

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
: قصص الدولة الحديثة المصرية (قصة الأخوين)
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج17 ص 107 ــ 119
2026-01-25
36
قصة الأخوين أول قصة من نوعها في الأدب المصري القديم، ولقد جذبت أنظار العالم؛ لغرابة وقائعها، ومشابهتها قصصًا أخرى حُكِيت في الزمن الحديث، وهي بلا شك أكثر دلالة على أصلها المصري من زميلاتها التي رُوِيت لنا من عهد الفراعنة، وهي قطعة من الشعر القصصي العام ترجع إلى عهد الأسرة التاسعة عشرة، وتحلِّق بوقائعها الخيالية في عالم الخرافات، وقد نقلها الكاتب «أنانا» تلميذ كاتب الخزانة الملكية «كاجبو».
(أ) ملخص القصة
يضم بيت واحد أخوين مخلصين، كبيرهما متزوج ويُسمَّى «أنوبيس»، وصغيرهما غير متزوج ويُسمَّى «باتا»، وكان ساعد أخيه الأكبر في فلح الأرض وزراعتها وتربية أنعامها، وفي يوم كانا يزرعان في الحقل فاحتاجا إلى بعض البذر، وذهب الأخ الصغير إلى البيت ليحضره، وكانت زوجة أخيه الكبير تمشِّط شعرها، فما رأته يحمل قدرًا كبيرًا من البذور على سواعده حتى راقها جماله، وأُعجِبت بقوته، فراودته عن نفسه، وغلَّقت الأبواب، وقالت: هيت لك. قال: معاذ الله، إن أخي الكبير رب نعمتي، وقد أحسن مثواي فلا أخونه في زوجته. فأضمرت المرأة في نفسها الكيد لهذا الفتى الذي فوَّت عليها ما كانت تريد من اللذة والمتاع، وقابلت زوجها في المساء متمارضة متباكية متظاهرة بالألم، وادعت أن أخاه الصغير راودها عن نفسها، وما جزاء مَن يفعل ذلك إلا أن يُقتَل أو عذاب أليم، فصمَّم الأخ الكبير على قتله عندما يعود بالماشية، واختبأ وراء الباب لهذه الغاية، وما إن قرب الصغير من البيت حتى أخبرته بقرة من التي كان يسوقها بما دُبِّرَ له، ففرَّ «باتا» وتبعه «أنوبيس» بسلاحه، ولكن إله الشمس حجز بينهما بخلق بحيرة مملوءة بالتماسيح، فعجز «أنوبيس» عن اللحاق به، وجرت بينهما محادثة برَّأ فيها «باتا» نفسه، وَجَبَّ عضو التناسل منه، وأبَانَ عزمه على الرحيل إلى وادي الأرز، وأنه سيضع قلبه على زهرة في أعلى إحدى أشجاره، وعيَّنَ له علامة إذا حدثت كانت دليلًا على وفاته، وعلى الأخ الكبير حينئذٍ أن يذهب إلى وادي الأرز، ويبحث عن قلبه، ويضعه في الماء؛ فتعود الحياة إلى «باتا» ثانيةً، وينتقم لنفسه من القاتل.
وبعد هذه المحاورة رجع «أنوبيس» إلى قريته فقتل زوجته انتقامًا لأخيه، أما «باتا» فقد سعى إلى وادي الأرز، ولما رأته الآلهة وحيدًا في هذا الوادي أشفقت عليه وجعلت الإله «خنوم» يسوي له زوجة، وقد خالفته هذه الزوجة فخرجت إلى البحر رغم تحذيره لها من هذا العمل، فأراد البحر أن يختطفها، ولكن «باتا» أنقذها منه، وكل ما استطاع البحر أن يأخذه خصلة من شعرها طفت على وجهه حتى وصلت إلى مصر، وهناك فاح شذذاها وانتشرت رياها، فشغف الفرعون بصاحبتها، وأرسل إلى وادي الأرز في طلبها، فحضرت زوجة باتا مع الرسل، وصارت حظية عند الفرعون. ولما كانت تخاف بأس زوجها أغرت الفرعون بقطع شجرة الأرز التي تحمل قلبه، فسقط قلبه بسقوطها ومات، وعندئذٍ حدثت العلامة التي كان قد ذكرها لأخيه ليعلم بها أمر موته — وهي فوران إبريق من الجعة — فسعى في الحال «أنوبيس» إلى وادي الأرز لينقذ قلب أخيه، وبعد سنتين وجده في صورة فاكهة، فأعاده إلى الحياة بوضعه في الماء، ثم صيَّر «باتا» نفسه ثورًا وحمل أخاه إلى مصر، وأفصح لزوجه عن شخصيته، فأغرت الفرعون بذبحه، فتطايرت منه نقطتان من الدم نبتتا بعدُ شجرتين من الأثل سكن فيهما «باتا»، وأسر إلى زوجته بأمره، فأغرت الفرعون بقطع الشجرتين، وصنع أثاث لها منهما ففعل، وأثناء صنع الأثاث تطايرت شظيتان من الخشب، دخلتا فم الزوجة؛ فحملت وأنجبت صبيًّا صار وليًّا للعرش، وعند وفاة الملك نصب هذا الصبي خلفًا له ملكًا على البلاد، ولم يكن ذلك الصبي إلا «باتا» نفسه، فانتقم لنفسه من زوجته الخائنة بقتلها.
