

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
جريدة الفرات
المؤلف:
العتبة العباسية المقدسة (المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية)
المصدر:
الاستعمار البريطاني للعراق
الجزء والصفحة:
ج1 ص 298 ــ 327
2026-03-11
67
كانت جريدة الفرات في طليعة صحافة الثورة العراقية الكبرى 1920م،
إذ تعد الصحافة من أهمّ مستلزمات العمل الثوري أو التغييري لأي ثورة أو انتفاضة أو مهمة تغييريّة - مهما كان هدفها - في أي مجتمع أو بلد؛ لأنها وسيلة الإعلام، ولم تكن وسائل الإعلام يومذاك أكثر من مجال الصحف والمجلات، خصوصًا التي كانت تصدر في سوريا أو مصر أو بغداد وعلى نحو محدود، وكان مطالعوها في النجف لا يتجاوزون عدد الأصابع، وكانوا يطالعونها سرا ويتحفظ. ولما كانت الثورة العراقية الكبرى منتظمةً كانتظام الحروب الدولية، كان لا بد لهذه الثورة من وسيلة إعلاميّة، تغطّي أنباء الحرب، وتنشر أخبار العدو وهو يتلقى الضربات القاصمة، ويعلن هزائمه في عددٍ من المواقع العسكرية المهمة في الفرات الأوسط، وبعد أن أنشأ الثوّار حكومات محلية تشرف على أمورهم، وتمون جبهاتهم، وتجبي الرسوم من السكان، وتقيم قسطاس العدل بينهم، وتناهض الباطل في ربوعهم؛ فاستقر رأي زعماء الثورة على ضرورة إصدار صحيفة تنطق بلسان الثورة، وتعبّر عن أهدافها، وتعبّئ جماهير الشعب للالتفاف حولها، ومدها بما تحتاج إليه من وسائل المقاومة والجهاد، فكانت صحافة الثورة المتمثلة بجريدة (الفرات)، أوّل جريدةٍ عربية تصدر في النجف. وكانت وسائل الدعاية والنشر في بادئ الأمر منشورات يشرف عليها الشيخ محمد باقر الشبيبي، ويتم طبعها في احدى المطابع الأهلية، فكان يغلب عليها طابع المبالغة والإفراط بغية تقوية العزائم، ثم أصدر الشيخ محمد باقر الشبيبي (جريدة الفرات) في يوم السبت الموافق 21 ذي القعدة 1338هـ. 15 / أيلول / 1920م، في مدينة
النجف، إثر نشوب ثورة العراق الكبرى (ثورة العشرين)، فكانت تلقي على النار وقودًا (1).
وكانت جريدة أسبوعيةً سياسيةً، صدر عددها الأول في أوائل آب 1920، بأربع صفحات من الحجم الصغير، وقد عُدّت الجريدة لسان حال الثورة وأهدافها، وغدت مجالًا لنشر أراء رجال الدين وفتواهم وخطبهم في حثّ الناس على مقارعة المحتلين، وقد سجّلت خطب الثوار وتعليمات القادة ومواقع القتال، وقد اتجهت إلى رفض الخضوع للسياسة البريطانية، وقد احتجبت جريدة الفرات بعد صدور عددها الرابع دون ذكر الأسباب، وقد يرجع ذلك إلى صعوبات مادية وفنية تتعلّق بأمور الطباعة والورق في تلك الظروف الصعبة. لكنها ما لبثت أن عاودت الصدور بعد أقل من شهرين من احتجابها، حيث ظهر عددها الخامس في 25 / أيلول / 1920، وكان من الطبيعي أن يهتم الشعب بجريدة الفرات، ويتعلّق بمقالاتها، ولكن نتيجة لضغط السلطات المحتلة على الثوار وظهور بوادر القضاء على الثورة احتجبت الجريدة في 26 / أيلول / 1920(2). بذل الشعب العراقي كثيرًا في ميدان ثورته، وهي من مفاخرنا الوطنية في تاريخنا الحديث، وقد برهنت على الروح الذي يضطرم في العراقيين، ومثلث نزوعهم إلى الحرية والاستقلال، وطلب الحكم الذاتي، والتي عُدّت حربًا استقلالية مقدّسة كما قرّر الباحثون في أحوال العراق حتى من الإنكليز أنفسهم نظير المستر فيليب ايرلند في مؤلّفه الثمين (العراق درس في التدرج السياسي)، وهو من خير ما كتب عن بلادنا في هذا القرن، وقد تذرّع الشعب بشتى الوسائل لإنجاح الثورة وتحقيق الأهداف العليا التي اندفع في سبيلها من أظهار شخصيته شعبًا حيا أبيًا . وكانت الصحافة. من جملة هذه الوسائل ولا عجب فقد التفت العراقيون إلى هذه الأداة في كفاحهم السياسي قبل هذا الطور واستعانوا بها في نهضتهم القومية قبل الحرب العظمى الأولى، يوم وقفوا في وجه السلطة العثمانية مطالبين بالتحرّر من حكم الغريب، وهكذا كانت لنا صحافة في ثورة سنة: 1920، ولهذه الصحافة تاريخ مضيئ على قصره يستحق التدوين والتدبّر للاطلاع والعبرة، ثلاث صحف عملت في خلال الثورة فكانت تنطق بلسان الثوار، وتنشر أخبارهم وحركاتهم، وتعبّر عن أهدافهم ومقاصدهم، واحدة في بغداد، واثنتان في النجف الأشرف (3).
أما في ميدان الثورة نفسها وفي مركز قيادتها النجف الأشرف فقبل هذا الموعد سبق للأستاذ باقر الشبيبي الكاتب والخطيب والشاعر والسياسي المعروف أن أنشأ جريدة باسم (الفرات) بمعنى أنّها تصدر في البقعة التي تتقد فيها الثورة، استهلت الفرات خدمتها الثورية في 15 أيلول 1920 مطبوعةً في إحدى مطابع النجف. كانت هذه الجريدة تعبّر عن آراء الثائرين وأمانيهم، وتشرح تعاليم الحركة الاستقلالية، ولم تقتصر على أفكار رجال السياسة وشيوخ القبائل، بل صارت مجالًا لنشر اراء العلماء الأعلام من جهابذة الدين وفتاواهم وخطبهم في يوم الأمة الأحمر ، وقد برزت بلهجة عنيفة، وكتبت بمداد القلب لا حبر القلم، واقتصرت على الشؤون السياسية، والمقاولات الاستفزازية، والخطب التي تلقى في محافل الثورة في الغري بينها خطب الحاج عبد الواحد سكر وغيره من أقطاب الثورة، يُضاف إلى ذلك التعليمات عن الحرب والقتال في ميدان الثورة العراقية، ولا سيّما حسن معاملة الأسرى والعناية بالجرحى وغيرها مما يتصل بالنظام في العالم المتمدن. أما أخبار الثورة ووقائعها اليومية في ميادينها المختلفة، فقد خصصت لها (الفرات) ملاحق لنشرها علاوةً على أعدادها المنظمة، وهي الجريدة العراقية الوحيدة التي نشرت قرار (المؤتمر العراقي المنعقد في الشام باستقلال العراق في 7 آذار 1920)، وقد أرسل إليها مع رسول خاص، كما أذاعت خطب الملك فيصل في عاصمته دمشق، وبثّت رسالة البيت الهاشمي في بعث الأمة العربية بعثا سياسيًا منظورًا. ومما يؤثر من مواقفها الصحافية نشرها جواب حجة الإسلام الشيخ فتح الله شيخ الشريعة الأصفهاني على الخطاب الذي بعث به من الطائرة إلى سماحته السر أرنلد ولسن الحاكم الملكي العام في العراق، يُعزّيه بوفاة الإمام آية الله الشيرازي في 17 آب 1920 ويهنئه بانتقال الإمامة إليه، ثم يتحدث إلى الإمام عن العدل، وحقن الدماء، وحسن التفاهم الذي يجب أن يحلّ بين الشعبين، وقد علّق الأستاذ باقر بقلمه الحاد على ذلك الخطاب، واستعرض مقدار انطباق المبادئ الثلاثة الرحمة والعدل والتسامح التي جاءت في مضامينه على كثير من أعمال حكومة الاحتلال.
