

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
ما هو المراد باليوم في آية الإكمال
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج8، ص32-24
2026-01-24
48
ما المراد بهذا اليوم المتكرّر.. وأيّ يوم هو..؟ هل المراد به الزمن الوسيع والمتّسع، كما يقال: كنتُ طفلًا أمس، واليوم صرت شابّاً. أو كنت جاهلًا أمس، واليوم أصبحت عالماً؟ أو المراد به زمان ظهور الإسلام ببعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله ودعوته، فيكون المراد: أنَّ الله أنزل إليكم الإسلام، وأكمل لكم الدين، وأتمّ عليكم النعمة، وأيأس منكم الكفّار؟
لا يصحّ هذا الاحتمال لأنَّ ظاهر سياق الآية أنه كان للمسلمين دين وكان الكفّار يطمعون في إبطاله وتغييره، وكان المسلمون يخشون من طمع الكفّار لتخريب وإزالة دينهم فأيأس الله الكافرين من الاعتداء والتسلّط على دين المؤمنين وآمن المسلمين. إنَّ الدين كان ناقصاً فأكمله الله وأتمّ نعمته عليهم. وقبل الإسلام لم يكن للمسلمين ديناً حتّى يطمع فيه الكفّار أو يكمله الله ويتمّ نعمته عليهم.
يضاف إلى ذلك ووفقاً لهذا الاحتمال أنَّ قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ينبغي أن يتقدّم على قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} حتّى يستقيم الكلام في نظمه.
أو أنَّ المراد باليوم في الآية الكريمة هو ما بعد فتح مكّة حيث أبطل الله فيه كيد ومكر مشركي قريش، وأذهب شوكتهم وعظمتهم، وهدم فيه بنيان دينهم، وحطّم أصنامهم، فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق، ويضادّوا الإسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته.
ولا يصحّ هذا الاحتمال أيضاً لأنَّ الآية تدلّ على إكمال الدين وإتمام النعمة. ولمّا يكمل الدين بفتح مكّة في السنة الثامنة من الهجرة. فكم من الفرائض والواجبات قد نزلت بعد ذلك، وكم كثير من الحلال والحرام شرّع فيما بينه وبين رحلة رسول الله.
يضاف إلى ذلك، أنَّ المراد من قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا} يعمّ جميع مشركي العرب. ولم يكونوا آيسين من الاعتداء وتحطيم دين الإسلام بعد فتح مكّة، والدليل على ذلك أنَّ كثيراً من المواثيق على عدم التعرّض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها. وكان مشركو العرب يحجّون على سنّة الجاهليّة. {وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وتَصْدِيَةً}.[1] وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة.[2]
وكان هذا المنهج مستمرّاً حتّى بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمير المؤمنين عليه السلام بآيات البراءة من المدينة إلى مكّة في السنة التاسعة من الهجرة فأبطل بقايا آداب ورسوم الجاهليّة وتقاليدها.
أو أنَّ المراد باليوم، ما بعد نزول سورة براءة، حيث بسط الإسلام آنذاك سيطرته على جزيرة العرب تقريباً، وانمحت آداب وآثار الشرك، وماتت سنن الجاهليّة. فما كان المسلمون يرون في المحافل الدينيّة ومناسك الحجّ أحداً من المشركين، وصفا لهم الأمر، وأبدلهم الله بعد خوفهم أمناً يعبدونه ولا يشركون به شيئاً.
ولا يصحّ هذا الاحتمال أيضاً، فإنَّ مشركي العرب وإن يئسوا من دين المسلمين بعد نزول سورة براءة، وطيّ بساط الشرك من الجزيرة العربيّة، وإعفاء تقاليد الجاهليّة، إلّا أنَّ الدين لم يكمل بعد، وقد نزلت فرائض وأحكام بعد سورة براءة، ومنها ما في هذه السورة (سورة المائدة).
واتّفقوا على نزولها في آخر عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفيها شيء كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص. فتحصَّل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية الكريمة معناه الوسيع ممّا يناسب مفاد الآية في أوّل نظرة كزمان ظهور الدعوة الإسلاميّة، أو ما بعد فتح مكّة من الزمان، أو ما بعد نزول آيات البراءة. فلا سبيل إلّا أن يقال: إنَّ المراد باليوم يوم نزول الآية نفسها.
وذلك اليوم هو يوم نزول السورة إن كان قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} في وسط آية حرمة الطعام مرتبطاً بها بحسب المعنى، أو بعد نزول سورة المائدة في أواخر عهد رسول الله، ثمّ جعلوها هنا بقرينة قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.
فهل المراد باليوم يوم فتح مكّة بعينه؟ أو يوم نزول سورة براءة؟! وتثار هنا نفس الإشكالات الواردة على الاحتمال الثاني والثالث المتقدّمين.