(ب) دراسة القصة
أسلوب هذه القصة ركيك، وليس فيه تلك الروعة التي نلمسها في قصة «سنوهيت»، أو في قصة «الغريق»، ولقد اتبع في قصها كاتبُها أسلوبَ الدولة الحديثة المألوف، وأقحم فيها بعض العبارات التي لا حاجة إليها، ولا مناسبة لها، كما نراه من عامة المصريين الآن إذا قصوا قصة، أو حملوا إليك خبرًا، فجاءت خالية من طلاوة العبارة، ورشاقة الأسلوب، ولكن نرى من جهة أخرى أن مؤلفها قد أظهر في صناعتها مهارة وحذقًا من حيث هي قصة.
وإذا أمعنا في النظر إلى هذه القصة وجدناها ذات مرحلتين كأختها «قصة الملك خوفو والسحرة»، فالمرحلة الأولى قصة الأخوين، وإغراء زوجة الكبير أخاه الصغير بارتكاب الفاحشة، وتعفُّفه، وقلب الزوجة الحقائق للتنكيل به، وقد حاول بعض رجال الأدب إثبات أن قصتي «يوسف وزليخا» و«قمر الزمان في ألف ليلة وليلة» مأخوذتان من هذه القصة القديمة؛ لما بينهما وبينها من شبه كبير. ولكنا نرى أن في ذلك بعض التكلُّف، فإن هذه المحاولة التي رغبت فيها الزوجة، وتعفَّفَ عنها الصغير، وما تلاها من كيد وتدبير، تحصل كل يوم بين ظهرانينا، وهي تكاد تكون أمرًا طبيعيًّا يحدث في كل أمة مع اختلاف يسير في التفصيل. وليس في هذه المرحلة الأولى من القصة ما تمتاز به من نظائرها إلا ما خالف الأمر المألوف؛ كتحدُّث الحيوان، وخلق إله الشمس بحيرة مملوءة بالتماسيح للحيلولة بين الأخ وأخيه.
وأما المرحلة الثانية فكلها من خوارق العادة والمعجزات، وخلاصتها: إثبات خيانة الزوجةِ زوجَها — وإن كان الإله قد صاغها — بعدما عرفت أن عضو التذكير مبتور فيه، وتعرض علينا أثناء ذلك كثيرًا من الأمور الخارقة للطبيعة التي لا تأتي في العادة على يد إنسان؛ فنرى البحر يمتد لابتلاع زوجة «باتا»، ونرى العبير يتأرج من خصلة الشعر حتى يصل إلى الفرعون في مصر، ونرى «باتا» يعود للحياة ثانية ويتحوَّل إلى ثور، ويسافر إلى مصر ويخاطب زوجته، ونرى نقطتين من دمه تتحولان بعد ذبحه شجرتين هما «باتا» نفسه، فيسر بالأمر إلى زوجته، ونرى أخيرًا قطعتين صغيرتين من الخشب تصيران طفلًا في بطن زوجته، يئول إليه عرش مصر.
وقد ربط الكاتب بين المرحلتين بوصية «باتا» لأخيه «أنوبيس»، بأن يعيد إليه قلبه عندما يعلم أنه قد مات تكفيرًا «لأنوبيس» على اتهامه أخاه زورًا وبهتانًا.
ولما كانت هذه القصة المصرية الصميمة قديمة العهد ومملوءة بالخرافات؛ فإن الباحثين في الأدب العالمي يعتقدون أن ما شابهها عند الأمم الأخرى مأخوذ عنها. وقد عني بعض العلماء بهذا الموضوع وقرنوا بين هذه القصة وما يقابلها من قصص العالم (Hyacinthe Husson Le Chaine Traditionelle Contes et Legendès au point de vue Mythique. Paris 1874 P. 91).
والواقع أننا نجد صدى لهذه القصة في الأدب الفرنسي والإيطالي، وفي مختلف أجزاء ألمانيا، وفي النمسا والمجر، وفي الروسيا، وفي البلاد السلافية، وفي رومانيا، وفي بلاد اليونان، وفي آسيا الصغرى، وفي بلاد الحبشة، والهند. وَلْنأخذِ القصة الروسية (1) على سبيل المثال؛ لنرى إلى أي حد تشابهت مع قصة الأخوين.
