

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
بحث كلاميّ في مفاد حديث المنزلة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج10، ص364-380
2026-03-07
58
أي: البحث في مفاده ومحتواه ومضمونه وكيفيّة دلالته على خلافة أمير المؤمنين عليه صلوات الله وصلوات المصلّين ووصايته ووزارته وإمامته، فلم يكن مستقلًّا، إلّا ما ورد منه على سبيل الإشارة أو كان كلاماً موجزاً للعلّامة الأمينيّ. وقد نقلناه في هذا الجزء. وقد بلغنا بتتمّة البحث. وتحدّث الشريف المرتضى علم الهدى عن هذا الموضوع حديثاً مفصّلًا ووافياً في كتاب «الشافي»[1] و«تلخيص الشافي»[2]، وحديثه شرح لكلام الصدوق وبحثه وتتمّته في «معاني الأخبار»[3]. ونقل المجلسيّ كلام ذينك العلمين في «بحار الأنوار»[4]. وذكره أيضاً كلّ من الشيخ المفيد في «الإرشاد»[5]، والشيخ الطبرسيّ في «إعلام الوري»[6]، وابن شهرآشوب في «المناقب»[7]، والشيخ محمّد حسن المظفّر في «دلائل الصدق»[8]، وغيرهم من الأعلام والأساطين.
ويحسن بنا قبل الخوض في هذا البحث أن نذكر روايتين تبيّنان هذا الحديث المبارك وتشرحانه: الاولى: روى الشيخ الصدوق عن الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشميّ بالكوفة بسنده المتّصل، عن أبي هارون العبديّ، قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! قَالَ: اسْتَخْلَفَهُ بِذَلِكَ واللهِ على امَّتِهِ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ وَفَاتِهِ، وفَرَضَ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ، فَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بَعْدَ هَذَا القَوْلِ بِالخِلَافَةِ فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ[9].
الثانية: روى الشيخ الصدوق عن أحمد بن الحسن القطّان بسنده المتّصل عن أبي خالد الكابليّ، قال: قيل لسَيِّدِ العَابِدِينَ عَلِيّ بْنِ الحُسَيْنِ عليهما السلام: إنّ الناس يقولون: إنّ خير الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ عليه السلام! قال (الإمام): فما يصنعون بخبر رواه سعيد بن المسيِّب، عن سعد بن أبي وقّاص، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال لعليّ عليه السلام: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي[10]؟!
وقال الشيخ المفيد بعد أن ذكر مجيء أمير المؤمنين عليه السلام إلى رسول الله بالجرف، وشكواه من المنافقين، وكذلك بعد أن ذكر جواب رسول الله له إذ قال: ارْجِعْ يَا أخِي إلى مَكَانِكَ! فَإنَّ المَدِيْنَةَ لَا تَصْلَحُ إلَّا بي أوْ بِكَ! فَأنْتَ خَلِيفَتِي في أهْلِ بَيْتِي ودارِ هِجْرَتِي وقَوْمِي! أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.
تضمّن هذا القول من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نصّه على أمير المؤمنين بالإمامة؛ وإبانته من كافّة الناس بالخلافة؛ ودلّ به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، وأوجب له به جميع منازل هارون من موسى، إلّا ما خصّه العُرف (من تلك الخصائص والآثار) كالاخوّة؛ واستثناه هو من النبوّة. ألا ترى أنّه جعل له كافّة منازل هارون من موسى إلّا المستثنى منها لفظاً وعقلًا؟!
وقد علم من تأمّل معاني القرآن وتصفّح الروايات والأخبار أنّ هارون كان أخا موسى لأبيه وامّه، وشريكه في أمره (أي الولاية والإمامة)؛ ووزيره على نبوّته، وتبليغه رسالات ربّه. وأنّ الله شدّ به أزره، وأنّه كان خليفته على قومه، وكان له من الإمامة عليهم وفرض الطاعة كإمامته وفرض طاعته، وأنّه كان أحبّ قومه إليه وأفضلهم لديه. قال الله عزّ وجلّ حاكياً عن موسى: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، ويَسِّرْ لِي أَمْرِي ، واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي ، واجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ، ونَذْكُرَكَ كَثِيراً[11].
فأجاب الله مسألته وأعطاه سؤله في ذلك وامنيته حيث يقول: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى[12].
وقال الله أيضاً حاكياً عن موسى: وقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ[13].