وكانت الأيدي تتلقف هذه الجريدة، ويقرأها الناس بلهفة في سائر أنحاء القطر ولا سيّما في ميادين الثورة في صفوف المقاتلين، كما أنها كانت ترسل إلى خارج العراق فتبلغ سدة ملك العرب في الحجاز جلالة الحسين بن علي الذي يُعنى بتتبعها بدقة، وتصل بلاط الملك فيصل في الشام، وتنتهي إلى سائر المهتمين بالحركة القومية في سوريا وغيرها من عراقيين وعرب، ولكن لم تعش الفرات طويلًا؛ فقد توقفت عن الصدور بعد عددها الخامس؛ لأنّ الثورة خفتت بعض الشيء، وتفرّق كثير من زعمائها في أنحاء غير متقاربة (4).
كانت الثورة العراقية الكبرى التي اندلع لهيبها في الفرات الأوسط في 30 حزيران 1920م، في حاجة ماسة إلى صحفٍ وطنية تذيع أنبائها، وتنشر آراء القائمين عليها، وتصف المعارك التي تجري في ميادينها، وتشجع الرأي العام على مؤازرتها، والتضحية في سبيلها، فأنشأ الأستاذ محمد باقر الشبيبي جريدة في النجف - مركز قيادة الثورة - باسم (الفرات) لهذا الغرض. برز عددها الأول في غُرّة المحرم سنة 1339 (10) أيلول (1920)، واستمرت تصدر بحماس متزايد، وتنشر ملاحق كثيرةً بأنباء القتال، وسير الحركات وتبعث في نفوس المحاربين روح الإقدام والبسالة، ثم توارت عن الأنظار بعد صدور عددها الخامس، وظهور بوادر الانحلال على القائمين بالثورة (5).
يقول عبد الحميد الزاهد - وهو من المشاركين بأحداث الثورة العراقية 1920 م -: (كان لدي مكتبة في أحد أواوين الصحن العلوي الشريف، لبيع الكتب وتجليدها وأقوم بمزاد الكتب في كلّ يوم جمعة، وفي خلال العمل للقضية العراقية كنت احتفظ بما يرد من الصحف السورية العربية، وفي الثورة صار المكتب مرجعًا لنواحي الثورة الأدبية، منها القيام بتوزيع جريدة الفرات والنشرات الثورية اليومية، وإرسالها بواسطة الرسل إلى مختلف نواحي الفرات، أمثال كربلاء، والوتد، والهندية، وجنوبي الحلة والديوانية، والسماوة، والرميثة، وعفك، والدغارة، وأبو صخير ، والغرّاف وغيرها، وكانت ترد الرسائل المختلفة من الجبهات إلي بحسب إعلان جريدة الفرات والمنشورات، فاجتمع لدي كيس من الأوراق المختلفة، وعندما أردت الهروب دفنتها في سرداب بيتنا، ولكن أخي الشيخ رضا حرقها من بعدي) (6).
إن للنجف الأشرف دورها الرئيس في إشعال الثورة واستمراريتها، وقد كان من أسباب الاستمرارية تلك دخول النجف إلى المعترك الصحفي بمشاركة من باقي المدن العراقية، لأهمية صاحبة الجلالة (الصحافة) في دعم الثورة، وتأجيج الشعور الوطني والقومي، وإعطاء المعلومات والأخبار التي ترافق هذه الثورة من انتصارات وخسائر فادحة، وأرقام واحصائيات في المال والأبنية والمعدات والقتلى والأسرى، والمواقع الاستراتيجية التي تم السيطرة عليها، كل هذه المعلومات لا تصل إلى هذه الجماهير الثائرة الممتدة عبر أرض العراق والوطن العربي إلّا عن طريق وسيلة جماهيرية تأخذ مداها الطبيعي واستمراريتها وانتشارها.
وللشبيبي شعر في الصحافة وبسالتها، إذ يقول في أبيات له (7):
صوت الشعب وصيتها الصحف تجري بهم للمـ جد إن وقفوا
ماذا أقول وكيـــــــــــف أذكــــــرها وبأي وصف مثلهــا أصــــــف
إن قال داعيــة العلــى فلــها ولأهلها العليـاء والــــــشرفُ
الناطقات ونطقها حكم والحاكمات وحكمها النصفُ
وقد اتصل شاعرنا الشيخ محمد باقي الشبيبي برفيق دربه في النضال الحاج جعفر أبو التمن الوطني المعروف الذي شهدت له الساحة الوطنية بالكثير من المواقف والبطولات لدعم الثورة والثوار، وهكذا قرر إصدار (جريدة الفرات النجفية) بتاريخ (15) أيلول / 1920 المصادف: 4 ذي الحجة (1338)(8)، وكانت هذه الصحيفة الناطقة باسم الثورة وهي بحق (لسان حال الثورة العراقية الكبرى التي اندلعت في ذلك العام) حيث صدر العدد الأولى بتاريخ 21 ذي القعدة 1339هـ الموافق 1 تشرين الأول 1920م، وابتدأ العدد بـ(بسم الله الرحمن الرحيم حمدًا وشكرًا وسلامًا ،وبعد ، لقد ألمنا خلو البلاد من الصحافة)(9).
وقد كانت كل صفحة من صفحاتها تحتوي على ثلاثة أعمدة تغطي أنباء الثورة، وتنشر أخبار العدو، وهو يتلقى الضربات المذهلة من الثوار، وتعلن هزائمه في عددٍ من المواقع العسكرية المحصنة، وقد أصدرت الفرات عددًا من الملاحق، وكانت قيمة الاشتراك التي تدفع سلفًا عبارة عن ليرتين في النجف، وليرتين وربع خارجها، وبدل شهري مجيدي وربع مجيدي في خارج النجف. والشبيبي كما قال شعرًا في مواقفه الوطنية فهو كذلك في مقالته الصحفية، لا تهاون مع السلطة، ولا مجاملة مع المتسلطين وكأنه كان يكتب كلماته بدماء عينيه الثورية، ويخاطب المستعمر وأذنابه بصوت عال، ويطرح كافة الحقائق؛ لذا كان محاربًا من قبل السلطات في نشر مقالاته المنادية بالثورة، فاضطر إلى أن يستعين بالصحافة العربية، وكذلك جرت مطاردته بشكل آخر في الصحف العربية، حتى إنهم منعوا بعض الأعداد الصادرة من الصحف التي تصدر في الخارج من الدخول إلى العراق، ومنها مجلة (العرفان) اللبنانية التي تصدر في صيدا بـ ما نشره في المجلة (10) .
ومن أهم مقالاته في الصحف العربية: (من مصائبنا يا سادة أننا إلى الآن لم نجرأ على مصارحة المسؤولين، وانتقاد سياستهم، ومجابهتهم بالحقائق؛ لأنّ روح العبودية متأصلة في هذا الجيل؛ فالنفوس الضعيفة مطبوعة على الذل والخوف والتزلّف والانقياد، فلنترك هذه الدعايات إذا كنا أوفياء للأمة، ولننصرف إلى معالجة ما تنوء به الأرزاء، ولنكن أجرياء على بيان الواقع في حقيقته). لكنّه تابع مسيرته حيث العمل في المجالين الوطني والسياسي، ولم ينتبه إلى الانحراف والابتعاد عن خط المواجهة والتحدي، وبهذا استطاع أن يصبح مثلًا للصلابة بين أقرانه السياسيين إلى أن أدّى الأمر إلى تدهور صحته، وملازمته الفراش (11)، وحتى هذا الأمر لم يثني عزيمته، وعلى فراش المرض باشر بإعطاء مقالاته إلى الصحف، وتوزيع المهام على النخبة المؤمنة المقارعة الاحتلال بكل زمان ومكان.