نجد في القصة الروسية أن «باتا» اسمه «إيفان» بن «جرمان» خادم الكنيسة، وقد وجد سيفًا سحريًّا في بعض الأدغال، وذهب ليحارب به الأتراك الذين غزوا «أرنيار» Arinar وذبح منهم ثمانين ألفًا، وقد كوفئ على عمله هذا بأن زوَّجه الملك ابنته «كليوباترا»، ولما مات حموه تولى الملك من بعده، ولكن زوجته خانته وأعطت الأتراك السيف، فلما أصبح «إيفان» أعزلَ مات في حومة الوغى، وسلَّمت زوجه نفسها لسلطان الترك — كما فعلت بنت الآلهة عندما ذهبت إلى فرعون — ولقد استطاع أبوه «جرمان» خادم الكنيسة أن يخلص جسم ابنه عن طريق مجرى من الدم كان يتدفق من وسط الإصطبل، وعندئذٍ قال له الحصان: «إذا كنتَ تريد إعادة الحياة إليه فافتح بطني، وخذ أحشائي، ودَلِّك الميت بدمي، وعندما تأتي الغربان لتلتهم جسمي بعد ذلك خذ واحدًا منها، وكلِّفه أن يحضر لك إكسير الحياة العجيب». ففعل «جرمان» ذلك، وعاد «إيفان» إلى الحياة، قام «إيفان» وقال لوالده: «ارجع إلى حصانك، وسآخذ على عاتقي الانتقام من عدوي.» وتركه وانصرف فرأى فلاحًا في طريقه، فقال له: «سأصيِّر نفسي حصانًا جميلًا ذا معرَفة من الذهب، وعليك أن تقوده وتقفه أمام قصر السلطان.» وكان، فلما رأى السلطان الحصان وضعه في إصطبل معجبًا به، كلفًا برؤيته، فسألته كليوباترا يومًا عن سبب ملازمته للإصطبل، فأجاب: «لقد أحضرت حصانًا جميلًا له معرفة من الذهب.» فقالت له: «ليس هذا بحصان، إنه «إيفان» ابن خادم الكنيسة! مُرْ بأن يُذبَح، ولكن وُلِد من دم الحصان ثور مكسو بالذهب، فأمرت «كليوباترا» بذبحه أيضًا، فنبت من رأسه شجرة تفاح ثمرها من الذهب، فأمرت «كليوباترا» بقطعها، فطارت شظية عند ذلك من جذع الشجرة وتحولت ذكرًا عظيمًا من البط، فأمر السلطان بصيده، وقفز هو بنفسه في الماء ليمسكه، ولكنه أفلت إلى الناحية الأخرى، ثم ظهرت صورة «إيفان» مرة ثانية في زي السلطان، وألقى بكليوباترا وعشيقها في أتون النار، واستولى على الملك بعدهما.
فهذه القصة الروسية نرى من روحها أنها مأخوذة من الأصل المصري القديم بعد انقضاء 3000 سنة، على أننا نستطيع أن نجد في آداب العالم عناصر مختلفة تشبه عناصر هذه القصة؛ مما يحملنا على القول بأن مصر كانت مصدرًا ثابتًا يُستمَد منه مثل هذا القصص.
ولا شك أن في هذه القصة المصرية قصورًا لا يرتفع بها إلى مستوى القصص في العصر الحديث، ولكن يجب علينا أن نذكر وقتها الذي صِيغَتْ فيه أولًا، وأن نذكر أنها كُتِبت للعامة وبلغتهم ثانيًا، وإذا جادت علينا التربة المصرية بقصة من أدب الخاصة وجدنا وجهًا للموازنة والقياس والحكم. ومع كل ذلك فإنه يكفي أن يقال عن هذه القصة إنها ترسم لنا صورة صادقة عن حياة الفلاح في ذلك العصر السحيق؛ مما نراه مصوَّرًا على مقابر العظماء في كل عصور التاريخ المصري القديم.
(ﺟ) المصادر
لقد تناول معظم علماء اللغة المصرية هذه القصة بالبحث والتحليل، وترجمها الكثير منهم، وأحدث التراجم لها ترجمة الأستاذ إرمان.
والمصادر الهامة هي:
(1) Erman: The Literature of the Ancient Egyptians (translated by Blackman) P. 15 ff.
(2) Griffith in The World’s Best Literature P. 5253.
(3) Maspero: Popular Stories of Ancient Egypt P. 1–20).
ويجد القارئ في المصدر الأخير فهرسًا لكل مَن ترجَمَ هذه القصةَ قبل مسبِرو، وآخِر مَن حلَّلَ هذه القصة هو «ماكس بيبر» في كتابه:
(4) Die Agyptische Literatur. P. 78 ff (Max Pieper).
(د) نص القصة
يُحكَى أن أخوين كانا يسكنان في بيت واحد، وكان أبوهما واحدًا، وأمهما واحدة، واسم أكبرهما «أنوبيس» والآخَر «باتا»، وقد تزوَّجَ «أنوبيس» أكبر الأخوين، وأسكن معه أخاه «باتا» وجعله كابنه، وكان «باتا» يصنع ملابس أخيه، ويرعى ماشيته في الحقل، ويحرث له الأرض، ويحصد الزرع، ويقوم بكل أعمال الحقل، وفي الحق كان أخوه الصغير فلَّاحًا ماهرًا لا مثيل له في كل الأرض بقوته. وبعد (2) مرور عدة أيام على ذلك، كان أخوه الأصغر يرعى ماشية أخيه في الحقل كل يوم، ويروح إلى بيت أخيه كل مساء محمَّلًا باللبن والعشب والكلأ والخشب الجاف، ويقدِّمه راضيًا إلى أخيه الأكبر وهو جالس إلى زوجته … فإذا ما انتهى من ذلك تناوَلَ طعامه وشرابه، وأخذ سبيله إلى مرقده في حظيرته ليحرس أبقاره.