وفي ضوء هذه الآيات، لمّا جعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمير المؤمنين عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى، أوجب له بذلك جميع المقامات والدرجات التي كانت لهارون إلّا ما خصّه العرف من الاخوّة، واستثناه من النبوّة لفظاً. وهذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من الخلق أمير المؤمنين عليه السلام، ولا ساواه في مفاد هذه الحقيقة ومعناها، ولا قاربه فيها على أي حال من الأحوال[14].
وقال الشيخ المظفّر بعد بيان هذه الآيات، وحديث المنزلة، ودعاء رسول الله بعد نزول هذه الآيات بقوله: واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أخي، واستجابة دعائه: يَا أحْمَدُ! قَدْ اوْتِيتَ مَا سَألْتَ[15]: إنّ هذه الآية المباركة وإن لم يكن لنزولها دخل بأمير المؤمنين عليه السلام، لكن لمّا أمكن أخذ الدليل لإمامته منها بضميمة الأحاديث الحاكية لدعاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم له عليه السلام بمضمونها، صحّ لنا ذكرها في طيّ الأدلّة القرآنيّة على إمامته[16].
وبعد أن ذكرنا هاتين الروايتين وكلام المفيد والمظفّر، وعرفنا أنّ هذه الآيات المباركة بضميمة الأحاديث النبويّة في المنزلة، ودعاء النبيّ بجعل عليّ في المنزلة الهارونيّة، واستجابة دعائه كاستجابة دعاء موسى، كلّ ذلك يزيل أيّة شبهة تطرأ على القارئ أو المستمع في جميع منازل أمير المؤمنين عليه السلام ومراتبه من الإمامة والولاية والخلافة والوزارة.
نأتي الآن على شرح الكلام وتفصيله مع ذكر النكات الواردة في حديث المنزلة، ونقول: نلاحظ في هذا الحديث بنحو عامٍّ وشامل أنّ جميع منازل هارون ومقاماته قد تمّ تثبيتها وتقريرها لأمير المؤمنين عليه السلام ما عدا الاخوّة كما هو معلوم، وكذلك ما خلا النبوّة التي استثناها رسول الله نفسه. ومن جملة مقامات هارون: الإمامة والرئاسة على الامّة عند غيبة موسى في ذهابه إلى الطور. ومنها: الخلافة والوزارة التي تمثّل المنصب الثاني بين كافّة الامّة سواء في الحياة أو في الممات، مع التسليم ببقاء هارون بعد موسى. وجميع هذه المقامات ثابتة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بالنصّ الصريح المتمثّل بعموميّة حديث المنزلة من وزارة، ومعاونة مختصّة في أمر النبوّة، وإمامة وولاية، وخلافة ونيابة سواء في حياة رسول الله أو بعد وفاته.
ويتحصّل هذا الاستيعاب والاستغراق في مفاد الحديث بالنسبة إلى جميع المنازل من جهتين: الاولى: من جهة إجراء مقدّمات الحكمة في لفظ المنزلة كما يتناوله علم الاصول بالبحث والدراسة. أي: إذا كان المراد من لفظ المنزلة منزلة خاصّة كخصوص الوزارة، أو الإمامة وغيرهما، فينبغي أن يُوضَّح، وإلَّا لزم الإطلاق وعدم بيان قيده مع فرض لزوم القيد وإرادة المقيّد بما هو مقيّد. وصدور هذا الضرب من التلفّظ عن شخص حكيم خطأ. وإذا لم يكن المراد من المنزلة منزلة خاصّة، بل على نحو المهملة، أي: منزلة غير معيّنة، كيفما كانت، فإنّ هذا الضرب من التلفّظ هذر وعبث أيضاً. والحكيم لا يهذر، ولا ينطلق هذراً وعبثاً. إذَاً لا بدّ أنّه أراد من لفظ المنزلة جميع المنازل، وهو المطلوب.
الثانية: الاستثناء عبارة عن إخراج معنى أو شيء، إذا لم يُخرج، فإنّه يدخل في جملة المستثنى منه على نحو العموم. أي: الخروج من معنى عامّ وشامل مراد في جملة المستثنى منه. ولمّا وردت في هذا الحديث عبارة إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي، فإنَّ المستفاد منها هو أنّ النبوّة التي هي أحد المنازل وقد استُثنيت، قد استثنيت من معنى عامّ وشامل، وجاءت النبوّة في العبارة بوصفها مستثنى منه؛ وذلك المعنى العامّ هو لفظ المنزلة. فلفظ المنزلة يعني هنا جميع المنازل والمقامات.
