

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
تعاقب الأدوار الاستعمارية (الاستعمار البرتغالي)
المؤلف:
أ. د. عبد العظيم رمضان
المصدر:
تاريخ أوربا والعالم الحديث من ظهور البرجوازية الأوربية الى الحرب الباردة
الجزء والصفحة:
ج1 ص 210 ــ 233
2026-01-17
32
نقطة البداية في الاستعمار البرتغالي، هي الأمير هنري الملاح Henry the Navigator، ابن الملك يوحنا الأول ملك البرتغال، وقد امتزجت في هذا الأمير بصفة خاصة أهم العوامل التي أدت إلى الكشف الجغرافي والاستعمار في ذلك الحين، وهي الدافع المادي، والدافع الديني.
فقد تغذى الأمير هنري الملاح منذ طفولته بتصرف ديني مسیحي عسكري يخالطه بغض مرير للإسلام. وقد دفعه هذا البغض في عام 1451م إلى تجريد حملة على سبتة Ceuta واستطاع الاستيلاء عليها عنوة. ومنذ حوالي 1417م وضع الخطة الاستراتيجية الكبرى لتطويق جناح الإسلام.
ويختلف المؤرخون في هذه الخطة، فبعضهم يرى أنها كانت ترمى إلى احتلال الشواطئ المراكشية على المحيط الأطلنطي، وإخضاع أفريقيا الشمالية الغربية ابتداء من نهر السنغال، ثم الاستيلاء على بلاد غانة الغنية وانتزاع تجارتها من الرقيق والذهب، وإقامة مملكة مسيحية جنوب بلاد المغرب والاتصال بمملكة القديس يوحنا Orestesr John وراء الصحراء الأفريقية أي الحبشة، التي سمع بوجودها فى تلك الأرجاء، وإحكام التطويق على بلاد الإسلام. وحرمان مصر من الضرائب العالية التي كانت تفرضها على تجارة التوابل.
والبعض الآخر يرى أن الخطة كانت ترمى إلى انتزاع تجارة الشرق الثمينة من الغرب، والوصول إلى الهند عن طريق الدوران حول الساحل الأفريقي، واكتشاف طريق بحري بدلا من الطريق الذي يمر بالبحر الأحمر فمصر، وبالتالي الالتفاف حول الإسلام وتطويقه؟
ولعل ما سبب الخلاف حول هذا الموضوع، هو الكتاب الذي تلقاه هنرى الملاح من البابا نيقولاس الخامس Nicolas V في عام 1454م والذي يمنحه فيه تفويضا بأن له الحق في جميع الكشوف التي يكشفها حتى بلاد الهند.
ففي هذا الخطاب، بعد أن يشيد البابا بما فعله هنرى الملاح من إدخاله في أحضان الكاثوليكية «الغادرين من أعداء الله والمسيح، مثل العرب والكفرة، يقول:
«فاذا تم على يديه (أي على يدي هنرى الملاح) اختراق المحيط ملاحة حتى بلاد الهند والتي يقال إنها خاضعة أيضا للمسيح، وإن هو توصل إلى إنشاء العلاقات بينه وبين هؤلاء الناس، فإنه سيتمكن من حملهم على النهوض لبذل العون المسيحي الغرب على أعداء الدين، ويستطيع في الوقت نفسه أن يُدخل في الطاعة والخضوع جميع الوثنيين الذين لم تمسهم حتى الآن يد الإسلام، ويُدخل اسم المسيح فى نطاق علمهم.... حتى إذا اخترق لجات عدة بحار، وهو يبحث في غير هوادة جميع المناطق الجنوبية حتى القطب الجنوبي عابرا المحيطات بلغ في النهاية ولاية غينيا، ثم تقدم منها بعد ذلك إلى مصب النهر الذي يسمى عادة باسم النيل... وستصبح جميع الفتوح التي تمت حتى اليوم أو التي ستتم في مستقبل الأيام، أو الفتوح التي تمتد إلى رأس بوجادور حتى ساحل غينيا وجميع بلاد الشرق، على الدوام وإلى الأبد في المستقبل تحت سيادة الملك «ألفونسو».