فإذا خلع الليل سواده وانبثق فجر اليوم الجديد، كان يهيئ لأخيه الأكبر طعامًا ويضعه أمامه، ثم يأخذ طريقه إلى الحقل ويحمل معه طعامه، ويسوق أبقاره ليرعاها في الحقل، وكان يمشي خلف ماشيته، وكانت تقول له: إن العشب والكلأ في مكان كذا جميل جدًّا، وكان يستمع إلى قولها، ويتبعها إلى حيث المرعى الخصيب والمكان الرغيب … وعلى ذلك أصبحت ماشيته التي يرعاها سمينة بدينة، وأصبح نتاجها كثيرًا صالحًا.
ولما جاء فصل الحرث قال له أخوه الأكبر: «جهِّزْ زوجًا من الثيران للحرث، فإن الأرض قد جفَّتْ من الماء، وأصبحت صالحة لأن تُحرَث، وهيِّئ البذر للأرض فإننا سنحرث بعزم عند البكور.» وهكذا كان يقول له، وكان أخوه الأصغر ينفذ كل ما يأمر به أخوه الأكبر، وعندما انبثق الفجر وطلع يوم جديد ذهَبَا إلى الحقل ومعهما … وابتدأ يحرثان بعزم، وكانت الغبطة تملأ قلبيهما؛ لأنهما بدأ يعملان في عام جديد. وبعد مضي عدة أيام على هذا اليوم كانا في الحقل ونفدت منهما البذور، فأرسل أخاه الأصغر إلى القرية قائلًا: «اذهب وأحضر لنا من القرية بذرًا.» فذهب إلى القرية (ودخل البيت على حين غفلة من أهله) فوجد امرأة أخيه جالسة تمشط شعرها، فقال: أسرعي وهيِّئِي لنا البذر لأذهب إلى الحقل، فإن أخي هناك ينتظرني، لا تتأخري. فقالت له: اذهب وافتح المخزن بنفسك، وخذ منه ما تريد، واتركني أكمل تمشيط شعري. فذهب الغلام إلى حظيرته وأخذ وعاءً كبيرًا ليأخذ فيه بذورًا كثيرة، وحمل نفسه القمح والشعير وخرج بهما، فابتدرته قائلة: ما مقدار ما تحمله على كتفك؟ فأجابها: أحمل ثلاث حقائب من القمح، واثنتين من الشعير، فتلك خمس كاملة. وهكذا كان حديثه إليها وهي … فقالت له: «إنك إذن لذو بأس عظيم، حقًّا إني أرى كل يوم عِظَم قوتك، وكان شغفها أنها تعرفه كما تعرف المرأة الشاب القوي، ثم همَّتْ به وقالت: تعالَ، سنتمتَّع سويًّا، وننام، وسيكون ذلك من حظك أيضًا؛ لأني سأصنع لك ملابس جميلة.» وإنها لقولة نكراء ثار لها الغلام كالفهد، فخافت زوجة أخيه، فأخذ يخاطبها قائلًا: «اسمعي، إنك بمثابة أم لي، وزوجك بمثابة والد، وقد ربَّاني لأنه أكبر مني، فما هذا الإثم العظيم الذي تتحدثين به إليَّ؟ لا تعيدي الحديث على سمعي، ولن أخبر به إنسانًا، ولن أدعه يخرج من فمي، ولن أفضي به إلى أي مخلوق.» ثم حمل البذر وأخذ سبيله إلى الحقل، وهناك لقي أخاه الأكبر، فأخذ كلٌّ منهما يعمل بجد.
وفي المساء عاد أخوه الأكبر إلى بيته، أما الأصغر فظل يرعى قطيعه، ويحمل نفسه بكل أنواع حاصلات الحقل، وعاد يسوق قطيعه إلى حيث ينام في حظيرته بالقرية.
وكانت زوجة أخيه الأكبر تخشى عاقبة ما قالت، فأخذت دهنًا و«سوت»؟ وتظاهرت كذبًا بأنها قد ضُرِبت، وتريد بذلك أن تقول لزوجها: «إن أخاك هو الذي ضربني.» وعاد زوجها إلى البيت عند الغروب كعادته، ودخل بيته، ووجد زوجته راقدة ومتمارضة بشدة، فلم تصبَّ الماء على يديه كما عوَّدته، ولم تشعل لأجله نورًا عند عودته، فبدا البيت في ظلام دامس وهي راقدة تقيء، فقال لها زوجها: «هل تكلَّمَ معك أحد؟» فقالت له: «لم يتكلم معي إلا أخوك الأصغر، وكان ذلك حينما أتى ليأخذ البذر من هنا، ووجدني جالسة وحدي، وقال لي: تعالي نتمتع وننم، تحلي بشعرك (المستعار؟) وهكذا قال لي، ولكنني عصيته وقلت له: انظر، ألستُ لك أمًّا، أَوَليس أخوك الأكبر لك أبًا؟» فمشى الخوف في نفسه، وضربني حتى لا أخبرك بشيء مما حدث، فإذا كنتَ إذن تتركه حيًّا فإني سأقتل نفسي؛ لأنه عندما يعود إلى البيت عند الغروب، وأقص هذه القصة الدنيئة، فإنه سيكون قد جعلها تظهر بيضاء (أي لا غبار عليه).