أو أنَّ المراد باليوم هو يوم عرفة من حجّة الوداع كما ذكر كثير من مفسّري العامّة، وبه وردت بعض الروايات؟ فما المراد من يأس الذين كفروا يومئذٍ من دين المسلمين؟ فإن كان المراد بالياس من الدين يأس مشركي قريش من الظهور على دين المسلمين، فقد كان ذلك يوم فتح مكّة عام ثمانية لا يوم عرفة من السنة العاشرة. وإن كان المراد يأس مشركي العرب من ذلك، فقد كان ذلك عند نزول سورة براءة، وهو في السنة التاسعة من الهجرة. وإن كان المراد به يأس جميع الكفّار الشامل لليهود، والنصارى، والمجوس، وغيرهم- وذلك الذي يقتضيه إطلاق قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا}- فهؤلاء لم يكونوا آيسين من الظهور على المسلمين بعد، ولمّا تظهر للإسلام قوّة وشوكة وغلبة في خارج الجزيرة العربيّة يومئذٍ.
ومن جهة اخرى، يجب أن نتأمّل ونرى: ما ذا حدث يوم عرفة من حجّة الوداع، وهو التاسع من ذي الحجّة السنة العاشرة من الهجرة؟ وما هو شأن ذلك اليوم حتّى يناسب قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}؟
فربّما أمكن أن يقال: إنَّ المراد به إكمال الحجّ بحضور رسول الله صلّى الله عليه وآله بنفسه فيه، وتعليمه الناس تعليماً عمليّاً مشفوعاً بالقول.[3]
وهذا لا يصحّ، لأنه يسمّى مجرّد تعليمه الناس مناسك حجّهم إكمالًا للدين؟ ونحن نعلم أنَّ النبيّ الأكرم كان قد شرّع أركان الدين من صلاة وصوم وحجّ وزكاة وجهاد قبل الحجّ، وفي حجّة الوداع أيضاً حيث علّمهم حجّ التمتّع، ثمّ ما لبثت أن صارت هذه السُّنَّة السَّنِيَّة مهجورة وهذه الفريضة الإلهيّة متروكة.
وكيف يصحّ أن يسمّي تعليم شيء من واجبات الدين إكمالًا لذلك الواجب فضلًا عن أن يسمّى تعليمهم واجب من واجبات الدين لمجموع الدين؟
يضاف إلى ذلك، أنَّ هذا الاحتمال يوجب انقطاع رابطة الفقرة الاولى، أعني قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} بهذه الفقرة، أعني قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. وأيّ ربط ليأس الكفّار عن الدين بتعليم رسول الله حجّ التمتّع للناس؟
وربّما أمكن أن يقال: إنَّ المراد بإكمال الدين من جهة بيان ونزول بقايا الحلال والحرام في هذا اليوم في سورة المائدة، فلا حلال بعده ولا حرام، وبإكمال الدين استولى الياس على قلوب الكفّار، ولاحت آثاره على وجوههم.[4]
لكن يجب أن نتبصّر في تمييز هؤلاء الكفّار الذين عبّر عنهم في الآية بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا} على هذا التقدير وأنهم من هم؟ فإن اريد بهم كفّار العرب، فقد كان الإسلام عمّهم يومئذٍ ولم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام، فمن هم الكفّار الآيسون؟
وإن أريد بهم الكفّار من غير العرب من الامم والطوائف، فقد عرفنا آنفاً أنهم لم يكونوا آيسين يومئذٍ من الظهور على المسلمين.
يضاف إلى ذلك، ينبغي أن نرى ما المراد بانسداد باب التشريع بنزول سورة المائدة وانقضاء يوم عرفة؟ فقد وردت روايات كثيرة لا يستهان بعددها في نزول أحكام وفرائض بعد يوم عرفة، كما في آية الكلالة في آخر سورة النساء، وآيات الربا. حتّى أنه روي عن عمر أنه قال في خطبة خطبها: من آخر القرآن نزولًا آية الربا، وأنه مات رسول الله ولم يبيّنه لنا، فَدَعُوا مَا يُرِيبُكُمْ إلَى مَا لَا يُرِيبُكُمْ.
وروى البخاريّ في الصحيح عن ابن عبّاس، قال: آخر آية نزلت على رسول الله آية الربا. وليس للعالم بطرق الاستفادة من الروايات ومن كتاب الله أن يضعّف هذه المجموعة من الروايات، ويقدّم آية الإكمال في يوم عرفة عليها، لأنَّ الآية الكريمة ليست بصريحة ولا ظاهرة في كون المراد باليوم فيها يوم عرفة بعينه. وإنّما هو وجه محتمل يتوقّف في تعيّنه على انتفاء كلّ احتمال ينافيه، وهذه الأخبار لا تقصر عن الاحتمال المجرّد عن السند.