ومن الجدير ذكره هنا أيضاً أنّ كلمة (بعدي) في قوله: إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي لا تعني بعد موتي، بل تعني بعد نبوّتي. ويريد رسول الله أن يقول: لا نبوّة بعد نبوّتي سواء كان ذلك النبيّ في حياتي، أو بعد مماتي.
ومن هنا يستبين أنّ قوله: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى يشمل جميع منازله من وزارة، وإمامة، وخلافة، سواءً كان رسول الله حيّاً، أو ميّتاً، كما أنّ تلك المنازل كلّها كانت ثابتة لهارون على هذا النحو؛ وكذلك فإنّ استخلاف رسول الله أمير المؤمنين على المدينة في غزوة تبوك وهو بلا شكّ أحد مواطن هذا الحديث ومواقفه يدلّ على هذا المعنى.
وبعامّة، كلّ من نظر في هذا الحديث، يجد أنّ رسول الله قد بيّن المقام الرفيع لأمير المؤمنين بوصفه الشخص الثاني بعده. وجعله في الدرجة الثانية على كافّة الأصعدة من معالجة الشؤون المختلفة، والقضاء، والحكومة، وقيادة الجيش، والسيادة والولاية. وكان رسول الله هو الشخص الأوّل. ولم تكن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فحسب، بل كانت في حياته أيضاً، إذ كان إماماً وواليا لمقام الولاية. غاية الأمر أنّها كانت في الدرجة الثانية؛ وفي طول إمامة رسول الله وولايته، لا في عرضهما. وهذا هو مقام الشخص الثاني المستفاد من الحديث، وهو موضع بحث ونقاش بوصفه استخلافاً. أي: كان في الدرجة الثانية وعند غيبة رسول الله أو وفاته؛ أو في حضوره ولكن في الرتبة الثانية كما يدلّ معنى الوزير على هذه الحقيقة[17].
وإذا قال قائل: إنّ حديث المنزلة يثبت مقامات هارون لعليّ بن أبي طالب؛ ولمّا كنّا نعلم أنّ هارون خَلَفَ موسى في حياته عند غيبته، ولم يخلفه بعد موته، لأنّه توفيّ قبل أخيه موسى، فلا يسعنا أن نثبت بهذا الحديث خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم! نقول في جوابه: نثبت بحديث المنزلة هذا جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين من رسول الله؛ ونلاحظ هنا ثبوت وصفين لهارون: أحدهما تعليقي، والآخر تحقيقيّ.
والتعليقيّ هو أن نقول: إنّ أحد مقامات هارون هو أنّه لو كان حيّاً، لخلف موسى بعد وفاته. ويثبت هذا الوصف التعليقيّ لعليّ بن أبي طالب أيضاً. أي: إذا كان حيّاً، فإنّه يخلف رسول الله بعد وفاته. غاية الأمر أنّ موضوع هذه القضيّة الشرطيّة لم يتحقّق في هارون، أي: لم يكن حيّاً. وتحقّق في عليّ بن أبي طالب، إذ كان حيّاً. وقال المناطقة جميعهم: لا يناط صدق القضيّة الشرطيّة بصدق المقدّم وشرطه. فمتى وجد المقدّم والشرط، وجد الجزاء والتالى، والعكس هو الصحيح. ومجيء الجملة الشرطيّة أو عدم مجيئها لا يرتبط بصدق أصل القضيّة أبداً، إذ القضيّة صادقة في كلّ حال، فلو وُجد الشرط، تحقّق الجزاء؛ وإذا لم يوجد، لم يتحقّق.
ونريد بالوصف التعليقيّ هو أنّ خلافة هارون على التسليم ببقائه حيّاً هي لأمير المؤمنين. ولم يتحقّق شرط هذه القضيّة في هارون، فلم يكن خليفة، بَيْدَ أنّه تحقّق في عليّ بن أبي طالب، فصار خليفة.
وضرب الشيخ الصدوق مثالًا جميلًا لطيفاً صحيحاً يفيدنا في الوقوف على حقيقة هذا المطلب. قال: لو أنّ الخليفة قال لوزيره: لزيد عليك في كلّ يوم يلقاك فيه دينار! ولعمرو عليك مثل ما شرطتُه لزيد! فقد وجب لعمرو مثل ما لزيد.