وعندئذٍ ثار أخوه الأكبر ثورة الفهد الغضوب، وحدَّ نصل حربته، وأمسكها في يده، واحتلَّ مكانًا خلف باب الحظيرة ليقتل أخاه حينما يعود في المساء مع أبقاره إلى حظيرته.
ولما مالت الشمس إلى الغروب حمَّل «باتا» نفسه بما اعتاد أن يحمله من أعشاب الحقل وعاد، وما كادت تدخل طليعة الأبقار حظيرتها حتى قالت لراعيها: خذ حذرك! إن أخاك الأكبر واقف أمامك بحربته ليذبحك، فِرَّ من أمامه. ففهم «باتا» ما قالته طليعة أبقاره.
ثم دخلت البقرة الثانية وقالت له بالمثل، فنظر تحت باب حظيرته فرأى قدَمَيْ أخيه الأكبر وهو واقف خلف الباب وفي يده حربته، فألقى حمله إلى الأرض ولاذ بالفرار مسرعًا، وأخوه الأكبر يعدو خلفه بحربته، ونادى أخوه الأصغر ربه «رع حور أختي» قائلًا: «يا إلهي الطيب، إنك أنت الذي تفصل بين المبطل والمحق.» فسمع «رع» ظلامته، وجعل بينهما متَّسعًا من الماء مملوءًا بالتماسيح، فاصلًا بينه وبين أخيه الأكبر، وصار كلٌّ منهما على جانب لا يجد إلى صاحبه سبيلًا، وضرب أخوه الأكبر على يده (3) مرتين (آسفًا)؛ لأنه لم يذبحه، ثم نادى الأخُ الأصغر أخاه من الجانب الآخَر قائلًا: «امكث هنا حتى ينبلج الصبح، وسنحتكم إلى الشمس معًا عند شروقها، وسيسلم المبطل للمحق؛ (4) لأني لن أكون معك بعدُ، ولن أعيش في مكانٍ أنتَ فيه، وسأتخذ لي في وادي الأرز مقامًا» (5).
ولما انبثق الفجر عن يوم جديد أشرق «رع حور أختي» فرأى كلٌّ منهما صاحبه، وهنا ابتدر الصبي أخاه الأكبر قائلًا: «ماذا تعني بتتبعك إياي لتذبحني غدرًا دون أن تسمع مني ما أقول؟ لأني — في الحق — أخوك الأصغر، وإنك لي كوالد، وإن زوجتك لي كوالدة، أليس كذلك؟ (وسأقص عليك القصص): عندما كلَّفتني الذهاب (إلى القرية) لأحضر البذر، (راودتني زوجك عن نفسي) وقالت: «دعنا نتمتع وننم.» ولكن تأمَّلْ، لقد شُوِّهَ ذلك لديك، وحُرِّفَ إلى شيء آخَر.» وأعلمه بكل ما وقع له مع زوجته، وحلف «برع حوارختي» قائلًا: وا أسفاه! إنك يا أخي أردت أن تغتالني لوقيعة دسَّتْها عليَّ امرأةٌ بغيٌّ قذرة (6).
ثم أخذ سكينًا من الغاب وقطع بها (قُبُلَهُ) وألقى به في الماء، فابتلعته سمكة كبيرة فأغمي عليه وأصبح تعسًا. وإذ ذاك حزن عليه أخوه الأكبر حزنًا عظيمًا، ووقف وأجهش بالبكاء عليه بصوت عالٍ، إلا أنه كان عاجزًا عن أن يَعْبُرَ حيث يوجد أخوه الأصغر بسبب التماسيح، وبعد ذلك صاحَ عليه أخوه الأصغر قائلًا: «إذا كنت قد فكرت في شيء خبيث، فهل لك أن تفكِّر في شيء طيب، أو في شيء يمكنني أن أفعله لك (7) أيضًا؟ اذهب الآن إلى بيتك، وارع بنفسك ماشيتك؛ فقد نويت ألَّا أسكن في مكان أنت فيه، وسأذهب إلى وادي الأرز، ولن يكون بيني وبينك إلا أنك ستعودني إذا علمت أن شيئًا نزل بي، وسيحدث أني سآخذ قلبي وأضعه في أعلى زهرة شجرة أرز، فإذا نُشِرت شجرة الأرز وسقطت على الأرض وأتيت تبحث عنه، ثم قضيت في بحثك سبع سنين، فلا تمل من ذلك، وإذا ما وجدته ووضعته في إناء فيه ماء بارد فإني حينئذٍ سأحيا ثانية (8)، وسأجيب عن التهمة التي أُسنِدت إليَّ، وإذا أعطاك إنسان قدحًا من الجعة فاختمر، أدركتَ حينئذٍ ما حاق بي من الأذى، ولا تتوانَ فإن ذلك في مصلحتك.
ذهب «باتا» إلى وادي الأرز، وعاد أخوه الأكبر إلى بيته ويده على رأسه، وهو ملطَّخ بالطين (9)، ولما أتى منزله تذكَّرَ أخاه الصغير (فثارت بنفسه ثورة)، وذبح زوجته، ورمى بها للكلاب، وقعد حزينًا على أخيه الأصغر.