ففي هذا الخطاب يتضح أن الرأي الثاني هو الأصوب، وأن الهند وليست الحبشة هي الهدف من تطويق المسلمين، حيث كان الظن أن الهنود يدينون بالمسيحية. أما الاتصال بأثيوبيا، فسنرى أن ذلك تم فيما بعد في إطار خطة السيطرة على البحر الأحمر والبحر العربي.
وفي رأينا أن المعلومات الجغرافية القاصرة في كتاب البابا السبب فى الخلط الوارد في الكتاب وفى آراء المؤرخين في هذا الموضوع.
وفي الواقع أن المؤرخين الذين أرخوا لحياة الدون هنرى يؤكدون أن فكرة الوصول إلى الهند كانت تملك عليه مشاعره آناء الليل وأطراف النهار. وقد أدرك أن الخطوة الأولى لنجاح الحملة الموجهة إلى الشرق هى كشف الشاطئ الأفريقي. وكان يقع إلى جنوب رأس بوجادور Bojador منطقة غير مأهولة، لم يمر بها أي ملاح أوروبي من قبل.
وتبعا لذلك أرسل هنرى البعوث البحرية لكشف الشاطئ الأفريقي. فتمكنت من كشف جزر ماديرا Madeira سنة 1420م، وجزر آزور Azores سنة 1431م، وبعد أربع عشرة محاولة فاشلة تمكنت إحدى الحملات بقيادة (جيل إيانس) Gil Banes من عبور رأس بوجادور Bojador سنة 1434م. وفي سنة 1445م، اكتشف دينيس دياز Dinis Diaz مصب السنغال والرأس الأخضر (رأس فردی Cape Verde)، وبعد ذلك تم التوصل إلى غينيا التي كانت في ذلك الحين سوقا عظيما للذهب المصدر من تمبوکتو Tombouctou Fer-
كما تم الوصول إلى غانة. وسنة 1471م وصل فرناندودي بو. nando Poo» إلى خط الاستواء، ثم وصل دييجو كام Diego Cam أو Diego Cao إلى مصب نهر الكونغو سنة 1482م - 1483م.
وفي سنة 1487م اجتازت بعثة جديدة بقيادة أعظم الملاحين البرتغاليين «بارثلوميو دياز Bartholomew Diaz رأس الرجاء الصالح Cape of Good Hope دون أن تكتشفه، وصعدت شمالا بمحازاة الشاطئ الأفريقي، وبذلك أصبح الطريق البحري إلى الهند مفتوحا.
وفي يوليو 1497م أقلعت حملة على رأسها فاسكو داجاما Vasco Da Gama للوصول إلى الهند بطريق يدور حول أفريقيا فوصل إلى رأس الرجاء الصالح، ثم استمر في السير صعدا على الشاطئ الشرقي لأفريقيا إلى (سوفالا) Sofala، ومنها إلى «موزمبيق»، ثم إلى «ماليندى»، ومنها إلى الهند قرب قاليقوط Calic out في مايو 1498م. وبذلك أصبح البرتغاليون على أبواب استعمار أكبر قارتين في العالم.
كانت قاليقوط هى المركز الأساسي لتجارة التوابل، ولم يكن ذلك قاصرا على الفلفل وحب الهان، ومنتجات أخرى من ساحل مالابار Malabar، بل إن توابل منقولة من جزر المحيط الهادي كانت تمر بقاليقوط في طريقها إلى أوروبا. ولما كانت البيوت الكبرى التي تهتم بتلك التجارة بيوتا عربية إسلامية، فقد فوجئ البرتغاليون مفاجأة غير سارة. فإن مرسوم البابا نيقولاس الخامس السالف الذكر، كان الأصل في صدوره افتراض البابا أن سكان الهند هم من المسيحيين.