فإذا جاء زيد إلى الوزير ثلاثة أيّام فأخذ ثلاثة دنانير؛ ثمّ انقطع ولم يأته؛ أتى عمرو الوزير ثلاثة أيّام فقبض ثلاثة دنانير؛ فلعمرو (الحقّ) أن يأتي يوماً رابعاً وخامساً وأبداً وسرمداً ما بقي عمرو (حيّاً). وعلى هذا الوزير ما بقي عمرو أن يعطيه في كلّ يوم أتاه ديناراً، وإن كان زيد لم يقبض من الوزير شيئاً إلّا ثلاثة أيّام.
وليس للوزير أن يقول لعمرو: لا اعطيك إلّا مثل ما قبض زيد، لأنّه كان في شرط زيد أنّه كلّما أتاك فأعطه ديناراً! ولو أتى زيد (أكثر من تلك الأيّام الثلاثة) لقبض (دنانير اخرى)، وفعل هذا الشرط لعمرو وقد أتى (إلى الوزير)، فواجب (على الوزير) أن يعطيه دنانير اخرى.
فكذلك إذا كان في شرط هارون الوصيّ أن يخلف موسى عليه السلام على قومه. ومثل ذلك لعليّ، فبقي عليّ على قومه ومثل ذلك لعليّ عليه السلام، فواجب أن يخلف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في امّته نظير ما مثّلناه في زيد وعمرو؛ وهذا ما لا بدّ منه ما أعطي القياس حقّه[18].
أمّا الوصف التحقيقيّ فهو أنّ خلافة هارون كانت في حياته على سبيل التحقيق، وهي محقّقة لأمير المؤمنين عليه السلام.
أي: أنّ هارون كان خليفة في حياة موسى تحقيقاً وفعلًا؛ وقد انقطعت هذه الخلافة بموته قبل موت موسى، فخُتم أمرها. وكان أمير المؤمنين عليه السلام خليفة أيضاً في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تحقيقاً وفعلًا؛ واستمرّت هذه الخلافة باستمرار حياته بعد ممات رسول الله. فلهذا كان خليفته، وكان إماماً وواليا على الامّة بعد وفاته.
ولا يخفى أنّ هذين الوصفين التعليقيّ والتحقيقيّ وصفان ثابتان من أوصاف هارون وأمير المؤمنين. وكلّ واحد منهما على حدة يمكن أن يكون في قياس ولاية أمير المؤمنين وبرهانها. والفرق بينهما في التعليق والتحقيق فحسب، وإن كان منبعهما واحد. ويعني التعليق تعليق خلافة هارون على حياته بعد موسى. أمّا التحقيق فيعني تحقيق وصف خلافته في حياة موسى.
ويستفاد كلّ واحد من هذين الوصفين من حديث المنزلة لأمير المؤمنين عليه السلام.
وإذا قال قائل كيف يُعْلَمُ أنّ هارون على التسليم ببقائه حيّاً بعد وفاة موسى يخلف موسى؟
ونقول في الجواب: هذه الاستفادة هي من مقامات هارون ودرجاته. فقد كان نبيّاً، وكان أفضل أهل زمانه بعد موسى، وأوثق الناس عنده، وكان نائبه في جميع العلوم.
هذه المنازل والمقامات مشهورة لهارون. وإذا أنكر شخص واحداً منها، فقد أنكرها كلّها. وعلى هذا، فإنّ خلع هارون من مقام الخلافة بعد ثبوتها لا بدّ أن يكون لمنقصةٍ أو جهالةٍ أو ضلالةٍ بدرت منه؛ ولا يجوز عروض هذه العوارض على النبيّ.
ولذلك فإنّ ممّا لا شكّ فيه هو أنّه لو كان بقي حيّاً بعد وفاة موسى، لَخَلَفَهُ[19].
إن هذا البحث الذي ذكرناه هنا يمثّل حقيقة الموضوع، كما يمثّل جواباً عن الشبهات الواهية التي يثيرها المخالفون.
وأمّا ما ذكره الشيخ الصدوق في جواب هذه الشبهة القائلة بأنّ النبيّ جعل هذه المنزلة لعليّ في حياته، فلا يتمّ إذ تثار عليه بعض الإشكالات.
قال: فثبت أنّ المراد من المنزلة التي جعلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام في حديث المنزلة، هي المنزلة التي جعلها له بعد وفاته، لا في حياته.