وربّما أمكن أن يقال: إنَّ المراد بإكمال الدين خلوص البيت الحرام للمسلمين، وإجلاء المشركين عنه حتّى حجّه المسلمون وهم لا يخالطهم المشركون.[5]
وهذا الكلام لا يصحّ أيضاً، وذلك أنه كان قد صفا الأمر للمسلمين فيما ذكر قبل ذلك بسنة، فما معنى تقييده باليوم بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. على أنه لو سُلّم كون صفاء الجوّ هذا وخلوص بيت الله إتماماً للنعمة، لم يسلّم كونه إكمالًا للدين.
والدين عبارة عن مجموعة من عقائد وأحكام، وليس إكماله إلّا أن يضاف إلى عدد أجزائها وأبعاضها عدد. وأمّا خلوص بيت الله الحرام فلا يسمّى إكمالًا للدين، لأنَّ ارتفاع الموانع والعقبات عن أبعاض وأجزاء الدين لا يدعى إكمالًا. على أنَّ إشكال يأس الكفّار من الدين على حاله.
ويمكن أن يقال: إنَّ المراد من إكمال الدين بيان هذه المحرّمات بياناً تفصيليّاً ليأخذ به المسلمون ويطبّقوه. أي: يجتنبوا المحرّمات ولا يخشوا الكفّار في ذلك، لأنَّ الكفّار قد يئسوا من دينهم بإعزاز الله المسلمين وإظهار دينهم وتغليبهم على الكفّار.
توضيح ذلك: أنَّ حكمة الاكتفاء في أوّل الإسلام بذكر محرّمات الطعام الأربعة أي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما اهِلَّ لغير الله به الواردة في بعض السور المكيّة، وترك تفصيل ما يندرج فيها ممّا كرهه الإسلام للمسلمين من سائر ما ذكر في هذه الآية إلى ما بعد فتح مكّة إنّما هي التدرّج في تحريم هذه الخبائث والتشديد فيها، كما كان التدرّج في تحريم الخمر لئلّا ينفر العرب من الإسلام ولا يرون فيه حرجاً عليهم، خصوصاً أن الكفار كانوا يأملون أن يرتدَّ إليهم من آمن من الفقراء وهم أكثر السابقين الأوّلين.
جاء هذا التفصيل للمحرّمات بعد قوّة الإسلام، وتوسعة الله على أهله وإعزازهم، وبعد أن يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه وفرارهم من تكاليفه، وزال طمعهم في الظهور عليهم، وإزالة دينهم بالقوّة القاهرة. فكان المؤمنون أجدر بأن لا يبالوهم بمداراتهم، وأن لا يخافوهم على أنفسهم وعلى دينهم.
فالله سبحانه يخبر المؤمنين في هذه الآية أنَّ الكفّار أنفسهم قد يئسوا من زوال دينهم وأنه ينبغي لهم- وقد بدّلهم بضعفهم قوّة، وبخوفهم أمناً، وبفقرهم غني- أن لا يخشوا غيره تعالى، و ينتهوا عن تفاصيل المحرّمات التي نهى الله عنها في الآية، ففيها كمال دينهم.[6]
إنَّ هذا القائل أراد الجمع بين عدّة من الاحتمالات المذكورة ليدفع بكلّ احتمال ما يتوجّه إلى الاحتمال الآخر من الإشكال. فتورّط بين المحاذير برمّتها وأفسد لفظ الآية ومعناها جميعاً.
أوّلًا: غفل عن أنَّ المراد بالياس إن كان هو الياس المستند إلى ظهور الإسلام وقوّته، وهو ما كان بفتح مكّة أو بنزول آيات سورة براءة وقراءتها على المشركين في عقبة منى من قبل أمير المؤمنين عليه السلام، لم يصحّ أن يقال يوم عرفة من السنة العاشرة: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم. وقد كانوا يئسوا قبل ذلك بسنة أو سنتين. وإنّما ينبغي أن يقال: قَدْ يَئِسُوا، أو إنَّهُمْ آيسُونَ.
ثانياً: وغفل عن أنَّ هذا التدرّج الذي ذكره في محرّمات الطعام، وقاس تحريمها بتحريم الخمر، إن اريد به التدرّج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض، فلا يصحّ. لأنَّ هذه الآية الواردة في سورة المائدة لا تشتمل على أزيد ممّا تشتمل عليه آيات البقرة، والأنعام، والنحل، من محرّمات الطعام. وأنَّ الْمَوْقُوذَة، والْمُنْخَنِقَة، والْمُتَرَدِّيَة، والنَّطِيحَة، ومَا أكَلَ السَّبُع هي من أفراد الميتة التي جاءت حرمتها في آيات تلك السور. {وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ} من مصاديق وأفراد مَا
{أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} في سورة النحل. وهذه الآية في سورة المائدة لا تبيّن شيئاً أكثر ممّا تبيّنه آيات السور الثلاث من حيث تعداد المحرّمات.
