

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
البحث في كيفيّة صلاة رسول الله على جنازة المؤمن والمنافق
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج10، ص272-284
2026-03-03
36
روى في «الدرّ المنثور» أيضاً عن ابن أبي حاتم، عن الشعبيّ (قال) إنّ عمر بن الخطّاب: قال: لَقَدْ أصَبْتُ في الإسْلَامِ هَفْوَةً مَا أصَبْتُ مِثْلَهَا قَطُّ. أراد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يصلّي على عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي، فأخذتُ بثوبه، فقلتُ: والله ما أمرك الله بهذا. لقد قال الله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. وقال رسول الله: قد خيّرني ربّي فقال: « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ »! فقعد رسول الله على شفير القبر؛ فجعل الناس يقولون لابنه عبد الله: يا حُبَاب! افعل كذا! يا حُبَاب! افعل كذا! فقال رسول الله: الحُباب اسم الشيطان. أنت عَبْدُ اللهِ[1].
وقال الشيخ الطبرسيّ: نهى الله سبحانه نبيّه عن الصلاة على المنافقين وقال: لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، لأنّه كان يصلّي عليهم ويجري عليهم أحكام المسلمين. ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ.
(إذ كان) إذا صلّى على ميّت، يقف على قبره ساعة ويدعو له. فنهاه الله تعالى عن الصلاة على المنافقين، والوقوف على قبورهم والدعاء لهم. ثمّ بيّن سبحانه سبب الأمرين (الصلاة والدعاء) فقال: إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. فما صلّى رسول الله بعد ذلك على منافق، حتّى قبض.
وفي هذه الآية ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ دلالة على أنّ القيام على القبر للدعاء عبادة مشروعة. ولو لا ذلك، لم يخصّ الله سبحانه بالنهي عنه للكافر.
وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى على عبد الله بن أبي، وألبسه قميصه قبل أن يُنهى عن الصلاة على المنافقين. عن ابن عبّاس، وجابر، وقتادة.
وروي عن أنس، والحسن أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد أن يصلّي عليه فأخذ جبرائيل بثوبه، وتلا عليه: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً.
وروي أنّه قيل لرسول الله: لِمَ وجهت بقميصك إليه يكفن فيه، وهو كافر؟! فقال: إنَّ قَميصِي لَنْ يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً. وإنّي اؤمّل من الله أن يدخل بهذا السبب في الإسلام خلق كثير.
فروي أنّه أسلم ألف من الخزرج لمّا رأوه يطلب الاستشفاء[2] بثوب رسول الله. ذكر الزجّاج ذلك وقال: والأكثر في الروايات أنّه لم يصلّ عليه[3].
وجاء في تفسير «عليّ بن إبراهيم»: لمّا رجع رسول الله إلى المدينة، ومرض عبد الله بن أبي؛ وكان ابنه عبد الله مؤمناً، جاء (الابن) إلى رسول الله وأبوه يجود بنفسه، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وامّي! إنّك إن لم تأت أبي، كان ذلك عاراً علينا!
فدخل (رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعيادته، والمنافقون عنده. فقال ابنه عبد الله: (يا رسول الله!) فاستغفر له! فقال عمر: أ لم ينهك الله يا رسول الله أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم؟! فأعرض عنه رسول الله. فأعاد عليه.
فقال له رسول الله: وَيْلَكَ! إنّي خيّرت فاخترتُ. إنّ الله يقول: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
ولمّا مات ابن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله، فقال: بأبي أنت وامّي يا رسول الله! إن رأيت أن تحضر جنازته! فحضره رسول الله وقام على قبره.
فقال عمر: يا رسول الله! أ لم ينهك الله أن تصلّي على أحد منهم مات أبداً وأن تقوم على قبره؟! فقال له رسول الله: وَيْلَكَ! وهل تدري ما قلتُ؟ إنَّمَا قُلْتُ: اللَهُمَّ احْشُ قَبْرَهُ نَارَاً وجَوْفَهُ نَارَاً وأصْلِهِ النَّارَ. فبدا من رسول الله ما لم يحبّ[4].
وذكر العيّاشيّ في تفسيره هذه الرواية قريباً من هذا المضمون عن زرارة، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام[5].