وبعد ذلك بأيام عدة كان أخوه الأصغر في وادي الأرز وحيدًا، وكان يقضي يومه في صيد وحوش الصحراء، ويقضي ليله في النوم تحت شجرة الأرز التي وضع قلبه في أعلى إحدى زهراتها، وبعد أيام عدة على تلك الحياة الهادئة بنى لنفسه قصرًا في وادي الأرز، وكان مملوءًا بكل شيء حسن؛ لأنه كان يريد أن يتزوج.
وخرج «باتا» ذات يوم من قصره فقابَلَ تاسوع الآلهة في طريقهم إلى نواحي الأرض يشرفون عليها، ولقد نطق التاسوع بلسان واحد قائلين له: «إيه يا «باتا» أنت يا ثور التاسوع (10)، أأنت هنا وحدك؟! أتركتَ مدينتك أمام زوجة أخيك الأكبر «أنوبيس»؟ اسمع، إن زوجته قد ذُبِحت؛ لأنك كشفتَ له عن الجناية التي ارتكبت ضدك.» وأظهروا عطفهم الشديد عليه، ثم قال «رع حور أختي» ﻟ «خنوم» (11): سوِّ زوجة «لباتا» حتى لا يكون في بيته وحيدًا، فوهبه «خنوم» رفيقة تَبُزُّ كل امرأة في الأرض جمالًا، ونفخ فيها كل إله من روحه، ثم أتت سبع البقرات «حاتور» (12) ليرينها، وقلن جميعًا بلسان واحد: «إنها ستموت ميتة شنعاء.»
وكان قد أُغرِم «باتا» بها (وقد شغفته حبًّا)، وأسكنها في بيته، وكان يقضي يومه في صيد وحوش الصحراء، فإذا جاء المساء عاد إليها محمَّلًا بصيده، فيضعه أمامها وقال لها: «لا تخرجي كي لا يحملك البحر بعيدًا؛ لأني أنثى مثلك لا أستطيع إلى تخليصك سبيلًا، وإن قلبي في أعلى زهرة إحدى شجر الأرز، فإذا عثر عليه إنسان آخَر كنتُ تحت سلطانه.» وقد فتح لها كل قلبه (أي باح لها بكل سره).
وبعد أيام عدة على ذلك ذهب بعدها «باتا» ليصطاد كعادته اليومية، فخرجت العذراء لتتنزه تحت شجرة الأرز التي كانت بجوار بيتها، ونظر البحر إليها وامتدَّ خلفها، فأخذت الحسناء تعدو أمامه حتى دخلت بيتها، ولكن البحر نادَى شجرة الأرز قائلًا: «اقبضى لي عليها.» فأخذت شجرة الأرز خصلة من شعرها وقدَّمتها إلى البحر، فأخذها البحر إلى مصر ووضعها في المكان الذي كان فيه سقاة الملك، (13) فتأرجت ملابس فرعون بأريج هذه الخصلة من الشعر، وقد شجر بين «الواحد» (14) وبين سقاة فرعون خلاف من أجل هذا العطر المتأرج، وقال الواحد للسقاة: «إن رائحة العطر في ملابس فرعون.» وكان الواحد يتنازع معهم يوميًّا (ولم يجد السقاة إلى الخلاص من هذا الخلاف سبيلًا).
وذهب كبير السقاة يومًا إلى شاطئ النهر، وكان قد ضاق صدره بهذا الخلاف الذي يشجر كل يوم، ووقف على كثيب من الرمل (15) ساكنًا، وكانت وقفته أمام خصلة الشعر التي كانت في الماء.
فكلَّفَ أحد أتباعه أن ينزل إلى الماء ويحضر الخصلة، فأُحضِرت إليه، فوجدها تفوح عن أريج طيب، فأخذها إلى فرعون.
وأتى بكُتَّاب فرعون وحكمائه إلى حضرته، ثم قالوا له: «إن هذه الخصلة لبنت «رع حور أختي»، وفيها من كل إله نفحة، حقًّا إنها هدية سِيقَتْ إليك من أرض أخرى. ابعث في كل أرض رسولًا ليحضروها لك، فإذا بعثتَ إلى وادي الأرز رسولًا فأشدد أزره بعدة رجال ليحضروها إلى هنا».
فقال جلالته: «إن ما قلتموه حسن جدًّا.» وأرسلت الرسل.
مضت على ذلك أيام عاد بعدها الرسل الذين بعثهم الملك في كل أرض ليقدموا إليه تقريرًا، إلا أن الذين ذهبوا إلى وادي الأرز لم يعودوا؛ لأن «باتا» ذبحهم إلا واحدًا منهم ليقدِّم تقريره إلى جلالته، فأرسل جلالته ثانيةً جنودًا عدة وجهَّزَها بعجلات تجرها الخيل ليحضرها، وكان معهم امرأة قد أعطيت كل أنواع الحلي الذي تتحلى به امرأة، وعادت المرأة معها إلى مصر وقد عمَّ الفرح البلاد بها (أي الحسناء)، وكانت موضع الحب من جلالته فجعلها أميرة عظيمة (16). وتحدَّثَ الواحد (الملك) إليها في شئونها، فسألها أن تخبره عن حال زوجها، فقالت لجلالته: «مُرْ بقطع شجرة الأرز وإبادتها.» فبعث «الواحد» إلى وادي الأرز جنودًا ومعهم أسلحتهم ليقطعوا شجرة الأرز، فأتوا إلى شجرة الأرز وقطعوا الزهرة التي كان عليها قلب «باتا»، فَخَرَّ لوقته صريعًا.