ومن مقالاته الجريئة التي ستبقى شاهدًا وتاريخا ناصعًا يجسّد شجاعة العراقيين أيام ثورة العشرين ويفصح عن مدى جرأة الصحافة النجفية في تلك الأيام العصيبة هذا المقال الذي نشره في العدد الخامس والأخير من جريدة الفرات المؤرّخ في تشرين الأول 1920 ، الذي هاجم فيه الحاكم البريطاني العام (ويلسون) على إثر إرسال الأخير برقيةً إلى المرجع الديني الأعلى في ذلك الوقت شيخ الشريعة الأصفهاني، يقول فيه: «وقفنا على صورة كتاب الحاكم العام ارنولد ويلسون إلى المقام الروحاني المنشور في جريدة العراق المؤرخة في 30 / اب /1920 الموافق 7 ذي الحجة 1338 هـ، وفي منشورات مستقلة وزعتها الطائرات فشكرنا تودّده للمقام العالي، ولما كان مشتملا على أشياء لا تتفق مع مراده، بل كانت على العكس نقيضًا للغرض الذي أفاض فيه؛ رأينا إيقافه على جلية الأمر واطلاعه على رأي الأمة الأخير، فينكشف لعدل الدول من ضلّل الناس وطوّح بالبلاد والعباد، ثم نسأل الدول بعد ذلك أن تحكم على مسبب المصائب في العراق، لينال لعنة العالم المتمدن، وهوّن عليك يا ممثل الدول الإنكليزية! إنّ الأمة التي ناصبتها العداء وحكمت فيها السيف فأرقت دماءها، وأزهقت أرواحها عداءً محضا وتحكما صرفًا بلا خوف من الحق، ولا وجل من العدل ستقف وإياك أمام محكمة التاريخ، ليعلم من هو المجرم الذي أتلف النفوس، وجنى على البشرية بلا رحمة ولا عطف! فالويل لمن صبغ الأرض بدماء الأبرياء، يا ممثل الإنكليزية ماذا صنعت أمة العراق المظلومة حتى تستحق من ضباط الاحتلال هذا الفتك الذريع، والتمثيل الشنيع، والهتك الفظيع؟! أفعال تخجل منها العصور الأولى، وتشمئز منها قرون الظلمة والظلم ويل لكم ضبّاط الاحتلال. من ظلامة أمة كان جواب مطالبها الشرعية حزّ الرؤوس، وتوصيل الأعضاء، وحرق الجثث، والتمثيل بالنفوس المحترمة... فيا سبب مصائب العراق يا سفّاح الإنكليز لقد جنيت على حكومتك الموقرة جناية ما روى التاريخ نظيرها لسفّاح قبلك، أهكذا يكون جزاء الذين رفعوا مقعد حكومتك، وأجلسوك على منصة لست لها، وليست لك، هي السياسي المحنّك والحاكم الرشيد، منصة يتربع عليها العدل والإنصاف لا الظلم والاعتساف، فويل لمن أقامك تمثالا للقوة والغلظة، يا ممثل الدول الإنكليزية أتعزّي المقام العالي ومنك الرزية؟! أتعزيه بقولك؛ (إنّ المقاوم يستوجب التعزية والتسلية، لا التبريك والتهنئة في هذه الأيام التي انتابت العراق وسائر المماليك)، فيا حضرة الحاكم العام إنّ ما نزل بالأمة فمن المصائب التي هيأت أنت أسبابها، فالأمة بريئة، وأنت المذنب، ألست الذي سحقت الحقوق، ودست القانون، فخنت الأمة بما أعددته من الجيش المجهز بالنار، ووسائل الحرب والدمار، فأجهزت به على النساء والأطفال والشيوخ، ولوثت البلاد الطاهرة بالشرور، كل ذلك لأنّ الأمة أبت أن تعترف بوصايتكم، أبت أن تعيش في ظل حمايتكم، وأغرب من ذلك يا حضرة الحاكم أنك نسبت المصائب إلى فقيد الإسلام، لقولك: (وكان هذا من آراء سلفكم)! يا الله، أي الاعتداءات تغفرها لك الأمة؟ أتعزيتك لشيخ الإسلام بما أنزلته من الرزايا على العرب والمسلمين، أم نسبتك المصائب إلى الفقيد الذي لطالما حذرك من الغرور وألفتك إلى عواقب الأمور، ونبّهك إلى نتائج الاستهتار في مخالفة الأمة المظلومة؟!... نعم إنه (طيب مثواه) أرادك أنْ تلين فاستعصيت، وسألك أن تضع حدا للظلم والاعتداء بأعطاء الأمة الاستقلال فأغضبت، وثابرت على إنزال العقاب والعذاب، والأمة ساكنة، وأنت لم تسمع نصائح الفقيد ومواعظه البليغة، فكيف تريد أن تبرر أعمالك؟! ثم بعد ذلك تقول: (إنّ الحكومة كما هو معلوم في أقطار العالم قد اعتمدت دائما على الأركان الثلاث، وهي الرحمة والعدل والتسامح الديني...)، قد تظنّ بأنّ حكومتك الموقرة قد شيدت على هذه الدعائم فخامتها، ولكنك هدمتها بمقالع جورك وقسوتك وتعصبك، فويل لكم يا ضبّاط الاحتلال. أما الرحمة وأينها منكم يا قساة؟! الرحمة فضيلة قد تنحت من قلوبكم، وابتعدت عن ضمائركم... وهي اسم عندكم، ومسماها ليس عندكم وتشهد على ذلك قلوبكم بالقسوة، وأنيابكم بطحن العالم، فقد خلفتم من بعضه تاريخا لشدتكم مكتوبًا بالدماء المراقة في (الرميثة الحمراء) في عرائش الفقراء، فكم بيت أو قدتم على أهله النار، فأصبح الرضيع ملتهبا، والشيخ الفاني بجنب الأعمى وقودًا لنيرانكم، وعلى هذا الحال استمرت رحمتكم في (الجربوعية)، و (بابل) حرقًا تستغيث من النار، وقتلا أظهرتم فيه ضروب التمثيل، أهذه هي الرحمة التي بنيتم عليها دولتكم، وأقمتم عليها سياستكم؟!... أمّا عندنا فلطف بالأسير وبر به، ونظر إلى الأجنبي ملؤه العطف، نتفقد شؤونه، ونرى أحواله، ونسهر لترويحه، ونحرص على حياته... أخلاق أخذناها من شريعتنا، وفضائل تلقيناها من مدنيتنا، فأين هي مدنيتكم يا أدعياء التمدّن؟ ها انظروا إلى رحمة رجالنا وكبارنا، واقرأوا رسائل علمائنا في الرفق بأسرائكم، والرحمة بمرضاكم، انظروا كيف وكل المقام الروحاني أمره إلى من لزمه بذلك من المشاهير فكتب إليه الرسالة الآتية:
.
(بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك وثناء على إخلاصك، وبعد، غير خفي على نباهتك أنّ للأسرى في الشريعة الإسلامية مكانةً عاليةً، فالعناية : فرض، والتوجه إلى إكرامهم حتم، وإنّي أوصيك أطال الله بقاءك بتعهدهم على الاتصال، وتفقد أحوال صحتهم ومعاشهم ما داموا وديعةً مقدسةً وأمانةً محترمةً، فيلزمك البذل لهم والتوفير عليهم، ويجب تصديك لتخفيف راحتهم أكثر من الأيام الماضية، وإنّي قوي الأمل بأنك تنشط إلى هذا التكليف؛ لأنه شرعي مدني إنساني، فواظب على الانفاق عليهم، حتى يتعين على إنفاقهم مورد خاص، فقد اعتمدتك وأوكلت ذلك إلى عهدتك وألزمنك به، ولا عذر لك ودم مؤيدا). شيخ الشريعة الأصفهاني.
هذا مثال صغير من رحمتنا، فهل أظهرتم شيئًا من رحمتكم. فيا حضرة الحاكم العام لقد هدمتم هذا الركن بمقالع من السياسة التي أهلكت الحرث والنسل، وأتت على الأخضر واليابس، فتراب كلّ منطقة يشهد بأنكم سلبتم الحبّ حتى من منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم وضاعفتم الخراج أضعافًا على الزراع، فأصبحوا يسألون الناس إلحافًا، وأنتم تسألونهم فوق الجهد وتكلفون نفوسهم فوق الوسع. نعم إن السجون والمنافي والديوان العرفي شهود على عدلكم، وبراهين على صدقكم! فأين العدل الذي تزعمون؟ أوفيتم بوعد أو ثبتم على عهد؟ أين البيانات الرسمية؟ أين القطوع الدولية؟ أين عهود الطوائف؟ أين الاستقلال؟ أين الإدارات الوطنية؟ أين منشور مود؟ أين وثائق مكماهون؟ أكان العدل يا حضرة الحاكم أن تكمموا الأفواه التي طالبت بالعدل؟ أهذه هي العدالة، وترفعوا طلاب الاستقلال إلى المنافي .... سلام الله على ظلم الفراعنة ......! فيا حضرة الحاكم كيف تفتري على أهل العراق؟ ألم تطلع نفسك على رغباتهم؟ ألم تقف على تصريحاتهم؟ اذكر موقفك في النجف إذ جئت تعمل لتبديل الوثائق الموقعة من السادات والعلماء والأعلام والأشراف من الرؤساء وسائر الطبقات، ألم يطلبوا فيها جلاءكم عن العراق؛ ليؤلّفوا حكومة عربية لا دخل للأجنبي فيها» (12).