ونقل في رواية اخرى عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام، قال: مات رجل من المنافقين. فبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على أبيه[6] وقال: إذا فرغت منه، فأعلمني. فلمّا عزم على التحرّك، أرسل وراء رسول الله، فجاء، وأخذ بِيَدِ ابنه في الجنازة، ومضى. فتصدّى له عمر وقال: يَا رَسُولَ اللهِ! أ مَا نَهَاكَ رَبُّكَ عَنْ هَذَا، أنْ تُصَلِّي عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدَاً، أوْ تَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ؟! فلم يجبه.
ولمّا كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر، أعاد عمر كلامه أيضاً. فقال له رسول الله: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة، ولا قمنا على قبر! ثمّ قال: إنّ ابنه رجل من المؤمنين وكان يحقّ علينا أداء حقّه. وقال عمر: أعوذ بالله من سخط الله وسخطك يا رسول الله[7].
وقال الفيض الكاشانيّ رضوان الله عليه بعد بيان هاتين الروايتين[8] في تفسير «الصافي»: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيّياً كريماً، كما قال الله عزّ وجلّ: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ[9]. فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممّن يظهر الإيمان؛ (فلهذا) كان يدعو على المنافقين ويورّي أنّه يدعو لهم. وهذا معنى قوله لعمر: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة ولا قمنا على قبر! وكذا معنى قوله في حديث القمّيّ: خيّرت فاخترت الاستغفار.
إلى أن قال: إن صحّ حديث القمّيّ، (فإنّه) لم يستند إلى المعصوم؛ والاعتماد على حديث العيّاشيّ هنا أكثر منه على حديث القمّيّ، لاستناده إلى قول المعصوم دونه، لانّ سياق كلام القمّيّ تارة يدلّ على أنّه كان سبب نزول الآية قصّة ابن أبي؛ واخرى تدلّ على نزولها قبل ذلك. وفي كتاب «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يكبّر على قومٍ خمساً وعلى قوم آخرين أربعاً. فإذا كبّر على رجل أربعاً، اتّهم، يعني بالنفاق. وفيه أيضاً وفي تفسير العيّاشيّ عنه عليه السلام: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا صلّى على ميّت كبّر وتشهّد؛ ثمّ كبّر وصلّى على الأنبياء؛ ثمّ كبّر ودعا للمؤمنين؛ ثمّ كبّر الرابعة ودعا للميّت؛ ثمّ كبّر وانصرف. فلمّا نهاه الله عزّ وجلّ عن الصلاة على المنافقين، كبّر وتشهّد؛ ثمّ كبّر وصلّى على النبيّين؛ ثمّ كبّر ودعا للمؤمنين؛ ثمّ كبّر الرابعة وانصرف ولم يدع للميّت[10].
وَأمَّا العَلَّامَة الطَّبَاطَبَائِيّ قدّس الله سرّه، فقد تعرّض لهذا في موضعين:
الأوّل: في ذيل الآية الكريمة: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. التردّد بين الأمر والنهي كناية عن تساوي الفعل والترك؛ أي: أنّ فعل الاستغفار لغو، ولا فائدة فيه كقوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ[11].
فالمعنى: أنّ هؤلاء المنافقين لا تنالهم مغفرة من الله ويستوي فيهم طلب المغفرة وعدمها، لأنّ طلبها لهم لغو لا أثر له.
وقول الله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ تأكيد لما ذكر قبله من لغويّة الاستغفار لهم؛ وبيان أنّه طبيعة المغفرة لا تنالهم البتة سواء سئلت المغفرة في حقّهم أم لم تسأل، وسواء كان الاستغفار مرّة أم مرّات قليلًا أم كثيراً. فذكر السبعين كناية عن كثرة الاستغفار، من غير أن تكون هناك خصوصيّة للعدد حتّى يكون الواحد والاثنان من الاستغفار، حتّى يبلغ السبعين غير مؤثر في حقّهم. فإذا جاوز السبعين أثّر أثره. ولذلك علّله بقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. أي: أنّ المانع من شمول المغفرة هو كفرهم بالله ورسوله، ولا يختلف هذا المانع بعدم الاستغفار، ولا وجوده واحداً أو كثيراً، فهم على كفرهم. واستعمال السبعين في الكثرة المجرّدة عن الخصوصيّة كاستعمال المائة والألف فيها كثير في اللغة[12].