وانبثق الفجر عن يوم جديد، وكانت شجرة الأرز مقطوعة، وذهب «أنوبيس» الأخ الأكبر إلى بيته، وقعد وغسل يديه (قبل الأكل) وقد أعطي قدحًا من الجعة فاختمرت، وقُدِّم إليه آخَر من النبيذ فصار رديئًا (حامضًا).
عندئذٍ أخذ عصاه وانتعل، واشتمل بملابسه، وحمل سلاحه وجدَّ في السير إلى وادي الأرز، ولما دخل قصر أخيه «باتا» وجده راقدًا على السرير وقد فارقته الحياة، فبكى عندما رأى أخاه على الفراش ميتًا، وأخذ يبحث عن قلبه تحت شجرة الأرز التي كان ينام تحتها كل مساء.
قضى «أنوبيس» … ثلاثة أعوام يبحث عنه (القلب) فلم يهتدِ إليه، ولما بدأ العام الرابع تاقَ قلبه إلى مصر فقال: «سأسافر غدًا.» وكان هذا حديثه لقلبه.
انبثق صباح يوم جديد فأخذ يمشي تحت شجرة الأرز، وقضى يومه في البحث عنه، ولما جاء المساء كفَّ عن بحثه، ثم ألقى نظره مرةً أخرى ليبحث عنه، فوجد فاكهة، فعاد بها إلى البيت، وكانت هي قلب أخيه الأصغر.
فأعَدَّ قدحًا من الماء البارد ورمى فيه قلب أخيه وجلس كعادته كل يوم، ولما جَنَّ الليل وامتص القلب ماء القدح، ارتعَدَ «باتا» في كل أعضائه وأخذ ينظر إلى أخيه الأكبر، على حين كان قلبه لا يزال في القدح، ثم أخذ «أنوبيس» أخوه الأكبر قدحَ الماء البارد الذي كان فيه قلب أخيه الصغير، وقدَّمه إلى «باتا» ليشربه، ولما أخذ قلبه مكانه عاد «باتا» إلى شكله الأول فتعانقا، وتحدَّثَ كلٌّ منهما إلى أخيه، فقال «باتا» لأخيه الأكبر: «اسمع سأصير ثورًا عظيمًا فيه كل لون جميل جدًّا (17)، لا يعرف طبيعته أحد، وستركب أنت على ظهري، فإذا أشرقت الشمس فستكون في المكان الذي فيه زوجتي، وهناك سأجيبها على ما فعلت، وستأخذني إلى الملك، وسيقدم إليك كل شيء طيب، وستُكافَأ بالفضة والذهب على أخذي إلى فرعون؛ لأني سأكون أعجوبة، وسيفرح الناس بي في كل الأرض، وبعد ذلك تسافر أنت إلى قريتك.»
ولما كان يوم جديد أخذ «باتا» الشكل الذي تحدَّثَ به إلى أخيه، وركب «أنوبيس» على ظهره، وعند الفجر وصل إلى حيث كان الملك، وقد علم جلالته به ففحص عن حقيقته بنفسه وفرح به فرحًا شديدًا، وقدَّمَ إليه قربانين عظيمين قائلًا: «عجيبة عظمى تلك التي حدثت.» وكان لها في الأرض كلها رنة فرح، وكافئوا أخاه الأكبر على هذه العجيبة وزنها ذهبًا وفضة، ثم استقر في قريته وأهداه الواحد (أي الملك) ملابس كثيرة وعدة عظيمة، وغمره الفرعون بحبه أكثر من كل الناس الذين كانوا في البلاد جميعًا.
وبعد أيام من ذلك الحادث دخل الثور مطبخ «الواحد»، ووقف حيث كانت الأميرة، فأخذ يتحدَّثَ معها قائلًا: «اسمعي إني لا أزال حيًّا.» فقالت له: «أرجو أن تخبرني مَن أنت؟» فقال لها: «أنا (باتا) حقًّا، أتذكرين حينما أوعزتِ إلى فرعون أن يبيد شجرة الأرز حتى لا أعيش بعدها؟ ولكن انظري فأنا الآن حي وإني ثور.» وهنا وجلت الأميرة أشد الوجل للقصة التي قصَّها عليها زوجها.
ثم خرج من المطبخ، وجلس جلالته وتفكَّهَ مع الأميرة، وصبَّتِ الماء لجلالته، وكان ملاطفًا لها كلَّ الملاطفةِ، وعندئذٍ قالت لجلالته: «أقسم لي بالإله قائلًا: إن أي شيء ستقولينه سأستمعه منك.» ثم أصغى إلى كل ما قالت وهو: «إن هذا الثور لن يفيدنا شيئًا (18)، فدعني آكل كبده.» وهكذا كان قولها، فحزن «الواحد» لما قالته حزنًا عظيمًا، وصار قلبه من أجله مكلومًا.