وعلى كل حال، فقد أدرك البرتغاليون أنهم قد التقوا في المحيط الهندي ايضا وجها لوجه مع أعدائهم الألداء العرب المسلمين، وأنهم إذا لم يبذلوا جهدا متواصلا، فلن تعود عليهم اكتشافاتهم للطريق البحري إلى الهند بأية فائدة. وقد اتجهت همتهم بعد ذلك إلى أمرين:
الأول: القضاء على العرب المسلمين في هذه البحار.
الثاني: إتمام الكشف والفتح.
ففي مارس سنة 1500م أقلعت حملة كبيرة من قادش بقيادة كبرال Alvarez Cabral - إلى قـاليـقـوط ومعه أوامر بمطالبة
«الزامورين» حاكم قاليقوط بالإذن للبرتغاليين بإنشاء مركز تجاري والسماح لخمسة من الآباء الفرنسيسكان بالتبشير بدين المسيح.
لكن الحملة وصلت إلى البرازيل جنوبا بوجه المصادفة، وذلك عندما أراد كابرال أن يتجنب خليج غانة، فاتجه إلى الجنوب الغربي.
ونتيجة لذلك أرسل الملك عمانويل لكشف هذه البلاد الجديدة (أمريجو فسبوتشي) Amerigo Vispucci.
وأما كابرال، فقد أستأنف رحلته حول أفريقية، ووصل إلى قاليقوط في أغسطس سنة 1500م بست سفن من 33 سفينة، ووقع نزاع بين جنوده وبين الأهالي، فقامت ثورة شعبية أفقدته خمسين رجلا، فضرب المدينة بمدافعه، وانسحب إلى بلاده.
ثم أرسل عمانويل حملة أخرى بقيادة فاسكو دا جاما للاقتصاص، وذلك في فبراير ،1502م، وفى الطريق أخذ دا جاما يطبق بالقوة ادعاء مولاه أنه سيد الملاحة ومولاها. فقد اعتبر عمانويل سيادة بحار الهند من حقه وحده، فهو الذي يحتكر التجارة بها ولا يجوز الملاحة فيها دون إذنه. ومعنى ذلك ضرورة الاستيلاء على جميع الموانئ الرئيسية فى البحار. لذلك كان دا جاما يقطع الطريق دون أي تحذير على أية سفينة يلتقى بها في طريقه، ويدمرها.
وبلغت أنباء هذه القرصنة الهمجية أسماع «الزامورين» قبل أن تظهر سفن داجاما أمام الساحل، فاستعد لها، وأمكنه في الاشتباك الذي دار خارج مياه كوتشين» Cochin الإحاطة بها، فانسحب داجاما بسفنه إلى البرتغال.
ولكنه لم يكد يغادر المحيط الهندي، حتى أقـبـل إلـى مـيـاه قاليقوط أسطول آخر من أربع عشرة سفينة برتغالية، وأمكنه مهاجمة الأسطول الهندي، وتدمير جزء كبير منه. وعندئذ أدرك الزامورين أن سفنه لم تعد متكافئة مع مراكب «الكارفيل» البرتغالية الثقيلة التسليح، فطلب مساعدة سلطان مصر، وعندئذ تقدم إلى بحر العرب أسطول مصرى مجهز بأحدث الأسلحة بقيادة «مير حسين».
وقد تلخصت خطة مير حسين العسكرية الاستراتيجية في الوصول إلى جزيرة «ديو» Din الشمال لاتخاذها قاعدة له، على أن تنضم اليه سفن «الزامورين لمهاجمة البرتغاليين في الجنوب. وعندئذ تقدم الأسطول البرتغالي بقيادة «لورنسو دالميدا d'Almeida ابن نائب الملك نحو الشمال من قاعدته في «كوتشين» لملاقاة الأسطول المصري - الهندي، حيث دارت معركة قتل فيها «د الميدا» وعندئذ أطلت الكارثة على البرتغاليين، وأحسوا أن عدوا يكافئهم في العتاد ويفوقهم في المهارة البحرية قد برز لهم في المياه الهندية وأوشكت احلامهم أن تتحول إلى كابوس.