وانبرى بعد شرح وتفصيل طويلين إلى إثبات ذلك بدليلين: الأوّل: لمّا حصل نفي النبوّة في قوله: إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي بسبب الفضيلة والمنزلة التي كانت توجب النبوّة، فإنّ نفي النبوّة عن عليّ ينبغي أن يكون في الوقت الذي جعلت فيه تلك الفضيلة له كما لهارون؛ ولمّا كان نفي النبوّة عنه بعد وفاة رسول الله، فلا يمكن أن تكون هذه المنزلة لعليّ في حياته، لأنّ ذلك من لغو الكلام، إذ نجعل قوله: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى في حياة رسول الله. فقوله: إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي كان بعد وفاته، ولا بدّ أن يجتمع المستثنى والمستثنى منه في زمان واحد.
الثاني: كان استثناء النبوّة بعد الحياة، ولو كانت منزلة توجب النبوّة في الحياة، للزم أن يكون عليّ نبيّاً في حياة رسول الله، وهذا أمر فاسد.
وإن قال قائل: إنّ المراد من قول رسول الله: بعدي، أي: بعد النبوّة، لا بعد الوفاة. وهذا سهو؛ لأنّه يلزم من الخبر الذي رواه المسلمون أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أنّه لا نبيّ في حياة رسول الله، ولكن لا إشكال في أن يكون بعد وفاته أنبياء[20].
ومني الشيخ الطبرسيّ أيضاً بسهو آخر في الاستدلال، فقد قال في الوجه الثاني من استدلاله بهذا الحديث: لمّا دلّ قوله: بعدي على ما بعد وفاة رسول الله، فإنّ هذا الخبر يدلّ على ثبوت جميع منازل هارون لأمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله. لأنّ الاستثناء (في الخبر دلّ) على أنّ ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. [إذ] إنّ الاستثناء إذا كان مطلقاً [فإنّه] يوجب ثبوت ما لم يستثن مطلقاً، فكذلك إذا قيّد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم يستثن في ذلك الوقت وفي تلك الحال، أ لا ترى أنَّ قول القائل: ضربت أصحابي إلّا أنّ زيداً في الدار يدلّ على أنّ ضربه أصحابه كان في الدار[21].
وسها ابن شهرآشوب أيضاً كهذا السهو، إذ قال: ... ولأنّ الحال التي ينفي المستثنى فيها يجب أن يثبت المستثنى منه لوجوب المطابقة بينهما.
وإذا نفى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالاستثناء النبوّة بعد وفاته، وجب أن يكون ما عداها ثابتاً في تلك الحال[22].
يمكن سهو هؤلاء العظماء في أنّهم فسّروا كلمة بعدي بما بعد وفاة رسول الله؛ فلهذا اضطُرُّوا إلى أن يفسّروا صدر الحديث أيضاً في ذلك الوقت. وتُسجّل على هذا الفهم إشكالات كثيرة، منها: أنّ كلمة (بعد) مطلقة سواء كانت في الحياة أو في الممات. لأنّنا إذا فسّرناها بما بعد النبوّة، فلا يجب الإشعار بجواز مجيء نبيّ بعد الممات، بل إنّ إطلاقها ينفي مجيء أي رسول. وإذا كانت جملة المستثنى مطلقة، فلا ضير أن تكون جملة المستثنى منه مقيّدة. كأن نقول: أكرمت أصحابي كافّة إلّا زيداً في الدار. وهذا لا يُشعر أنّ إكرام الأصحاب كلّهم كان في الدار.
ويضاف إلى ذلك كلّه أنّ ممّا لا شكّ فيه هو صدور هذا الحديث عند التحرّك إلى تبوك؛ وهذا ما أجمع عليه الفريقان. وحينئذٍ كيف يمكننا أن نثبت نَصْبَ أمير المؤمنين على المدينة بهذا الحديث في الوقت الذي نرى أنّ مفاده ومعناه المتمثّلين بالمنزلة كانا بعد رسول الله؟! ويشعرنا هذا الحديث مبدئيّاً أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان كهارون مطلقاً له مناصب ومقامات في عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وكان الشخص الثاني في عالم النبوّة والرسالة. وهذا المعنى المستفاد من الحديث يتنافي مع منازله بخصوص الزمان الذي تلا وفاة رسول الله.