وقال في البحث الروائيّ: وفي «الدرّ المنثور» أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أنّ عَبْد اللهِ بْن أبي قال لأصحابه: لو لا أنّكم تنفقون على محمّد وأصحابه، لانفضّوا من حوله، وهو القائل: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ[13].
يريد من الأعزّ نفسه، والأذل رسول الله والعياذ بالله. فأنزل الله (هذه الآية): اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ[14].
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لأزيدنّ على السبعين، فأنزل الله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ[15].
وقال بعد ذكر روايتين اخريين بهذا المضمون بسندين آخرين عن «الدرّ المنثور»: ممّا لا ريب فيه أنّ هذه الآيات ممّا نزلت في أواخر عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وقد سبقتها في النزول السور المكّيّة عامّة وأكثر السور والآيات المدنيّة قطعاً. وممّا لا ريب فيه لمن يتدبّر كتاب الله لا رجاء في نجاة الكفّار والمنافقين، وهم أشدّ منهم إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم؛ ولا مطمع في شمول المغفرة الإلهيّة لهم، فهناك آيات كثيرة مكّيّة ومدنيّة صريحة قاطعة في ذلك.
والنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أجلّ من أن يخفى عليه ما أنزل الله إليه؛ أو أن لا يثق بما وعدهم الله من العذاب المخلّد وعداً حتميّاً، فيطمع في نقض القضاء المحتوم بالإصرار عليه تعالى والإلحاح في طلب الغفران لهم.
أو أن يخفى عليه أنّ التردّد في الآية لبيان اللغويّة؛ وأن لا خصوصيّة لعدد السبعين حتّى يطمع في مغفرتهم لو زاد على السبعين.
وليت شعري: ما ذا يزيد قوله تعالى في سورة المنافقون: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» على قوله تعالى في سورة التوبة: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ، واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ»؟! وقد علّل الله سبحانه نفي المغفرة نفياً مؤبدّاً فيهما بأنّهم فاسقون، والله لا يهدي القوم الفاسقين.
فقد تلخّص أنّ هذه الروايات وما في معناها موضوعة يجب طرحها[16].
وقال بعد ذلك: قوله في الروايات التي لم تذكر عدم الاستغفار في سورة (المنافقون) وذكرته في سورة التوبة، كالرواية الواردة في «الدرّ المنثور» إذ قال رسول الله لعمر بعد هذه القضيّة: أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ؛ قَدْ قِيلَ لي: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً»، فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ، زِدْتُ عَلَيْهَا، صريح في أنّه كان آيساً من شمول المغفرة له، وهو يشهد بأنّ المراد من قوله: «إنّي قد خيّرت قد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» أنّ الله قد ردّد الأمر؛ ولم ينهه عن الاستغفار؛ لا أنّه خيّره بين الاستغفار وعدمه تخييراً حقيقيّاً حتّى ينتج تأثير الاستغفار في حصول المغفرة أو رجاء ذلك.
ومن ذلك يُعْلَمْ أنّ استغفاره لعبد الله بن أبي، وصلاته عليه، وقيامه على قبره إن ثبت شيء من ذلك، لم يكن شيء من ذلك لطلب المغفرة والدعاء له جدّاً كما جاء في رواية عليّ بن إبراهيم القمّيّ[17].
الثاني في ذيل الآية الكريمة: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهُمْ فاسِقُونَ[18].
نهى (الله النبيّ) عن الصلاة لمن مات من المنافقين، والقيام على قبره. وقد علّل النهي بأنّهم كفروا وفسقوا وماتوا على فسقهم.
وقد علّل لغويّة الاستغفار لهم في قوله تعالى السابق (في الآية 80، من السورة 9: التوبة) «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ». وكذا في قوله (في الآية 6، من السورة 63: المنافقون) «سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إنّ الله لا يهدي القوم الفاسقين».
ويتحصّل من الجميع أنّ من فقد الإيمان بالله باستيلاء الكفر على قلبه وإحاطته به، فلا سبيل له إلى النجاة يهتدي به؛ وأنّ الآيات الثلاث جميعاً تكشف عن لغويّة الاستغفار للمنافقين، والصلاة على موتاهم، والقيام على قبورهم للدعاء لهم[19].