ولكن نائب الملك الدون فرانسيسكو دالميدا» استجمع شجاعته وجمع كل ما أمكنه من سفن وجند، وانطلق شمالا حتى بلغ «ديو» في فبراير سنة 1509م، ووقف ينتظر الأسطول المصري. وهنا ساعدته الخيانة، فإن حاكم «ديو» انضم سرا إلى البرتغاليين وحرم مير حسين من المدد والمؤن. ومرة أخرى لم تكن لذلك الاشتباك نتيجة حاسمة، ولكن الأسطول المصري أسخطته الخيانة فانسحب من المياه الهندية في سنة 1509م.
وبرحيل الأسطول المصري، يمكن القول إن البرتغاليين قد ثبتوا ادعاءهم بأنهم سادة الملاحة في البحار الشرقية. فمع أن قوة الزامورين لم تهزم، واستطاعت «قاليقوط» لمدة 90 سنة تالية أن تتحدى سلطة البرتغاليين بمنطقة «مالابار» الساحلية، وخاضت معهم عدة معارك بنجاح إلا أن البرتغاليين أسسوا لأنفسهم في أعالي البحار سيادة لا ينازعهم فيها منازع، جعلت تجارة البحار الهندية تحت رحمتهم مدة تزيد على قرن ونصف من الزمان. وكان الرجل الذي نظم هذه الامبراطورية البحرية وحملها بالفعل إلى المحيط الهادي نفسه، هو «ألبوكيرك» Albuquerque مشيد السيطرة البرتغالية.
كانت قلعة «كوتشين»، القائمة على جزيرة صغيرة، هي المستعمرة البرتغالية الوحيدة إلى ذلك الحين. وقد قرر «البوكيرك» أنها غير صالحة لمآربه. فوجه همه إلى «قاليقوط» وأرسل الملك
عمانويل شخصية رفيعة المقام هو «الدون فرناندو كوتينو المارشال الأعظم. على رأس حملة من أسطولين، الأول بقيادة المارشال الأعظم، والثانية بقيادة الحاكم البوكيرك، وأقلح الجند في النزول إلى البر، ولكن الالتحام الذي حدث تمزقت فيه قوات البرتغاليين إربا، ولقى المارشال الأعظم مصرعه، وجرح البوكيرك نفسه.
وكان لهزيمة البرتغاليين تحت إمرة أعظم قوادهم عواقب بعيدة المدى، اذ لم يحاول بعد ذلك شعب أوروبي واحد لمدة مائتين وثلاثين عاما، أن يقوم بفتح عسكري، أو يحاول إخضاع أي حاكم هندي. صحيح أن «جوا» Goa احتلت فعلا وحولت إلى قاعدة عظيمة، ولكن ذلك تم بمساعدة الهندوس الذين انحازوا إلى البرتغاليين لكي يضعفوا من قوة السلاطين الهنود المسلمين.
ففي ذلك الحين وحد العداء للإسلام بين الإمبراطورية الهندوكية والسلطات البرتغالية، الأمر الذي يفسر بقاء البرتغاليين «بجوا» بقوة عسكرية لا تذكر. وعلى ذلك فإن فتح جوا لم يؤد إلى تثبيت قدم البرتغاليين كقوة برية ببلاد الهند، بل أدى فقط إلى إنشاء مكان مناسب للعمليات الحربية في المحيط الهندي.