ولو قال قائل بعد جميع هذه النصوص والتصريحات النبويّة في نصب وتعيين أمير المؤمنين في مقام الخلافة، ومنحه المنزلة الهارونيّة: كيف يمكن أن نخالف هذه النصوص؟ وكيف يسوغ لنا أن نعزل عليّاً في بيته؟ وكيف يجوز أن نغصب حقّه الثابت المسلّم؟ وكيف نتصوّر أنّ معظم الناس تمرّدوا على بيعته بعد وفاة رسول الله؟
والجواب هو ما تفضّل به استاذنا الأكرم العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في تعريف الشيعة على سبيل الإجمال: «توصّلت الشيعة إلى هذه النتيجة المتمثّلة بوجود النصّ الكافي الصادر عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بشأن تعيين الإمام والخليفة بعده عبر البحث والتنقيب في الإدراك البشريّ الفطريّ، وسيرة ذوي الألباب من بني آدم، والتعمّق في النظرة الجوهريّة للدين الإسلاميّ المتجسّدة في إحياء الفطرة، والنهج الاجتماعيّ للنبيّ الأكرم، ودراسة الحوادث المؤسفة الواقعة بعد وفاته، والملمّات والخطوب التي نزلت بالإسلام والمسلمين، والتي تعود إلى تقصير وإهمال الحكومات الإسلاميّة في القرون الاولى من الهجرة. ودلّت الآيات والأخبار المتواترة على هذا المعنى كآية الولاية، وحديث الغدير، وحديث السفينة، وحديث الثقلين، وحديث الحقّ، وحديث المنزلة، وحديث دعوة العشيرة الأقربين، وغيرها. بَيدَ أنّها اوِّلت وعُمِّيَ عليها لمآرب معيّنة[23]».
جواب أيضاً هو ما ذكره ابن مكّي النيليّ في أشعاره، إذ لو كان الإجماع صحيحاً، فإنّهم أجمعوا دائماً على مكابرة الحقّ وإبطاله. وقال في الردّ على بيتَي يوسف الواسطيّ الذي قدح في أمير المؤمنين عليه السلام لتخلّفه عن بيعة السقيفة بعد رسول الله:
ألَا قُلْ لِمَنْ قَالَ في كُفْرِهِ *** ورَبِّي عَلَى قَوْلِهِ شَاهِدُ
(إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ في وَاحِدٍ *** وخَالَفَهُمْ في الرِّضَا واحِدُ
فَقَدْ دَلَّ إجْمَاعُهُمْ كُلِّهِمْ *** عَلَى أنَّهُ عَقْلُهُ فَاسِدُ)
كَذَبْتَ وقَوْلُكَ غَيْرُ الصَّحِيحْ *** وزَعْمُكَ يَنْقُدُهُ النَّاقِدُ
فَقَدْ أجْمَعَتْ قَوْمُ موسى جَميعاً *** على العِجْلِ يَا رِجْسُ يَا مَارِدُ
وَدَامُوا عُكُوفَاً على عِجْلِهِمْ *** *** وهَارُونُ مُنْفَرِدٌ فَارِدُ
فَكَانَ الكَثِيرُ هُمُ المُخْطِئُونَ *** وكَانَ المُصِيبُ هُوَ الوَاحِدُ[24]
ونروم هنا أن نختم هذا الجزء من «معرفة الإمام» بحول الله تعالى وقوّته. وكم يناسب المقام أن نترنّم بأبيات القاضي الجليس:
حُبِّي لآلِ رَسُولِ اللهِ يَعْصِمُنِي *** مِنْ كُلِّ إثْمٍ، وهُمْ ذُخْرِي وهُمْ جَاهِي
يَا شِيعَةَ الحَقِّ قَوْلي بِالوَفَاءِ لَهُمْ *** وفَخِرِي بِهِمْ مَنْ شِئْتُ أو بَاهِي
إذَا عَلِقْتُ بِحَبْلٍ مِنْ أبي حَسَنٍ *** فَقَدْ عَلِقْتُ بِحَبْلٍ في يَدِ اللهِ
حَمَى الإلَهُ بِهِ الإسْلَامَ فَهوَ بِهِ *** يُزْهِي على كُلِّ دِينٍ قَبْلَهُ زَاهِ
بَعْلُ البَتُولِ ومَا كُنَّا لِتَهْدِيَنَا *** أئمَّةٌ مِنْ نَبِيّ اللهِ لَوْ لا هِي
نَصَّ النَّبِيّ عَلَيْهِ في الغَدِيرِ فَمَا *** روَاهُ إلَّا ظَنِينٌ دِينُهُ وَاهِ[25]
[1] «الشافي» للشريف المرتضى ج 1، ص 148 إلى 167، الطبعة الحجريّة، سنة 1301 ه.
[2] «تلخيص الشافي» ج 2، ص 206 إلى 234، طبعة النجف، سنة 1383 ه.
[3] «معاني الأخبار» ص 74 إلى 79، طبعة مطبعة الحيدريّ سنة 1379.