وذكر في البحث الروائيّ روايات عن «الدرّ المنثور» بتخريج البخاريّ، ومسلم، وابن أبي حاتم، وابن أبي منذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقيّ في «دلائل النبوّة»، وكذلك بتخريج البخاريّ، وأحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن أبي حاتم، والنحّاس، وابن حَبّان، وابن مردويه، وأبي نُعَيم في «حلية الأولياء»، ذكر هؤلاء أنّ عبد الله بن أبي لمّا مات، دُعي رسول الله للصلاة عليه، فأخذ عمر بن الخطّاب بثوب رسول الله فقال: ألم ينهك الله عن الصلاة على المنافقين؟ قال رسول الله: إنّي خُيِّرتُ ... وأنا أستغفر له أكثر من سبعين مرّةً! قال عمر: إنّه منافق. وصلّى عليه رسول الله ونزلت الآية ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فترك رسول الله الصلاة على المنافقين. وقال العلّامة الطباطبائيّ بعد ذكر عدد من الروايات الاخرى القريبة من هذا المضمون: وقد ورد استغفار رسول الله لعبد الله بن أبي وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أوردها العيّاشيّ والقمّيّ في تفسيريهما.
«وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض فيما بينها، تدفعها الآيات الكريمة دفعاً بيّناً لا مرية فيه.
أمّا أوّلًا فلظهور قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ظهوراً بيّناً في أنّ المراد بالآية بيان لغويّة الاستغفار للمنافقين دون التخيير، وأنّ العدد (سبعين) جيء به لمبالغة الكثرة لا لخصوصيّة في السبعين بحيث ترجي المغفرة مع الزائد على السبعين. والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أجلّ من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل الآية على التخيير ثمّ يقول سأزيد على سبعين ثمّ يذكّره غيره بمعنى الآية فيصرّ على جهله حتّى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية اخرى ينزّلها عليه.
على أنّ جميع هذه الآيات المتعرّضة للاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم كقوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وقوله: لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ تعلّل النهي واللغوّية بكفرهم وفسقهم، حتّى قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ[20] ينهى عن الاستغفار معلّلًا ذلك بالكفر وخلود النار. وكيف يتصوَّر مع ذلك جواز الاستغفار لهم والصلاة عليهم؟
وثانياً: أنّ سياق الآيات التي منها قوله ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً صريح في أنّ هذه الآية إنّما نزلت والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في سفره إلى تبوك ولمّا يرجع إلى المدينة، وذاك في سنة ثمان (من الهجرة)؛ وقد وقع موت عبد الله بن أبي بالمدينة سنة تسع من الهجرة. كلّ ذلك مسلّم من طريق النقل.
فما معنى قوله في هذه الروايات: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى على عبد الله (بن أبي) وقام على قبره، ثمّ أنزل الله عليه: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً؟!
وأعجب منه ما وقع في بعض الروايات السابقة أنّ عمر قال للنبيّ: أ تصلّي على عبد الله بن أبي وقد نهاك (الله) عن الصلاة للمنافقين؟ فقال (رسول الله) إنّ ربّي خيّرني؛ ثمّ أنزل الله: ولا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والآية من سورة (المنافقون) (و قد نزلت بعد الآية الواردة في سورة التوبة اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. والجميع يعلم أنّها) نزلت بعد غزوة بني المصطلق، وكانت في سنة خمس، وعبد الله بن أبي حيّ عندئذٍ. وقد حكى في السورة قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ.
وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلّق به بعض من انتصر لها على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما استغفر وصلّى على عبد الله بن أبي ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام. وكيف يستقيم ذلك؟ وكيف يصحّ أن يخالف النبيّ النصّ الصريح من الآيات استمالة لقلوب المنافقين ومداهنة معهم؟ وقد هدّده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وضِعْفَ الْمَماتِ[21]. فالوجه أنّ هذه الروايات موضوعة يجب طرحها بمخالفة الكتاب[22].