وعلى كل حال، فقد قامت خطة «ألبوكيرك» على ضرورة السيطرة على بلاد الهند باحتلال المنافذ البحرية الموصلة إليها، أي احتلال مدخل البحر الأحمر من جهة، ومدخل الخليج الفارسي من جهة أخرى. فاستولى على «سقطرى» Socotra مفتاح باب المندب وحولها إلى قاعدة بحرية للتحكم فى مياه البحر الأحمر. ثم استولى على هرمز (سنة 1507) في الخليج العربي، وأرسل بعثه إلى ملك أثيوبيا.
وبعد أن سوى شئون البحر العربي، التفت إلى منطقة الملايو والحيط الهادي، لقطع الطريق على التجار العرب الذين كانوا يحملون شطرا ضخما من تجارة التوابل من الجزر الأندونيسية بعد عبورها مضيق ملقا Malacca، إلى موانئ البحر الأحمر.
وكانت مَلَقًا في ذلك الحين ميناء دوليا عظيما، ومفتـاحـا للمحيط الهادي، وهمزة وصل بين الصين والأقطار المجاورة جنوب آسيا وجنوبها الشرقي. فتوجه البوكيرك بأسطول كبير أقلع به من «كوتشين» ووصل أمام ملقا في سنة 1511م، وأحرق السفن التجارية التي يملكها العرب في الميناء، وتم الهجوم على ملقا عيد القديس جيمس الذي يظل برعايته الجيش البرتغالي، بعد أن أكد «ألبوكيرك» لجنوده على الخدمة العظيمة التي سنقدمها للرب بطردنا العرب من هذه البلاد، وبإطفائنا شعلة شيعة محمد، بحيث لا يندلع لها هنا لهيب بعد ذلك»!
وبعد أن ذكر هذه الخدمة للرب، عقب على ذلك بخدمة مصالح البورجوازية فقال: «وإني لعلى يقين من أننا لو انتزعنا تجارة ملقا هذه من أيديهم (المسلمين)، لأصبحت كل من القاهرة
ومكة أثرا بعد عين، ولامتنعت على البندقية كل تجارة التوابل مالم يذهب تجارها إلى البرتغال لشرائها هناك».
وسقطت المدينة، وانتهبت، وبيع المسلمون الذين نجوا من السيف بيع الرقيق. وعندما أرسل حاكم «جاوة» أسطولا إلى مياه «ملقا» لمساعدة سلطان ملقا المخلوع، شتتت مدافع سفن البرتغاليين شمله.
وبهذا النصر أسس البرتغاليون سيادتهم البحرية على بحار جاوه. ومنذ تلك اللحظة صار في استطاعتهم تأليب الحكام بعضهم على بعض في الحروب الدينية التي كانت منتشرة آنذاك بجزيرة جاوة. ولكنهم لم يحرزوا أي تقدم يعتد به حتى دخلت الميناء - من الشرق - سفينة أوروبية فى ربيع سنة 1521م هي: «فكتوريا» سفينة ماجلان التي عبرت المحيط الهادي من أمريكا، وانزعج البرتغاليون لمقدمها فسارعوا إلى تثبيت مركزهم السياسي بعقد المعاهدات مع القواد المحليين.
وبتقدم البرتغاليين البطيء فى الجزر واحدة بعد أخرى وظهورهم أمام الساحل الصيني انتهت الفترة الأولى لتفوق البرتغاليين بالمياه الآسيوية، وصار احتكارهم لتجارة التوابل راسخا وطيدا.
ويهمنا عند هذه المرحلة أن نوضح نتائج هذا التوسع البرتغالي في آسيا. لقد كان العمل الرئيسي الذي قاموا به هو
إجلاء التجار العرب من البحر، والقضاء الفعلي على الاحتكار الذي ظلوا يستمتعون به أمدا طويلا. ولم يكن في ذلك شيء لا يرحب به الهندوكيون.