ولم يقصر جهد الصحفي محمد باقر الشبيبي وما قدمه للثورة على إصدار جريدته (الفرات فحسب بل كان المدير والمسؤول على كافة وسائل الدعاية والنشر في بادئ الأمر، إذ إنّ المنشورات التي كان يشرف عليها شخصيًا ويتابعها في كافة مراحلها، في إحدى المطابع الأهلية كان يغلب عليها طابع المبالغة والإفراط بغية تقويم الغرائم، وكذلك يقوم بإصدار منشورات يومية تقريبًا يتتبع فيها أخبار القتال في شتّى جبهاته (13). لكن عندما صدرت جريدة الفرات، لم يذكر اسمه على الأعداد الخمسة الأولى التي صدرت منها.
كانت (الفرات) تعتبر بحق لسان الثورة ليس في مناطق الفرات حسب بل، وفي العراق بأكمله، وكان نفوذها يتعدى نطاق القطر العراقي إلى الأقطار العربية المجاورة، فقد كانت أعدادها تصل إلى سوريا وإلى الحجاز أيضًا، وتحظى بالاهتمام الشديد من لدن أقطاب الحركة التحررية العربية في كل مكان.
وفي الوقت الذي كانت هذه الجريدة تتبع أخبار القتال، والمعارك، وتشحذ الهمم، كانت في الوقت ذاته تنتقد الأعمال العفوية التي كانت تصدر من بعض الثوار، فتدعوهم إلى أن يحسنوا معاملة الأسرى من الأعداء، وإلى العناية بجرحاهم، والمحافظة على وسائل المواصلات والمرافق العامة في المناطق المحررة، فضلا عن نشرها كلّ القرارات والآراء التي كانت تعبّر عن الثورة والانتصار لها. صدر العدد الأول من (الفرات) يوم السبت الحادي والعشرين من شهر القعدة سنة 1338 هـ الموافق لليوم الثاني من شهر أيلول سنة 1920م، في أربع صفحاتٍ من القطع الصغير، وكتبت على صدره (جريدة أسبوعية سياسية، أدبية تاريخية). وقد غيّرت هذه العلامة ابتداءً من العدد الثاني إلى (جريدة أدبية، سياسية، وتاريخية اجتماعية أسبوعية مؤقتاً). وبقي موعد صدورها يوم السبت من كل أسبوع. تضمّن العدد الأول مقالا افتتاحيا أختيرت آية البسملة عنوانًا له، ومما جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد في كلّ فاتحة، وعند كل بداية، | والصلوات على نبيه المبعوث على حين فترة، المنتجب من خير أسرة، وعلى آله وصحبه، وبعد فلقد تنقلت بنا العصور، فمن ظلام إلى نور، ومن حزن إلى سرور، وهبت فئة ممن شرح الله صدورها، فكانت أوعيةً للحقائق، ومكامن للحكمة. وعادت تستحثّ الهمم مجلبة للعرفان، وأخذا بإطراء الكمال، طورًا بإنشاء معاهد تكفل الناشئين من الجهل، وتدرأ عنهم مصاعب الضعف، وتعديهم المعرفة الواجب، وحقوق الأمة والفرد، وتارةً بإنشاء صحف تنمو بها حركة الأفكار، وتتم أسباب النهضة ودواعي الاستقلال، وهذا ما دعى بنا إلى تأسيس جريدة (الفرات) بعد أن سهلت لنا الظروف الحاضرة بعض الصعوبات، وذلّلت كثيرًا من العقبات، فقمنا على أثر الانقلاب في العراق لنعرف الأمة العراقية كيف تكتسب الفضيلة، وتجتنب الرذيلة، ونعلّمها فوائد الاجتماع والتضامن، و محاسن الاشتراك والتكافل حتى تصل إلى الغاية فأنشأناها أسبوعيةً لقلة المعدّات الآلية، فلا ورق كثير، ولا مطبعة كاملة.
وقد أردنا إصدارها بعد إكمال النواقص، وإحضار اللوازم، ولكن الحاح الأفاضل من الخارج والداخل، جعلنا نقدم على غير عدّة، فأصدرناها على هذا الحجم الصغير مؤقتا، آملين أن تلقى من القرّاء كل قبول، والله ولي التوفيق وهو المأمول». ومما تضمنه هذا العدد مقالةً رئيسةً بعنوان: (العراق يقاوم الحكم الاستعماري) جاء فيها: «دع الأحزاب الاستعمارية تستنزف الدماء والأموال، وتستثمر البلاد، وتستعبد الرجال، وتلعب في حقوق الأمم الضعيفة ما تريد، فقد ضعفت مادة حياتها، وقاربت عمرها الطبيعي، فلا تستطيع أن تعيش في الأجيال القادمة. إنّ العصر الذي بدأته الأمم سيكون عصر انتصار قهار، لا تروج فيه سياسة الاستعمار وإن ألبسوها ثياب العطف والحنو؛ فإنّ أثواب الرياء شفافةً يُرى ما تحتها. أجل إنّ الأمم تستقبل عصرًا لا يتفق مع العصور الفائتة، يخالف العتو والكبرياء والغطرسة والشموخ، عصرًا يهدم آثار الاستعمار، ويدك معالم الاستبداد، فلا ترى مطامع شخصية، ولا سلطات ظالمة أو حكومات غاشمة، ولا سيادة قديمة غريبة النزعة.
أدركت الشعوب الصغيرة ثقل وطأة الاستعمار، فبدأت تقاومه وتكسر قيوده. ما ذكر العراق في عهود الحلفاء وفي بلاغاتهم وبياناتهم، وفي مقالات الكتاب وخطب الخطباء إلّا رأيناه مقرونا (بالتحرير)، ولكننا لا ندري ماذا يراد بالتحرير في (قاموس غرفة العوام)، وفي (معجم الوزارة الخارجية). ولعلّه من الأضداد في لغة الاستعماريين.
لقد أسمعتنا الحكومة البريطانية في بياناتها الرسمية أنها تريد أن تعيد مجد العراق الأول، وأنّها لم تدخل البلاد فاتحةً أو مستعمرة، ولكن الظروف الحربية أرغمتها على الاحتلال أيامًا. على أنّ الحرب العامة قد وضعت أوزارها، وإنكلترا لم تزل تثبت أقدامها، وتشدد أحكامها، فهل عادت العهود قصاصات ورق لا يؤبه لها؟ فأين نجد الشرف الدولي إن كانت انكلترا تسحق شرف المعاهدات، وتسخر بالقوانين، وتهضم حقوق الأمة التي ساعدتها؟!».
وبعد أن يستعرض المقال الموقف الذي وقفته إنكلترا من استيلاء الفرنسيين على سوريا ولبنان، وتقويضهم الحكومة العربية الأولى في دمشق، وفرضهم الاحتلال العسكري على تلك البلاد يقول: «إنّها قضت وطرها من محالفتنا، على أنها لم تكن محالفة أساسية، إنّها كانت لإغرائنا حتى تتمكن من إحراز النصر على أعدائها في الشرق...» (14).