[4] «بحار الأنوار» ج 9، ص 242 إلى 246، طبعة الكمبانيّ.
[5] «الإرشاد» ص 83 إلى 85، الطبعة الحجريّة.
[6] «إعلام الوَرَى بأعلام الهدى» ص 170 إلى 172 طبعة مطبعة الحيدريّ.
[7] «مناقب آل أبي طالب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 522 و523، الطبعة الحجريّة.
[8] «دلائل الصدق» ج 2، ص 223 إلى 225، طبعة النجف.
[9] «معاني الأخبار» ص 74.
[10] «معاني الأخبار» ص 74.
[11] الآيات 25 إلى 34، من السورة 20: طه.
[12] الآية 36، من السورة 20 طه.
[13] الآية 142، من السورة 7: الأعراف.
[14] «الإرشاد» ص 84 و85، الطبعة الحجريّة. ويستبين ممّا ذكرناه ضعف ووهن ما أورده صاحب «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 151 من تضعيف دلالة هذا الحديث على إمامته. فقال بعد أن نقل حديث المنزلة: إنّ ما ادّعته الرافضة والشيعة من أنّ هذا الحديث نصّ تفضيليّ على خلافة عليّ كرّم الله وجهه من حيث عموم المنزلة واستثناء النبوّة مرفوض بأنّه غير صحيح كما قال الآمديّ؛ وعلى تسليم صحّته- بل صحّته هي الثابتة، لأنّه في الصحيحين- نقول: هو من قبيل الآحاد؛ وكلّ من الرافضة والشيعة لا يراه حجّة في الإمامة. وعلى تسليم أنّه حجّة، فلا عموم له، بل المراد ما دلّ عليه ظاهر الحديث أنّ عليّاً كرّم الله وجهه خليفة عن رسول الله في أهله خاصّة مدّة غيبته بتبوك. كما أنّ هارون كان خليفة عن موسى في قومه مدّة غيبته عنهم لمناجاة ربّه؛ وعلى تسليم أنّه عامّ لكنّه مخصوص. والعامّ المخصوص غير حجّة في الباقي؛ أو حجّة ضعيفة، وقد استخلف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرار اخرى غير عليّ. فعلى هذا يلزم أن يكون مستحقّاً للخلافة.
[15] «دلائل الصدق» ج 2، ص 223 و224.
[16] «دلائل الصدق» ج 2، ص 224.
[17] استدلّ العلّامة الطوسيّ في «تجريد الاعتقاد» بهذه الرواية على إمامة الإمام، وقال: ولحديث المنزلة المتواترة. وقال الشارح القوشجيّ في شرحه: نقول في بيان هذا الدليل: إنّ المنزلة اسم جنس اضيف فيعمّ كما إذا عُرّف باللام، بدليل صحّة الاستثناء؛ وإذا استثني منها مرتبة النبوّة، بقيت عامّة في باقي مناصب هارون عليه السلام التي من جملتها كونه خليفة له ومتولّياً في تدبير الأمر ومتصرّفاً في مصالح العامّة ورئيساً مفترض الطاعة لو عاش بعد موسى عليه السلام، إذ لا يليق بمرتبة النبوّة زوال هذه المرتبة الرفيعة الثابتة في حياة موسى بوفاته، إذ قد صرّح بنفي النبوّة، لم يكن ذلك إلّا بطريق الإمامة. ثمّ انبرى إلى الجواب، وأراد التغطية على هذه الحقيقة بوجوه موهومة غير صحيحة. منها أنّه قال: هذه الرواية من خبر الواحد (و لا تَصمد) في مقابلة الإجماع (على خلافة الشيوخ الثلاثة). وقال في آخرها: وبعد اللتيّا والتي لا دلالة لهذا الحديث على نفي إمامة (الخلفاء) الثلاثة قبل عليّ عليه السلام. وظهر بعد البحث الوافي الذي طرقناه أنّ هذا الحديث ليس متواتراً قطعيّ الصدور فحسب، بل يفوق التواتر. كما إذا أردنا أنّ نمثّل بحديث متواتر، فينبغي أن نمثّل بهذا الحديث. وما يُضحك أكثر من هذا كلّه هو كلامه الأخير أنّ هذا الحديث يثبت ولاية عليّ وإمامته، ولا ينافي خلافة الخلفاء الثلاثة المتقدّمين، لأنّنا نقول أيضاً: عليّ خليفة وإمام، بَيدَ أنّه في الدرجة الرابعة. ورأينا مثل هذا الكلام المضحك أيضاً في حديث الغدير المتواتر. فَسُبْحَانَكَ مَا أضْيَقَ الطُّرُقَ على مَنْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلَهُ.