ولذلك لانعدو الصواب إذا قلنا إن البرتغاليين لم يجدوا عداوة في بلاطات الحكام الهندوكيين إلا بقاليقوط التي تعتبر حالة خاصة لأنها كانت الدولة البحرية الضخمة الوحيدة على الساحل وكانت مدعيات البرتغاليين في السيادة على البحر لا تتفق مع سيادتها، فضلا عن أن رفاهية قاليقوط ظلت مدة تتجاوز أربعمائة عام مرتبطة بنشاط تجار التوابل العرب. ومن ذلك نستطيع أن نفهم دوافع عداء الزاموريين.
النقطة الثانية، أن البرتغاليين بعد إحدى الهزائم الحاسمة التي منوا بها في قاليقوط، جردوا أنفسهم فيما يبدو من كل أطماع كانت تخامرهم نحو امتلاك الأراضي ببلاد الهند الأصلية. فإن محصلة الأملاك التي امتلكوها هناك لاتعدو جزیرتي «ديو» و «بومباي» ومراكز تجارية بأماكن مختلفة على الشاطئ، فضلا عن «جوا » مقر نائب الملك، وقلعة «كوتشين». وفى الفترة التالية، وطدوا سلطانهم على الخطوط الساحلية بسيلان، ومدوا آفاق تجارتهم في جزر أندونيسيا، وأسسوا شيئا من العلاقة مع الصين واليابان.
ثالثا، منذ أن استتب الأمر للبرتغاليين عكفوا في الفترة التالية على استنزاف أقصى ما يستطيعون استنزافه من المنافع من احتكارهم التجاري، فقد ظلت سفنهم ستين عاما تعود في كل أن إلى البرتغال محملة بتوابل الشرق وجواهره وحريره.
على أن انتشار المذهب البروتستانتي فى أوروبا كانت له نتائج مؤثرة على الاستعمار البرتغالي. فان ذلك الانتشار أبطل، فيما يتعلق بالأمم البروتستنتية، منحة البابا للبرتغال باحتكار التجارة بالشرق. كما تغير ميزان القوى فى أوروبا رويدا رويدا. فبعد هزيمة الأرمادا التي ظن أنها لا تقهر، وتشتيت شملها، صار في إمكان دول أوروبا البحرية اقتحام المياه الهندية، كما أن مركز تجارة التوابل أخذ ينتقل من لشبونة إلى المواني العظيمة بالأراضي المنخفضة في أثناء القرن السادس عشر، حيث كان الاقبال على التوابل أعظم في مناطق أوروبا الشمالية. وفي الواقع أن أهمية لشبونة كانت ترجع بصفة رئيسية إلى أنها المستودع لتلك البضائع الضرورية.
ولكن التجارة في أوروبا كانت بأيدي تجار «انتورب» -ANT WERP التي كانت منذ البداية مركزا لتلك التجارة. فنلاحظ أن هؤلاء التجار عندما أدركوا الانقلاب الهائل الذي أحدثته الاستكشافات الجغرافية بالتجارة، سارعوا إلى مد الحكومة البرتغالية بالعون المالي لإتمام هذه الكشوف. فيقال إن آل «ويسلر» قد أسهموا في نفقات البعثات البرتغالية التي تمت في 1505م، ووجدت الحكومة البرتغالية أن الضرورة تقضى عليها منذ سنة 1503م أن تفتح مستودعا للتوابل بمدينة «أنتورب».
وإلى خطة التعزيز المتواصل هذه من جانب تجار انتورب للملك عمانويل، يجب أن ينسب النجاح الذي أحرزته الأساطيل البرتغالية بالبحار الشرقية.
على أن التجار الهولنديين لم يلبثوا أن أخذوا يتمردون على أسعار الاحتكار التي كان يطلبها البرتغاليون، خاصة بعد أن اتضح لهم أن تحدى قوة البرتغاليين في البحار الشرقية كان من السهولة بمكان.