ونشرت الفرات في العدد ذاته رسالة المؤتمر العراقي الذي عُقد في دمشق في التاسع والعشرين من حزيران 1920م الموجّهة إلى رؤساء الشامية في النجف، ومما جاء في هذه الرسالة قولها:
«سوف ترفعون شأن الفكر العراقي، وتعلون مكانته في أنظار الأمم والشعوب بهذا المظهر الشريف الذي تظهرون به من حين لآخر كأمة راقية تطلب حقها الطبيعي بالاستقلال التام، مما حمل كثيرًا من الأمم على أن تفكر فيكم، وتهتم بمصيركم وخصوصًا تلك الدولة التي تحتل جيوشها بلادكم... أصبحت هذه الدولة تسعى السعي الحثيث للمحافظة على نظام حكمها الحالي في العراق. ربما حضر إليكم من الشام الجنرال نوري السعيد ليقوم بهذه المهمة التي أناطتها به السلطة البريطانية، ألا وهي توطيد أركان الاحتلال، وتثبيت أقدامه في العراق... لا يحتاج بعد هذه أنْ نبيّن لكم واجبكم الذي تقومون به إزاء هذا الرجل إذا ما فارقنا إليكم بهذه المهمة، خصوصًا الاجتهاد بمقاطعته والإعراض عن أقواله، وتحذير الناس من الوقوع في حبائله... لا تبالوا أيها الإخوان به، ولا تقيموا له وزنًا، ولو ادّعى الكلام باسم الملك حسين أو الملكين عبد الله وفيصل، أو باسم المؤتمر العراقي، أو أي جمعية أخرى، فإنّه غير مفوض ولا مرخص ...». كذلك نشرت الفرات في هذا العدد أيضًا صورة الاحتجاج الذي قدّمه المؤتمر العراقي في دمشق في التاريخ ذاته إلى جميع رؤساء الحكومات والدول، منها بريطانية بشأن منابع الزيت في العراق، ومما جاء في ذلك الاحتجاج قوله: (نصت المادة (22) من مواد قانون عصبة الأمم على الاعتراف باستغلال الأمة العراقية .... فعملًا بهذا النصّ الصحيح قرّر الشعب العراقي مصيره وأعلن استقلاله، ولكن رفض كل انتداب وأذاع قراره هذا وأبلغه إلى الحلفاء والدول المعظمة طورًا بواسطة المؤتمر العراقي، وتارةً بواسطة الجمعيات السياسية داخل القطر وخارجه. لقد بدأت السلطة الإنكليزية المحتلة في العراق، رغما عن هذا النص الصريح، وخلافًا لرأي العراقيين العام، تتصرف بموارد البلاد تصرف الحاكم المطلق؛ فجاهر المستر لويد جورج بوضع يد الحكومة الإنكليزية على منابع الزيت في العراق، وتخصيصها لسدّ نفات الإدارة البريطانية في البلاد تخصيصا لا مسوّغ ولا مبرر له بوجه من الوجوه.
وعلى هذا فنحن أعضاء المؤتمر العراقي نرفض باسم الأمة العراقية هذا التصرف المطلق غير المشروع، وتحتج عليه، ونذيع ما يلي:
أولا: تحتفظ الأمة العراقية لنفسها لا لغيرها بجميع موارد البلاد ومن جملتها منابع الزيت.
ثانيا: تحتفظ الأمة العراقية لنفسها حق إعطاء الامتياز باستقلال هذه المنابع لمن تشاء.
ثالثا: نفضل الاتفاق الذي جرت عليه الحكومة العثمانية قبل الحرب بشأن هذه المنابع (15).
وفي العدد الثاني من (الفرات الذي صدر في يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة لليوم الخامس عشر من أيلول تناول المقال الافتتاحي فيه، أسباب الثورات التي تقع في أقطار العالم وأهدافها وهو بعنوان (ثورة العراق)، ومما جاء في ذلك المقال قوله: «إنّ الثورة العراقية تشبه أختيها الإيرلندية والمصرية من كلّ الوجوه، فقد فجّر بركانها الضغط، وأضرم أوارها الاستبداد، ووسعها القضاء على الحرية والتجاوز على الحقوق، فصمت الآذان عن سماع الحق، وعمي الوجدان عن تمييز الأحكام، وسدت المحاكم أبوابها، فلا قضاء ولا قضاة. وأصبح الحق للقوة، وردّت مطالب الأمة العادلة، وتجلّت الأطماع، وظهرت ميول الفتح والإرغام، فالسلطة قاهرة، والتحكم عجيب، والشعوب ليست حرة، والأمم غير مستقلة؛ فاشتد الظلم حتى بلغ منتهاه، ونفد صبر الأمة مما تلاقيه كلّ يومٍ من جور حكّام الاحتلال، ولا سيما في هذه الأيام التي ضجّ فيها العراق، وملأ دوي احتجاجاته الآفاق تحقيقا لمبدأ (تقرير المصير) وتأييدا للاستقلال التام.
أدرك العراقيون أنّ المطالبات القانونية والمظاهرات السلمية لا تجدي نفعا، ولا تسترجع. حقا، سيما وإن صدى الاحتجاج العادل لا ينعكس إلى الأندية السياسية في العالم لاستئثار الإنكليز بكافة أدوات الوصل في البلاد، فلا بريد ولا برق ولا صحافة ... لقد فكّر عقلاء الأمة وكبارها فيما يجب أخذه من التدابير للتخلّص من الاحتلال القتال، فصمّموا على الدفاع عن حياتهم بعد أن قامت السلطة العسكرية بإجراء الحركات الحربية، قاصدةً إخضاع الأمة بالقوة) (16).
وفي هذا العدد نشرت (الفرات) صورة المذكرة التي قدمها المؤتمر العراقي في دمشق في الثالث من تموز 1920م ، إلى رئيس وزارة الحكومة البريطانية حول مطالب الشعب العراقي وموقف الإنكليز منها، ومما جاء في هذه المذكرة قولها : «إن رغائب الشعب العراقي هذه تنحصر بالاعتراف بالاستقلال السياسي التام للقطر العراقي في حدوده الطبيعية المعروفة، بحيث تعلن السلطة المحتلة بالفعل هذا الاعتراف في نفس القطر، وتفسح المجال ... وتأليف حكومته الوطنية في الحال، وتحويل الجالية العراقية الموجودة الآن في سوريا وتركيا ومصر الحرية التامة بالرجوع إلى أوطانهم».
وتحت عنوان (ضلال الإنكليز) نشرت الفرات مقالًا افتتاحية في العدد الرابع منها، الذي صدر في يوم السبت الثالث عشر من ذي الحجة 1338هـ الموافق التاسع والعشرين من أيلول 1920م، قالت فيه: «شاءت حكومة الاحتلال أن ترينا كلّ يومٍ نوعًا جديدًا من الباطل، وشاءت الأمة أن تدحض كل أنواعه معتمدةً على الحجج الدامعة والبراهين القاطعة، فشتان ما بين الفريقين: فريق يؤيد الباطل لأنه باطل، وفريق ينكره ويؤيد الحق. علمت حكومة الاحتلال أنّ الأمة لا تخضع لها ولا تنحاز إليها تاركةً مبدأها القويم، أو غاضةً حقها الصريح، فلا تُلوى عن الإصرار على تنفيذ مطالبها مهما كلّفها ذلك الحق من التعذيب والاضطهاد. فهي لا تريد إلّا أن تؤلّف باختيارها مؤتمرًا عراقيا لا إمرة فيه ولا مشورة لبريطاني قط، علمت ذلك حكومة الاحتلال فرأت أن تأليف المؤتمر على النحو الذي تطلبه، إلّا أنه يقضي لا محالة على كلّ أمالها في العراق، فعزمت على إكراه الأمة بنوع آخر من الإكراه على قبول ما تراه متفقا مع مصالحها الاستعمارية في البلاد...». وبعد أن يتحدّث المقال عن اللعبة التي لعبها الإنكليز المحتلون، وذلك بدعوة (النوّاب) الذين اختارتهم الحكومة العثمانية في وقتها إلى الحضور في بغداد، كي يتألف. منهم المؤتمر الذي يطالب به الشعب، يقول متسائلًا: «فهل رأيت مجلسًا يشبه هذا المجلس العاري من كل ميزة قانونية؟ وهل رأيت حكومةً في العالم تشبه حكومة الإنكليز أجهزت على الحقوق المدنية والسياسية؟ وهل يلومنا لائم إذا قلنا إن وجودها شرّ على المجتمع البشري، وشر على القانون المدني؟!» (17). ونشرت في الفرات في العدد ذاته مقالةً أخرى بعنوان (مكر الإنكليز) قالت فيه حتى إذا صرح رئيس جمهورية الولايات المتحدة بمبدأ تحرير الشعوب، أعلنت إنكلترا في البلاد أنّ أبناءها أحرار في اختيار شكل الإدارة في العراق، اطمأن العراقيون أنّ الانكليز سوف لا يسفكون دماءهم إذا جهروا بمعنوياتهم، وما علموا أن هذا الإعلان يريد أن يتخذه الإنكليز ذريعةً لإشعال نيران الحرب تأتي على الأخضر واليابس، اطمأنّ العراقيون فجهروا بما لا بد منه وصرحوا وطلبوا من الحكومة الإنكليزية باسم الأخلاق والإنسانية أن يفوا بوعودهم، ويعطوا الضعفاء حقوقهم الطبيعية، فقابل الإنكليز هذا الطلب بالاحتقار والامتهان، والهزؤ والسخرية مما يفتت كبد كل عراقي، وليتهم اكتفوا بذلك، بل عمدوا إلى زعماء الأمة فنفوا أربعة منهم في الحلة، وأربعة عشر في كربلاء، وواحدا من بعقوبة، وجمع حاكم الديوانية خمسين زعيما من رؤوساء القبائل فأجبرهم على التوقيع على ورقةٍ كُتب فيها لزوم بقاء الإنكليز في العراق...». توقفت الفرات عن الصدور بعد العدد الرابع منها، ولم يعرف السبب الذي حال دون استمرارها، غير أنّ ما فهمناه من الكلمة الموجزة التي صدر بها العدد الخامس، يدل على أنّ قيادة الثورة في الفرات هي التي أمرت بإيقاف الصحيفة عن الصدور؛ إذ جاء في العدد الخامس من الفرات الذي صدر في يوم الأربعاء الثاني من صفر سنة 1339 هـ الموافق لليوم الثامن عشر من شهر تشرين الأول 1920م، كلمة بعنوان (بعد الاحتجاب ما يلي تعود الفرات إلى الصدور بإيجاب من الهيأة العلمية وزعماء النهضة العربية، والأمل أن أولياء الأمور الذين قاموا من أول الأمر بنشر هذه الصحيفة الحرّة، واهتموا بإظهارها، وصمموا على استمرار إصدارها، سوف يستمرون على القيام بشؤونها، وضمانة حياتها، لتعيش الصحف الراقية ذات المبدأ الصحيح فيكون لها مكان عالٍ وشأن في العالم رفيع. نعم إن الهيأة العلمية سوف لا تنفك عن العناية بأمر الصحافة، سوف تخلد ذكرًا مجيدا لها في تاريخ النهضة العراقية بإصدار الفرات، وقد بشرتنا باهتمامها وتصدي القائمين بها من رجال الفضل لتوسيع حجمها، وإصدارها مرتين في الأسبوع وسيكون ذلك في القريب، كما يطرد تحسينها مع ملائمة الظروف والأحوال. فالفرات تعود اليوم كما كانت في البدء بتحتيم كبار الأمة، وقد أوجبوا أن يكون هذه العدد الذي حتّموا إصداره بالردّ على كتاب الحاكم الملكي المرسل إلى الإمام الروحاني آية الله شيخ الشريعة الأصفهاني (دام ظله العالي)، الرد الذي يقرأه القرّاء هو خلاصة آراء الزعماء وقادة الرأي العام، ونتيجة لأفكارهم، وليس من الآراء الشخصية؛ ولذلك نوجّه إليه أنظار الأمم في كلّ أقطار العالم لتطلع على رأي الأمة الأخير» (18).
وفعلا فإنّ هذا العدد بصفحاته الأربع كلّها لم يتضمن سوى ذلك الردّ الذي نشر (بعنوان رأي الأمة وكتاب الحاكم العام، وكان بمنزلة خطاب موجه إلى الحاكم الإنكليزي العام في العراق آنذاك وهو السير أي تي. ولسن، ومما جاء فيه: وأما التسامح الديني أو الدعامة الثالثة التي قام عليها بناء حكومتكم فدعوى كاذبة تشهد عليها المعابد والمساجد وقبور الأئمة المقدسة، ولئن تقادم عهد حادثة النجف، فحادثة مسجد الكوفة غضّة في أول النهضة، أما صيّرتم ساحته مكانًا لمقذوفات الطيّارات؟ أما خلطتم ترابها بلحوم المترهّبين والمترهبات؟ أما داخلتم رؤوس الأطفال بصدور الأمهات؟ ألم تمنعوا مجالس المواليد وسائر الشعائر؟ كان من التسامح في الدين رمي جوامع المسلمين وحصر مجامعهم ومنع أعيادهم ومراسيمهم؟ هل الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية تسامح وتساهل؟ إذا كان هذا هو التسامح، إذا ما هي معاني التعصب الأعمى؟ تحية على غلادستون، وثناء على الحروب الصليبية.
يا ممثل الدولة الإنكليزية، إنّ الأركان التي اعتمدتم عليها لا تقوم عليها بيوت العناكب، فكيف تشيدون على أساسها الواهي دولة لا تدول وحكومة لا تزول؟ لقد أوجبت أركانكم هذه أن يصافح العراقيون مدافعكم ويعانقوا بنادقكم، ويستعرضوا الكتائب وجيشكم حتى يكتب الله انهدامها ويقيم على أنقاضها دولةً عربيةً قانونها القرآن وشعارها محبة الإنسان.
يا ممثل الدولة الإنكليزية، غريب منك وأنت على كرسي الحكم المؤقت، عجيب منك وأنت ضيف ثقيل على البلاد أن تصف في كتابك شوكة الحكومة البريطانية وثروتها بقولك: (ومن قبل أن تقع الحرب العظمى كان للدولة الإنكليزية التي شعارها المسالمة جيش صغير للدفاع عن نفسها، فلما شرع الألمان والأتراك من تلقاء أنفسهم ... الخ).
فيا حضرة الحاكم إنّا في غنى عن الإسهاب في بيان قوة الحكومة، فإنا نعرف ذلك كما تعرفه أنت، نحن لا نذكر عظيم قوتها فإنّها أم العدد والعدد وذات الحول والطول والقوة والاستعداد، إنّها تستطيع أن تحشد نفس العدد الذي ألفته لقتال أعدائها، وهي أم النقود التي تدلي بها من بحر بعيد العمق. ولكن العراقيين يا أيها الحاكم قد تكاتفوا وتكافلوا وتعاضدوا وتساندوا وقاموا للدفاع عن حياتهم وتطهير بلادهم لا يبالون بعددكم ولا يكترثون بعددكم، تكاتفت نياتهم وتوحدت غاياتهم، لا يتزايلون عن موقف ربضوا فيه كالأسود، وثبتوا عليه كالجبال للوصول إلى الغاية وأخذ الاستقلال فأما للحياة وأما للموت، فالموت سعادة في هذا السبيل وحياة في الدفاع عن الحق.
يا حضرة الحاكم العام، لقد حشدت حكومتك الجيش الجرار فحارب عن الحرية ودافع عن المدنية وأنت تريد محو الأمة وإتلاف البلاد، تهدد بالفتح والاستعمار، وتهدّد بحشد جديد لإكراه العراقيين، أم لتصديق (جئنا محرّرين لا فاتحين). ثناء على حريتك وسياستك! أما قولك: (أهل العراق قبلوا الدولة الإنكليزية وكانوا مسرورين من إبقاء جيوشها في هذه البلاد، لما غلبت الأتراك)، فرية على أهل العراق؛ متى قبلوا بدولتكم وأصبحوا مسرورين من بقاء جيوشكم؟ هذه وثائق الانتخاب أدلة واضحة على استيائها منكم ورفضهم بقاءكم، رجالهم وأطفالهم كبارهم وصغارهم كلهم سواء لا يقبلون بكم ولا يميلون إليكم. وأنت تعرف ذلك حتى من الآحاد الذين اصطنعتهم لخدمتك واستعملتهم لأغراضك.
فيا حضرة الحاكم العام، كيف تفتري على أهل العراق ألم تطلع بنفسك على رغباتهم؟ ألم تقف على تصريحاتهم؟ اذكر موقفك في النجف إذ جئت تعمل لتبديل الوثائق الموقعة من السادات والعلماء والأشراف من الرؤساء وسائر الطبقات، ألم يطلبوا فيها جلاءكم من العراق ليؤلّفوا حكومةً عربية لا دخل للأجنبي فيها؟ اذكر طوافك في الأنحاء، بماذا قابلك الأعيان والزعماء؟ طالع يا حضرة الحاكم صحائف ذلك في العراق، فهل رأيت قبولًا من الأمة، أو ميلا صادقًا إليكم؟ ألم تجابهك بالرد؟ ألم تقابلك بالتصريح؟ فمن أي القلوب تحققت القبول، وفي أي الوجوه طالعت السرور؟ تخرّص وتلفيق إلى هذا الحد! أهذه هي المدنية ؟!(19).
