملكِ مؤاب، حوالَي عام (842ق.م.)؛ حيث حارب ميشع إسرائيل. ولم تُذكَرْ إسرائيلُ خلال القرونِ الأربعةِ بين مرنبتاح وميشع رغمَ كلِّ الضجَّةِ الكبيرةِ التي تثيرُها أسفارُ العهدِ القديمِ حول مملكةِ داودَ وسليمان … إلخ، فكيف نفسِّر ذلك؟
ونقول ببساطةٍ شديدة إن إسرائيلَ الواردةَ في لوح مرنبتاح لا تتعدَّى أن تكونَ مدينةً كنعانيةً فلسطينيةً صغيرةً سكنَها وأسَّسَها الكنعانيون، ولم تَنَلْ أيةَ أهميةٍ تاريخيةٍ بعد ذلك. ولا علاقة لها إلا بالاسم مع ما خلقه التوارتيونَ من «إسرائيل» المملكة الشمالية الوهمية. ونرى أن إسرائيل هذه لها علاقةٌ بإقليم ومدينة «شيري أو سير Seir» التي ذكرها عبدي حيبا في رسائله إلى فرعون مصر، وسنناقش ذلك مُفصَّلًا في الفصل القادم.
يبدو أن الهدوء ساد العلاقاتِ وحريةَ التنقل من فلسطينَ إلى مصر، وأصبحَت قائمةً بدليل ما ورَد في يوميات ضابطٍ مصريٍّ يصف حركة قبائل الشاسو في مصر:
«انتهينا من السماح لقبائل اﻟ «شوسو» الأدومية بتخطي قلعة مرنبتاح التي في زيكو، حتى بحيرات بي توم مرنبتاح التي في زيكو، ليظلوا هم وقطعانُهم أحياءً بفضل إحسان فرعون الشمسِ المشرقةِ على كل أرض. (19)»
بل إننا نرى أن نهاية الأسرة التاسعةَ عشرةَ (التي ينتهي معها العصرُ البرونزيُّ المتأخر) تُختتَمُ بتولِّي شخصٍ سوريٍّ (شامي) اسمه «إرسو» عرشَ مصرَ بعد أن دبَّت الفوضى، وأعلن كثيرٌ من كبار حُكام الأقاليم استقلالَهم عندما اختفى الفرعونُ الشرعيُّ لمصر «رعمسيس سي بتاح»، فدبَّت الفوضى في مصر حتى تولَّى «ست نخت»، والد رعمسيس الثالث، الحُكم وأسس الأسرة العشرين.
إن ما نودُّ التأكيدَ عليه — بعد هذا العرضِ السريعِ لعلاقة مصر بفلسطين — هو ظهورُ التوترِ الشديدِ بينهما وعمليات الغزوِ الكاسحةِ التي كان يقومُ بها الجيشُ المصريُّ لشمالِ وجنوبِ بلادِ الشام، وكيف أنه كان يُسيطرُ على المدن الفلسطينية. لكن اللافت للانتباه أن القدس ظلت في مرحلةِ الأسرةِ التاسعةَ عشرةَ بعيدةً عن أحداث العنف هذه. ويبدو أن الأسرةَ اليبوسيةَ حكمَت المدينةَ بهدوءٍ وكانتِ التجارةُ هي عمل المدينة الرئيسي، وقد أمَّن حكامُ القدسِ مدينتَهم من خلال دفع الجزيةِ للمصريينَ مقابلَ السلامِ معهم؛ ولهذا السببِ تطوَّرت القدسُ اليبوسية (يبوس) كثيرًا خلال هذه الفترةِ وما بعدها؛ فقد انتعشَت الطرقُ التجاريةُ المرتبطةُ بها، وكان أهمُّها طريقَين؛ الأوَّل يربط البحرَ بالصحراء ويمرُّ بالقدس، والثاني يربط الخليلَ (حبرون) ببيت إيل ويمر بالقدس.
وكان من حُسن حظِّ القدسِ أن أغلب الهجماتِ المصريةِ كانت تمُرُّ بمحاذاة ساحلِ البحرِ المتوسط، مَارَّةً بغزةَ وعسقلونَ وجازر، ثم يتجه بعضها إلى وسط فلسطين، الذي تقع فيه أغلب المدنِ الفلسطينيةِ الثائرة. ومع ذلك فقد حسَّن اليبوسيونَ من حصن مدينة القدس، وسلكوا سلوكًا سياسيًّا رصينًا، وتجنَّبوا الحروب عن طريق إقامة الاتفاقيات والعلاقات الحسنة مع دول مدن الجوار.
الاكثر قراءة في عصر ماقبل التاريخ
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)