[18] «معاني الأخبار» ص 76؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 242 طبعة الكمبانيّ، عن الشيخ الصدوق.
[19] من عبارات محيي الدين بن عربي التي يرى البعض أنّها دليل على تشيّعه: فصّ الهارونيّة في كتابه «فصوص الحكم». ولمّا كان بدأ هذا الفصّ بقوله: فصّ حكمةٍ إماميّة في كلمةٍ هارونيّةٍ، فقد عدّ القاضي نور الله الشوشتريّ ذلك أحد الأدلّة على تشيّعه. وقال السيّد صالح الخلخاليّ أحد طلّاب السيّد أبو الحسن جلوه البارزين في مقدّمة «شرح المناقب الاثني عشر» المنسوب إلى محيي الدين بن عربي: إنّ تفهيم إشعار هذه العبارة بحديث المنزلة يحتاج إلى شرح مفصّل. ثمّ نقل حديث المنزلة المستفيض، بل المتواتر عن أحمد بن حنبل، والشيخ المفيد في «الإرشاد»، وقال: استخرج رؤساء علماء الإماميّة رضوان الله عليهم أجمعين بالجملة برهاناً قاطعاً من هذا الحديث الشريف على خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. قالوا: إنّ جميع منازل هارون ثابتة للإمام بقرينة عموم المنزلة ووجود استثناء النبوّة بمقتضى هذا الحديث المتواتر. ومن هذه المنازل خلافته لموسى، فكذلك كانت للإمام خلافته بعد رسول الله بلا فصل من وحي الميزان العامّ لهذا الحديث كما في هارون لموسى. وقال علماء السنّة والجماعة الذين أجازوا لأنفسهم إطفاء نور هذا البرهان بكلّ ما اتّسموا به من تعصّب، قالوا في جواب هذا الاحتجاج الواضح: يصحّ إثبات خلافة الإمام بالميزان العامّ لهذا الحديث فيما إذا ثبت وجود الخلافة في هارون نفسه، فتثبت للإمام مثل هذه الخلافة بالميزان العامّ للمنزلة، في حين كان هارون شريكاً في نبوّة موسى أصالة وليس خليفة له، كما قال الشارح القوشجيّ: ولو سلّم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرّف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الإمامة، لأنّه شريك له في النبوّة. وقوله: اخلفني ليس استخلافاً، بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم. ولمّا استبانت هذه المعلومات نقول: لمّا كان للشيخ العارف هوى في التشيّع، فإنّه قدّم لنا بكلامه هذا بشارتين مستوحاتين من حديث المنزلة: الاولى: جعل في ظاهر العبارة إيهاماً بحيث يمكن أن يُفهم منها على سبيل الظنّ أنّ حكمة الطائفة الإماميّة هي في الكلمة الهارونيّة المتمثّلة بحديث المنزلة ولفظ: اخلفني. الثانية: استكشف المقام الهارونيّ الذي صرّح به من خلال لفظ الإمامة، ودحض إنكارَ علماء الجماعة الخلافةَ الهارونيّة، وهو ما يمثّل عقيدتهم، لم يبال بمخالفة تلك الجماعة.( «شرح المناقب»، ص 41 إلى 46 الطبعة الحجريّة، طبعة 1322).
[20] خلاصة كلام الصدوق في كتاب «معاني الأخبار» ص 76 إلى 78.
[21] «إعلام الورى» ص 171 و172.
[22] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 523، الطبعة الحجريّة.
[23] «شيعه در اسلام» (الشيعة في الإسلام) للُاستاذ العلّامة الطباطبائيّ، ص 113 و114، الطبعة الاولى 1389 ه.
[24] «الغدير» ج 4، ص 396. وكان ابن مكّي النيليّ من شعراء أهل البيت المعروفين المتفانين في محبّة العترة الطاهرة ومودّتهم. وكان أحد شعراء القرن السادس. توفي سنة 565 ه.
[25] «الغدير» ج 4، ص 386. أنشد القاضي الجليس هذه الأبيات ضمن قصيدة ذات عشرين بيتاً. والقاضي الجليس هو أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الحباب الأغلبيّ. تُوفي سنة 561 ه. ويُخال أنّه لُقب بالقاضي الجليس، لأنّه كان من ندماء الملك طلايع بن زريّك.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)