وأما قولك: (ولكن لما رأى بعض المفسدين والمغرضين)، فقولك مجرد عن الصدق، بعيد عن الحق، بيّن التحامل، واضح العداء. نسألك يا حضرة الحاكم بصلاحك المعروف وإصلاحك المشهور، نسألك بحق الاستعمار والاستعباد، بحق الظلم والاستبداد، نسألك من هم المفسدون؟ نعم، هم زعماء النهضة، هم طلاب الاستقلال، هم رؤساء الدين، هم أئمة المسلمين.
عجيب يا أيها الحاكم تحاملك الشديد على العلماء، وقادة الرأي العام؛ زعمت أنهم مفسدون وبرهانك مطالبتهم بحقوقهم، ودفاعهم عن حياتهم، أجوّز لك القانون أن تسمّي المدافعين عصاة، والعلماء مفسدين، والأئمة مضللين؟ أهذه هي الأخلاق الإنكليزية؟ سلام على علمك الواسع، وفضلك الغزير!
أما الحالة التي عبّرت عنها بأنها توجب الأسف فإنّها من نتائج تهوسكم وتجاوزكم من قلة تدبركم، فلو كنتم وفيتم بالوعود وعملتم طبق العهود، فحققتم رغائب الشعب المظلوم، لحفظتم مكانتكم، وثبتم في القلوب صداقتكم، ولكنّك يا حضرة الحاكم، أنت دفعت الأمة إلى القتال، أنت أسلمتها إلى هذه الحال، أنت أتعبت جيشك بلا جدوى؛ فأنت المسؤول عن هذه الوقائع.
فيا حضرة الحاكم العام، إنّ المجلس العرفي الذي أمر جنابك بتأليفه لإعدام الوطنيين، ونفي الشبّان المخلصين، وسجن الأبرياء والمظلومين، جدير بأعضائه العسكر أن يحاكموك. من أولى منك بالمحاكمة إذا كان للمجرمين، وإذا أعد للمذنبين؟ يا أيها الحاكم العام، لقد قامت قيامتكم على القيصر غليوم فأوجبتم محاكمته؛ لأنكم نسبتم إليه جناية الحرب الكبرى، فهو مجرم عندكم؛ لأنه مثير الثوائر بزعمكم، فإن كانت شرائع الدول توجب قصاص المجرمين فأنت أولى بأن تقاصص وتعاقب؛ لأنك أكبر مجرم على الإنسانية، أكبر مجرم على الحكومة البريطانية (20). يا ممثل الدولة الإنكليزية، إنّ اعترافك بقوة الأمة العراقية يناقض استدراكك العليل بقولك: (ولكن عددهم قليل، وليس لهم من الدراهم إلا القليل)، يا أيها الحاكم إنّ الأمة قد اعتمدت في دفاعها على ثلاثة أركان: القومية، والوطنية، والشريعة الإسلامية، فعندها الثبات إزاء اختراع الآلات، والعناية الإلهية بدل المساعدة الخارجية، والقناعة عوض الزراعة. فالأمة صابرة على النزال حتى تنزلوا على حكم الحق، مستمرة على النضال حتى تسترد الحاكمية. أما قولك: (ها قد بذل العرب حتى الآن كلّ ما في وسعهم من الجهد، ولا يمكنهم أن يأتوا بعمل فوق ما عملوا)، فيا حضرة الحاكم إنّ العرب لم يبذلوا إلى الآن إلّا عشر ما أعدوه، ولم يعملوا بعض ما يريدون أن يعملوه، فقوتهم في زيادة، وأعمالهم في نشاط، ها قد جاء الخريف وانتهى موسم الحصاد، وفرغ العرب من المشاغل الزراعية، وأقبلوا على الحرب الدفاعية بشوق عجيب وميل قوي، فازدادت أضعاف ما كانت، وأمّا تهديدك بوصول العساكر والذخائر وسائر ما يلزم لأعمال العسكرية، فالأمة على علم من قوتكم ومعداتكم واستعداداتكم للقتل والسفك، وليس بها حاجة إلى إرسال معتمد يكشف لها ما هيأتموه من الوسائل الحربية. الله يا حضرة الحاكم، ما هذه المضمرات العدائية؟ بهذا تستجلب نفوس العراقيين؟ ما أبعدك عن الحكمة والصواب، كأن الوسائل الحربية وسائل قضاء على الاستقلال والحرية، أتطلب معتمدًا لهذه الغاية للاطلاع على الفضايع العسكرية، فأين الإنسانية؟
وأما قولك: (فبناءً على أنّ النتيجة النهائية هي معلومة فَلِمَ يدوم سفك الدماء؟) إنا نسألك ما هي النتيجة المعلومة، من جواز الحكم من المجهولات؟ هل تيقنت أنها في جانبكم باعتمادكم على القوة العسكرية التي طوحتم بها، ومزقتم أوصالها؟ إنا لا نريد إطالة إطالة سفك الدماء ولكنك تريد ذلك، فضع حدا لإبهامك وإيهامك؛ فإنّ الأمة قد كشفت نيّاتك السود، ووقفت على حقيقة أحوالك. ثم ما أغرب قولك: (إنّ الحكومة الإنكليزية عملًا بقواعدها ستجازي بعض الشيوخ وغيرهم الذين ضلّلوا بالناس وأسماؤهم معلومة عندي). الله يا أيها الحاكم كم نسيت قولك في صدر الكتاب: (إنّ الحكومة الإنكليزية قد اعتمدت على الأركان الثلاثة، أكان من الأركان الثلاثة أنه ستنتقم من المشايخ الذين أحرقت بيوتهم ونهبت أموالهم وذبحت أطفالهم؛ لأنهم طالبوك بالاستقلال؟! ليسمع المشايخ نصيحتك هذه، ليقفوا على حقيقة إخلاصك وماذا تُعد لهم ؟
أيها الحاكم العادل! هل وراء ما يشهدونه كل يوم من ضروب الظلم وأنواع الاعتساف، هل وراء التعذيب والانتقام شيء آخر من العذاب؟ ليطمأن بال المشائخ وغيرهم، فهذا عدلك، وهذه رحمتك! أما طلب المفاوضة وتعيينك لها حضرة الكولونيل هاول، فإنّ ذلك يعود إلى رأي المشايخ وأقطاب الأمة الذين قلت إنّ الحكومة الإنكليزية ستجازيهم عملًا بقواعدها. فيا أيها الحاكم إنّ الأمة عملًا بقواعدها الإنسانية واعتمادًا على أصول المدنية لا تمتنع عن المفاوضات الدولية، لكنّها لا تدخل في المفاوضة معكم إلا على الشروط الآتية:
1. سحب الجيش من البلاد.
2. إرجاع المنفيين.
3. حضور قناصل الدول في مجلس المفاوضة.
وخلاصة القول أنّ الأمة لا تريد إلا الاستقلال التام للعراق بحدوده
المعروفة، وهي لا تدخل في المفاوضة إلّا على تلك الشروط» (21).
وقد لفظت (الفرات) أنفاسها الأخيرة بصدور هذا العدد، وذلك بعد أن خمدت الثورة العراقية، وتفرّق قادتها وزعماؤها في المنفى والسجون والمعتقلات، وما أعقب ذلك من لجوء الإنكليز إلى خديعة (الحكومة المؤقتة)، والتظاهر بإعطاء الشعب حقه في التحرّر والاستقلال؛ تمهيدًا لفرض الانتداب البريطاني على العراق، وتكبيله بقيود أوّل معاهدة استعمارية بغيضة كانت أشبه بمعاهدة بين الذئب والحمل.