وانبثق الفجر عن يوم جديد، وأعلن إقامة عيد ضحية عظيم، وسيكون الثور ضحية ذلك العيد، وجيء برئيس قصابي جلالته ليذبح الثور، وبعد ذبحه كان موضوعًا على أكتاف الناس، فهَزَّ رأسه فسالت نقطتان من الدم بجانب منكبي باب جلالته: سقطت واحدة على جانب من جانبي الباب الأعظم لفرعون، وسقطت الثانية على الجانب الآخَر، وتحوَّلت النقطتان إلى شجرتين ناميتين من السنط، وكانت كلٌّ منهما جميلة، فحمل رجل ذلك النبأ إلى جلالته قائلًا: «إن شجرتين من السنط عظيمتين قد نمتا في الليل! عجيبة عظيمة لجلالته! وهما بجانب باب جلالته الكبير.»
وفرح الناس بهاتين الشجرتين في كل البلاد، وقدَّم «الواحد» لهما قربانًا، وبعد ذلك بأيام ظهر جلالته من نافذة «اللازورد» وحول رقبته إكليل من كل أنواع الزهر، وركب عجلة من الذهب، وخرج من القصر ليرى شجرتي السنط، وامتطت الأميرة ظهر جواد (19) خلف فرعون.
ثم قعد جلالته تحت إحدى شجرتي السنط، وعندئذٍ تكلَّمَ «باتا» مع زوجته: «إيه يا خائنة، أنا «باتا» وسأعيش بالرغم منك، حقًّا إنك تذكرين كيف أغريت فرعون بقطع شجرة الأرز، وكيف ذُبِحْتُ بإغرائك بعدما صرتُ ثورًا.»
وبعد أيام من هذا صبت الأميرة الماء لجلالته وكان «الواحد» متطلفًا معها، ثم قالت لجلالته: «أقسم لي بالإله قائلًا: إن كل ما تقوله الأميرة لي سأصغي إليه.» فاستمع لكل ما تقول، فقالت: «مُرْ بقطع شجرتي السنط؛ لنصنع منهما أثاثًا جميلًا.» فأصغى الواحد لكل ما قالت، وبعد عدة أيام من هذا أرسل جلالته عمَّالًا مهرة، وقطع شجرتي السنط.
ووقف الفرعون يشاهد مع زوجه (عملية القطع)، فطارت شظية ودخلت فم الأميرة فابتلعتها، وفي اللحظة عينها حملت (أي صارت حبلى)، وعمل منهما (أي الشجرتين) كل ما رغبت فيه (من الأثاث).
وبعد عدة أيام من هذا وضعت الأميرة ولدًا، فذهب رجل وبلغ جلالته قائلًا: «لقد وُلِد لك ولد.» فأحضر وعيَّن له مرضعًا، وجعل له خادمًا، وعمَّ الفرح به البلاد، وأقام جلالته له الأفراح، وقد رُبِّيَ وأحبه في الحال جلالته حبًّا شديدًا، وعيَّنه حاكمًا لإثيوبيا» (ابن الملك)، وبعد عدة أيام من هذا جعله ولي عهد للبلاد جميعًا.
وبعد مضي عدة أيام على ذلك بعد أن قضى عدة سنين وهو ولي عهد للبلاد جميعها، طار «الواحد» (20) إلى السماء، وقال الواحد: (21) «ليحضر إليَّ كل المستشارين الملكيين لأخبرهم كل ما حدث لي.» ثم أحضرت إليه زوجه، وتحاكما أمام المستشارين الذين انتصفوا له منها، وأحضر إليه أخوه الأكبر فعيَّنه وليًّا للعهد في كل أملاكه.
وقضى ثلاثين عامًا ملكًا على مصر، ثم رحل عن هذا العالم واستولى أخوه على عرشه يوم مماته.
........................................................
1- Rambaud, La Russie Epique pp. 377–380
2- هذه جملة لا معنى لها، كانت تكرر كثيرًا في القصص المصري.
3- من الغيظ.
4- أي سينتصر الحق.
5- قد تكون لبنان الحالية؛ حيث كان المصريون يأتون بالخشب منه.
6- التعبير أفحش من ذلك.
7- يذكره في وقت الحاجة إليه.
8- فإن القلب سيشرب الماء ويحيا.
9- دليل الحزن.
10- وكان يُطلَق هذا اللقب على الآلهة في غير هذا المكان.
11- إله الخلق.
12- إلهة الحب.
13- بجانب النيل قريبًا من سراي فرعون، ولا غرابة في أن الخصلة عامت إلى النهر من البحر؛ لأن كل ذلك في عالم الخرافة.
14- يقصد الملك نفسه.
15- والمعنى حرفيًّا: الصحراء، والمقصود هنا الشاطئ الرملي الناتج من رواسب النيل.
16- هذه مرتبة في الحريم، وسيتحدثون عنها فيما بعدُ بأنها زوجة فرعون «الواحد».
17- يقصد العلامات التي كان يُعرَف بها الثور المقدس، مثل العجل «أبيس».
18- لأن الثور سيضحى على كل حال في أحد الأعياد.
19- يحتمل أنه يقصد بهذا أنها كانت تركب عربة؛ لأن المألوف عند المصريين أنهم كانوا لا يمتطون ظهور الخيل.
20- مات.
21- الملك الجديد.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)