قال مالك : " سمي زين العابدين لكثرة عبادته "[1].
قال الزهري " ما رأيت قرشياً أفضل منه "[2].
وقال : " ما رأيت أفقه منه "[3].
قال ابن المسيب : " ما رأيت أورع منه "[4].
قال طاووس اليماني : " رأيت في جوف الليل رجلا متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول :
ألا أيها المأمول في كل حاجة * شكوت إليك الضر فاسمع شكايتي
ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي * فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
فزادي قليل لا أراه مبلّغي * أللزاد أبكي أم لطول مسافتي
أتيت بأعمال قباح ردية * فما في الورى عبد جنى كجنايتي
أتحرقني بالنار يا غاية المُنى * فأين رجائي ثم اين مخافتي
قال : فتأملته فإذا هو علي بن الحسين "[5] .
وقال : " دخلت الحجر في الليل فإذا علي بن الحسين قد دخل يصلي ما شاء الله تعالى ، ثم سجد سجدة فأطال فيها ، فقلت : رجل صالحٌ من بيت النبوة لأصغين إليه ، فسمعته يقول : عبدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك . قال طاووس : فوالله ما صليت ودعوت فيهن في كرب إلاّ فرج عني "[6].
وقال طاووس : " رأيته يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد ، فلما لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وقال : إلهي غارت نجوم سماواتك وهجعت عيون أنامك ، وأبوابك مفتحات للسائلين ، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في عرصات القيامة ، ثم بكى وقال : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ ، ولا بنكالك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولكن سولت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى علي ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني ؟ فواسوأتاه غداً من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين : جوزوا وللمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط ؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي لم أتب ، أما آن لي أن استحي من ربي ؟ ثم بكى ، ثم أنشأ يقول :
أتحرقني بالنار يا غاية المنى * فأين رجائي ثم أين محبتي
أتيت بأعمال قباح ردية * وما في الورى خلق جنى كجنايتي
ثم بكى وقال : سبحانك تعصى كأنك لا ترى ، وتحلم كأنك لم تعص ، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم ، وأنت يا سيدي الغني عنهم ثم خرّ إلى الأرض ساجداً فدنوت منه وشلت رأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده فاستوى جالساً وقال : من ذا الذي أشغلني عن ذكر ربي ؟ فقلت : أنا طاووس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع ؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون ! أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله قال : فالتفت إلي وقال : هيهات هيهات يا طاووس دع عني حديث أبي وأمي وجدي ، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان ] عبداً [ حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان قرشياً ، أما سمعت قوله تعالى ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ )[7] والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عمل صالح "[8].
قال الأصمعي : " كنت أطوف حول الكعبة ليلا فإذا شاب ظريف الشمائل وعليه ذؤابتان وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : نامت العيون ، وعلت النجوم وأنت الحي القيّوم ، غلقت الملوك أبوابها وأقامت عليها حراسها وبابك مفتوح للسائلين ، جئتك لتنظر إليّ برحمتك يا أرحم الراحمين ثم أنشأ يقول :
يا من يجيب دعا المضطر في الظلم * يا كاشف الضر والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت قاطبة * وأنت وحدك يا قيّوم لم تنم
أدعوك رب دعاء قد أمرت به * فارحم بكائي بحق البيت والحرم
إن كان عفوك لا يرجوه ذو سرف * فمن يجود على العاصين بالنعم
قال : فاقتفيته فإذا هو زين العابدين "[9].
روى الزهري عنه عليه السّلام : " يا نفس حتى م إلى الحياة سكونك ؟ وإلى الدنيا ركونك ؟ أما اعتبرت بمن مضى في أسلافك ؟ ومن وارته الأرض من الاّفك ؟ ومن فجعت به من اخوانك .
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها * محاسنها فيها بوالي دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمتهم تحت التراب الحفائر[10]
قال ابن حجر : " زين العابدين هذا هو الذي خلف أباه علماً وزهداً وعبادةً وكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه ، فقيل له في ذلك ، فقال : ألا تدرون بين يدي من أقف ؟ وحكي أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة "[11].
قال محمّد بن طلحة الشافعي : " علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام هذا زين العابدين ، وقدوة الزاهدين ، وسيد المتقين ، وإمام المؤمنين شيمتُهُ تشهد له أنه من سلالة رسول الله ، وسمته يثبت مقام قربه من الله زلفاً ، وثفناته تسجل بكثرة صلاته وتهجده واعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها ، درت له أخلاف التقوى فتفوقها ، وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها ، وألفته أبراد العبادة فآنس بصحبتها ، وحالفته وظايف الطاعة فتحلى بحليتها ، طالما اتخذ الليل مطيّة ركبها لقطع مفازة الساهرة ، وظمأ الهواجر دليلا استرشد به في مغارة المسافر ، وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة ، وشهد له أنه من ملوك الآخرة "[12].
وقال الكنجي الشافعي : " كان عابداً وفياً وجواداً حفياً "[13].
وقال السمهودي : " كان علي بن الحسين زين العابدين عظيم الهدي والسمت "[14].
وقال أبو نعيم : " علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم زين العابدين ومنار القانتين ، كان عابداً وفياً وجواداً حفياً "[15].
وقال القندوزي الحنفي : " كان الإمام زين العابدين رضي الله عنه عظيم التجاوز والعفو والصفح ، حتى أنه سبه رجل فتغافل عنه فقال له : إياك أعني ، فقال الإمام : وعنك أعرض . أشار إلى آية ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )[16] [17].
وقال البدخشي : " وروي انه عليه السّلام كان يعول سبعين بيتاً . وفي رواية مائة بيت من أهل المدينة سراً وهم لا يعلمون فلما مات فقدوا أثره "[18].
[1] نور الابصار للشبلنجي ص 162 .
[2] حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 139 .
[4] اسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 218 .
[5] مستدرك الوسائل ج 2 ص 143 .
[6] الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 201 .
[7] سورة المؤمنون : 101 .
[8] المناقب لا بن شهرآشوب ج 4 ص 151 .
[9] مستدرك الوسائل ج 2 ص 143 .
[10] المناقب لا بن شهرآشوب ج 4 ص 152 .
[11] الصواعق المحرقة ص 119 .
[12] مطالب السؤول ص 202 مخطوط .
[13] كفاية الطالب ص 447 .
[14] جواهر العقدين ص 351 .
[15] حلية الأولياء ج 3 ص 133 .
[16] سورة الأعراف : 199 .
[17] ينابيع المودة ص 359 ، حكاها عن الصواعق المحرقة ص 120 .
[18] مفتاح النجاء ص 237 .