ولما كان الشيخ الشبيبي ذلك الشاعر السياسي الثائر، يعرف ما لتنظيم وسائل النشر والدعاية والإعلام من أثر مهم في توجيه الرأي العام، وتوحيد مشاعره؛ فقد بادر – وهو الأديب القدير - بإصدار منشورات يومية يذيع فيها أخبار المناطق الثائرة، والتوجيهات والنصائح الشديدة التي تهدف إلى خدمة الثورة ونجاح مخططاتها. وحتى عند صدور (الفرات) لم يكتف بما كانت تنشره على صفحاتها عن الثورية، وإنّما استمر يصدر منشورات خاصة تتضمن أنباء المعارك، وبعض الأخبار والبيانات المهمة، والرسائل التي ترد إليها من بعض مندوبيها في جبهات القتال، وكُتب قادة الثورة للردّ على مزاعم سلطات الاحتلال نورد هنا جدولا بصدورها حسب تواريخها (22):
1. حرب الفرات الانتصار العظيم، عن معسكر الجيش العربي في الكفل في 8 ذي
القعدة سنة 1338 هـ، الظفر في الكفل، وكان مؤرخًا في 9 ذي القعدة.
2. إلى العالم المتمدن جناية الإنكليز على المعابد، إلقاء القذائف النارية على مسجد الكوفة، وقتل النساك والمتعبدين، مؤرّخ في 9 ذي القعدة 1338 هـ
3. حرب الفرات: الاحتجاجات الأدبية، النفي والتبعيد، الحركات العسكرية، فوز العرب في الفرات الأوسط، مؤرّخ في النجف 11 ذي القعدة 1338 هـ.
4. وصول الأسرى، نظام الأسر، عناية النجف وزعماء النهضة بالأسرى، إرسالهم إلى أبي صخير. مؤرّخ في: ذي القعدة (1337 اشتباها) 1338 هـ.
5. إلى الناهضين مؤرّخ في النجف 14 ذي القعدة 1338 هـ.
6. أخبار الحرب، موقف الإنكليز في الديوانية، الحالة في الحلة، مؤرخ في: 14 ذي
القعدة 1338هـ.
7. إعلان وبشرى، في: 15 ذي القعدة 1338 هـ.
8. أخبار الحرب: الموقف في الديوانية، مؤرّخ في 15 ذي القعدة 1338هـ.
9. حرب الفرات، مؤرّخ في النجف 16 ذي القعدة 1338هـ.
10. موقف الإنكليز في العراق، مؤرّخ في النجف 20 ذي القعدة سنة 1338 هـ.
11. أخبار الحرب غير مؤرّخ (29) ذي القعدة 1338 هـ.
12. أخبار جبهة السماوة: مؤرّخ في: 28 ذي القعدة 1338 هـ.
13. أخبار الحرب: تقدم القبائل الهجوم على المحمودية، تخريب سكة الفلوجة، قتل لجمن، حادثة الخضر، مؤرّخ في النجف 2 ذي الحجة 1338هـ.
14. صورة المكتوب الوارد من الخضر في: 12 ذي الحجة 1338 هـ. صورة الكتاب الوارد المتضمن الشكر لأهالي كربلاء، في: 17 ذي الحجة 1338 هـ، والمنشور مؤرخ في النجف 17 ذي الحجة 1338هـ.
15. أخبار الحرب: الاستيلاء على محطة السماوة نهوض الغراف، قيام المجرية، عن المعسكرات العربية، أخبار الناصرية، أخبار المسيب مؤرّخ في: 23 ذي الحجة سنة 1338 هـ
16. لسان العرب ورأيها العام منشور قيادة الثورة في النجف الأشرف بعد أن اطلعت على كتاب السير ولسن إلى شيخ الشريعة بمناسبة وفاة الإمام الحائري، وقد وزّعته في كافة أنحاء العراق، مؤرّخ في: 25 ذي الحجة سنة 1338 هـ.
17. جواب آية الله شيخ الشريعة إلى الحاكم الملكي العام في بغداد، يردّ فيه على بعض الأمور التي ذكرها في كتابه، مؤرّخ في 2 محرم 1339 هـ.
وفيما يلي نموذج من هذه المنشورات، وهو المنشور الصادر: القعدة 1338 هـ، وفيه بعد التمهيد والديباجة يوم 14 ذي القعدة 1338هـ، وفيه بعد التمهيد والديباجة:
1. يجب على كلّ رئيس قبيلة أن يُفهم كافة أفرادها بأن المقصود من هذه النهضة
إنما هو طلب الاستقلال التام.
2. أن يهتف للاستقلال كل من في ميادين القتال.
3. يجب تأمين الطرق وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة في البلاد.
4. يلزم التمسّك بالنظام، وتدبير الحركات، ومنع الاعتداءات، فلا نهب ولا سلب ولا ا ضغائن قديمة ولا أحقاد.
5. من الواجب بذل الهمّة لحفظ الرصاص، فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة.
6. يجب الاعتناء بالأسرى ضباطًا أو جنودًا، إنكليزا أو هنودًا.
7. يجب إبقاء أدوات التلغراف والتلفون وحفظ الأعمدة؛ فإنّ في حفظها منافع عظيمة للأمة، نعم يجب قطع الأسلاك من الأعمدة حتى تنقطع مخابرات الإنكليز.
8. يلزم الاهتمام بقطع السكك الحديدية، ولا سيما نسف الجسور والقناطر التي يمر بها القطار. 9. يجب الاحتفاظ بما يقع تحت أيديكم من عربات النقل والسيارات (الأوتومبيلات)، والمراكب والماطورات.
10. يجب حفظ المنافع والرشاشات، ولا يجوز تخريب آلاتها، أو تفريقها مطلقة؛ لأنها من أكبر منافع الجيش وأعظم وسائل النصر.
11. يلزم حفظ الذخيرة المغتنمة كالرصاص والقذائف، وسائر أنواع البارود.
12. إذا أسقطتم مدينةً أو قريةً فلا تتركوها منحلةً، بل الواجب ترتيب حكومتها المؤقتة.
13. لا تهدموا محلّات الحكومة وأبنيتها إلا إذا كانت معقلا، ولا تفرّقوا أثاثها لاحتياجكم لها في المستقبل.
14. حافظوا على المستشفيات وكافة أجزائها وأدواتها.
15. ارفقوا بجرحى خصومكم الساقطين في الحرب، فلا شيء يستحق الرفق والعطف مثل الجريح الذي يعاني من ألم جراحه ما يدمي القلوب ويبكي العيون (23).
...............................................................
1. الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقية الكبرى، ص 339.
2. نخبة من الباحثين العراقيين، حضارة العراق، ص 227-226.
3. رفائيل بطي، صحافة العراق، ص 65-64.
4. رفائيل بطي، صحافة العراق، ص 68.
5 . الحسني عبد الرزاق تاريخ الصحافة العراقية، ص 81-81.
6. الجبوري، كامل سلمان مذكرات عبد الحميد الزاهد، ص 13-12.
* هو عبد الحميد بن الشيخ علي آل زاهد الكتيبي، من الزواهد إحدى عشائر مياح بن ربيعة، ولد في النجف 1895 م ، أدخل الكتاتيب، ثم دخل المدارس الدينية، وقد تلمّذ على السيد محمد سعيد الحبوبي، ترك الدراسة وانصرف للاشتغال ببيع الكتب والصحف السورية والمصرية، وقد ارتبطت هذه المكتبة بحزب الثورة العراقية، بل مصدر جميع الحركات الوطنية التحريرية منذ الحرب العالمية الأولى، ولم تتجمد أعمال المكتب وحزبه إلّا بعد خمود نيران الثورة، وفي عام 1923م انتقل الى بغداد وأنشأ المكتبة الوطنية، وفتح لها فرعًا في القاهرة عام 1933م، توفّي في بغداد بتاريخ 23/11/1971م. ينظر، المصدر نفسه، ص 7-6 .
8. الدراجي، محمد عباس، صحافة النجف، ص 132.
9. الفيكونت دي، طرازي، تاريخ الصحافة العربية، 3م، ص6.
10. أديب مروة، الصحافة العربية نشأتها وتطورها، ص328.
11. الدراجي، محمد عباس، صحافة النجف، ص 19-17.
12. يعقوب يوسف كوديا، صحافة ثورة العشرين، ص 35.
13. الدراجي، محمد عباس، المصدر السابق ص127.
14. المصدر نفسه، ص128.
15. جريدتا، الفرات الاستقلال، المصدر السابق، ص 9.
16. جريدتا، الفرات الاستقلال، المصدر السابق، ص 11.
17. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 11.
18. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 12.
19. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 13.
20. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 19.
21. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 21.
22. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 21.
23. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 22.
24. جريدتا الفرات - الاستقلال، المصدر السابق، ص 25-24.
الاكثر قراءة في تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)