وإن اريد التدرّج من حيث البيان الإجماليّ والتفصيليّ، إذ ذكره الله إجمالًا أوّلًا، ثمّ فصّله ثانياً خوفاً من امتناع الناس من القبول، فلا يصحّ أيضاً. لأنَّ مصاديق وأفراد المحرّمات التي تدخل تحت عنوان الميتة، ولحم الخنزير، والدم، وما اهلّ به لغير الله، والتي جاءت في السور الثلاث النازلة قبل سورة المائدة، هي أكثر من المحرّمات الواردة في سورة المائدة، وابتلاء الناس بها أكثر من أمثال الْمُنْخَنِقَة، الْمَوْقُوذَة، والْمُتَرَدِّيَة، والنَّطِيحَة، ومَا أكَلَ السَّبُع، لأنها امور نادرة التحقّق، والناس- عادة- لا يقتلون ذبائحهم بالخنق، أو الإرداء، أو الوقذ، أو النطح. نعم، لو قدّر وقوع هذه الأشياء، لما رأى الناس بأساً في أكلها.
وحينئذٍ كيف يصرّح الله بحرمة هذه الأشياء الأربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما اهلّ لغير الله به، وهي تقع أكثر ولها أهميّة كبرى، يصرّح بحرمتها من غير خوف يظهر بين الناس، ويذكر أشياء غير مهمّة قلّما تطرأ على سبيل التقيّة، ويحرّمها تدريجيّاً لئلّا يعرض الناس عن الدين؟
وثالثاً: على فرض التسليم، فإنَّ تشريع الأحكام وبالأخصّ تشريع بعضها ليس إكمالًا للدين. وفي هذا الفرض يجب أن يقال: اليوم أكملت لكم بعض دينكم وأتممت عليكم بعض نعمتي.
ورابعاً: كيف خصّ الله يوم عرفة بتشريع عدد من أحكام المنخنقة والموقوذة فيه وسمّى بيان حرمتها إكمالًا للدين وإتماماً للنعمة، مع تشريعه أحكاماً وقوانين كثيرة في أيّام اخرى؟ هنا موضع تأمّل.
ويمكن أن يقال: إنَّ المراد بإكمال الدين إكماله بسدّ باب التشريع بعد هذه الآية المبيّنة لتفصيل محرّمات الطعام، فلم ينزل حكماً آخر، ولذلك كمل الدين.
وهنا يجب أن نقول: ما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول سورة المائدة ووفاة رسول الله؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه الآية في سورة المائدة؟
وبعد ذلك كلّه: ما معنى قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}؟ لأنَّ تقديره: ألْيَومَ رَضِيتُ. ولو كان المراد بهذه الآية الامتنان على الناس بما ذكر من محرّمات الطعام يوم عرفة، فما وجه اختصاص هذا اليوم بأنَّ الله سبحانه وتعالى رضي فيه الإسلام ديناً؟ لأنه لا أمر يختصّ به اليوم ممّا يناسب هذا الرضا.
ويرد على هذا الاحتمال أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة.
[1] الآية 35، من السورة 8: الأنفال.
[2] كانت النساء في الجاهليّة يقلن: نحن نعصي الله في لباسنا، فلهذا لا ينبغي لنا أن نحرم ونحجّ ونطوف بها. فكنَّ يحججن عاريات.
[3] ذكر صاحب «تفسير المنار» هذا عن ابن جرير الطبريّ على نحو الاحتمال، وذلك في الجزء السادس، ص 156 من تفسيره، واعتبره مؤيّداً للرواية الواردة عن قتادة، وسعيد بن جبير، ولكنّه يردّ هذا الاحتمال.
[4] روي الطبريّ هذا الاحتمال في تفسيره ج 6، ص 79، عن ابن عبّاس، والسدّيّ. واعتبر الطنطاويّ في ج 3، ص 145 من تفسيره هذا الاحتمال مع احتمالات اخرى إكمالًا للدين. وذكره صاحب «المنار» أيضاً نقلًا عن الآخرين في ج 6، ص.
[5] روي الطبريّ هذا الاحتمال في تفسيره ج 6، ص 80 عن الحَكَم، وقتادة، وسعيد بن جبير. وجاء في تفسير «الدرّ المنثور» ج 2، ص 258 عن ابن عبّاس.
[6] «تفسير المنار» الشيخ محمّد عبده، ج 6، ص 153 و154، تأليف السيّد محمّد رشيد رضا.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)