وأقول: لا ريب في التناقض الوارد في معنى ومضمون الروايات الواردة في هذه القصّة كما قال استاذنا الكريم أفاض الله علينا من بركات تربته. بَيدَ أنّ أصل استغفار النبيّ لعبد الله بن أبي، وصلاته عليه، واعتراض عمر عليه من القضايا الثابتة في التأريخ تقريباً. ولا يمكن تجاهل هذه القضيّة مع غضّ النظر عمّا علق بها من حواشٍ وزوائد. ونقول لتوضيح هذه الحقيقة: من الضروريّات المستفادة من القرآن والسنّة أنّ الكافرين الذين يموتون على كفرهم وشركهم لا منجى لهم. ولا ينفعهم الاستغفار بعد الموت، بل لا مسوّغ له شرعاً، وورد النهي عنه. ولا ينبغي للمسلمين أن يستغفروا للمشركين، أو يصلّوا عليهم، أو يقيموا على قبورهم للاسترحام. وبالعكس، ينبغي أن يستغفروا للمسلمين ويصلّوا عليهم، ويتعاملوا معهم في كلّ أمر من امور الزواج، والمعاملات، ومراسم التكفين والدفن وغيرها وفقاً للتعاليم الإسلاميّة سواء كانوا مؤمنين في باطنهم، أم منافقين لم يؤمن باطنهم، لكنّهم لم تجر على ألسنتهم كلمة الارتداد والكفر، ولم يثبت حكم الحاكم الإسلاميّ بكفرهم.
لذلك يتألّف الصفّ الإسلاميّ الطويل من المؤمنين الحقيقيّين والمنافقين الذين أضمروا النفاق في قلوبهم في مقابل المشركين. وينبغي التعامل مع هذا الصفّ الطويل بحكم المسلمين في جميع الشؤون المتعلّقة بالعبادات والمعاملات والسياسات والأحكام كما ينظر إلى أفراده على أنّهم مسلمون. وإن بدت عليهم آثار النفاق، بَيدَ أنّها لم تثبت.
[1] تفسير «الميزان» ج 9، ص 373 و 374؛ و نقل ابن هشام هذه الرواية في سيرته ج 4، ص 979 عن ابن عبّاس، عن عمر، إلى أن قال عمر: فلمّا وقف عليه يريد الصلاة، تحوّلتُ حتّى قمتُ في صدره فقلتُ إلى آخره.
[2] الاستشفاء طلب الشفاء. و لا يناسب هنا، لأنّ عبد الله بن أبي كان يعلم أنّه يموت. و أراد هذا القميص كفناً له. و لذلك يمكن أن يكون في النسخة: استشفاع بمعنى اتّخاذ الشفيع. فكتبت العين همزة سهواً. و يمكن أيضاً أنّه أراد الاستشفاء بمعناه الأعمّ؛ أي: طلب الشفاء في الأمر الروحيّ و النفسيّ، و هو لا يغاير الموت أيضاً.
[3] «مجمع البيان» ج 3، ص 57؛ و «بحار الأنوار» ج 6، ص 621 و 622.
[4] «تفسير القمّيّ» ص 277 و 278؛ و «تفسير الصافي» ص 237؛ و «الميزان» ج 9، ص 373 و 374.
[5] «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 101.
[6] يبدو أنّ الصحيح هو ابنه. و لكن لمّا جاء في النسخة: أبيه، لذلك أوردناها كما هي. و في الحالة الاولى لا بدّ أن تكون الكلمة: ابنه. و هي قريبة من كلمة: أبيه في الكتابة.
[7] «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 102؛ و «تفسير البرهان» ج 2، ص 149؛ و «تفسير الصافي» الطبعة الحجريّة ص 237.
[8] يعني رواية عليّ بن إبراهيم، و رواية العيّاشيّ.
[9] الآية 53، من السورة 33: الأحزاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.
[10] «تفسير الصافي» ص 237.
[11] الآية 53 من السورة 9: التوبة.
[12] تفسير «الميزان» ج 9: ص 368 و 369.
[13] الآية 8، من السورة 63: المنافقون.
[14] الآية 80، من السورة 9: التوبة.
[15] الآية 6 من السورة 63: المنافقون.
[16] «الميزان» ج 9، ص 371 و 372.
[17] «الميزان» ج 9، ص 372 و 373، و نحن ذكرنا الرواية الواردة في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ في هذا الكتاب عن «تفسير القمّيّ»، و «تفسير الصافي» و تفسير «الميزان».
[18] الآية 84، من السورة 9: التوبة.
[19] «الميزان» ج 9، ص 378.
[20] الآية 113، من السورة 9: التوبة.
[21] الآية 75، من السورة 17: الإسراء.
[22] تفسير «الميزان» ج 9، ص 383 إلى 386.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)