وفي سنة 1592م عقد كبار التجار الهولنديين بأمستردام اجتماعا قرروا فيه إنشاء شركة الهند الشرقية المتحدة-The East In .dia Company of the United Netherlands، وبدأ بذلك دور الاستعمار الهولندي.
على كل حال، ففي الوقت الذي كان البرتغاليون يمدون إمبراطوريتهم في آسيا على النحو الذي مر بنا، كانوا يفعلون نفس الشيء في أفريقيا مع بعض الاختلاف، وهو ما نوضحه في الآتي.
بدأ النشاط الاستعماري البرتغالي في غرب أفريقيا حين تأسست بتشجيع هنرى الملاح شركة برتغالية للتجارة في العبيد والذهب على ساحل غانا. وفى عام 1469م بعد أن أصبحت تجارة غانا موردا مهماً من موارد الحكومة، منحت أحد البرتغاليين واسمه GOMES حق مزاولة التجارة فى هذه البلاد مدة خمس سنوات، مقابل ضريبة يدفعها للحكومة، ومقابل اكتشاف جزء من الشاطئ الأفريقي لا يقل عن مائة فرسخ (الفرسخ ثلاثة أميال).
وفي عام 1482م قام البرتغاليون ببناء قلعة على ساحل الذهب لحماية تجارتهم، وعرف هذا المركز الاستراتيجي المهم باسم (ساو جورج دامینا) Sao Jorge da Mina.
وفي نفس العام الذي تم فيه بناء هذا المركز، وفي العام التالي، وصل دييجو كام إلى مصب نهر الكونغو. وقد سجلت الوثائق البرتغالية أن ملك الكونغو رحب بهؤلاء البرتغاليين الأوائل وأمر شعبه باعتناق المسيحية ففعلوا.
(ولم يكن ذلك غريبا، فقد فعل المجر ذلك في القرن التاسع عندما استوطنوا ضفاف الدانوب قادمين من الشرق).
مع الكونغو انتقل النفوذ البرتغالي إلى أنجولا. وكان البرتغاليون قد اكتشفوا ساحل أنجولا سنة 1490م، ولكنهم لم يستقروا بها إلا بعد 60 عاما، أي في عام 1547م، بناء على طلب الرئيس المحلى.
على أنهم بعد أن اضطروا إلى التورط في عديد من النزاعات القبلية التي لم يستفيدوا منها شيئا، عادوا فقرروا العمل بصفة مستقلة دون الارتباط بأي رياسة محلية.
وعلى ذلك عادت القوة البرتغالية المتبقية إلى بلادها. وفي سنة 1074 وتنفيذا للسياسة الجديدة، أرسلت حملة جديدة بقيادة باولو دياز Paulo Diaz، الذي كان على رأس الحملة السابقة، فعاد الآن بوصفه فاتحا للمناطق الأفريقية وحاكما عليها، ومعه 700 جندي. وقد احتل جزيرة صغيرة أمام الخليج المسمى الآن «ساو
باولو دي لواندا»، ثم بنى على الساحل الأفريقي قلعة، وأسس مدينة ساو باولو Sao Paulo التي أصبحت فيما بعد الممتلكات البرتغالية فى غرب أفريقية. ولم تأت السنوات الأخيرة من القرن السادس عشر، حتى نجح البرتغاليون في مد سيطرتهم على مناطق واسعة.
على أن هذا الوجود البرتغالي فى أنجولا لم يلبث أن تعرض لخطرين في خلال النصف الأول من القرن السابع عشر:
الخطر الأول: ثورة زعماء القبائل بقيادة امرأة تنتمي للأسرة الحاكمة في الكونغو تدعى جينا باندي Gina Bandi، واستمرت هذه المرأة تقاوم البرتغاليين لمدة ثلاثين سنة، حتى استطاعت أن تطردهم من عديد من المراكز التي كانوا قد أسسوها.
أما الخطر الثاني فهو من جانب القوة البحرية الجديدة في أوروبا التي رفضت احتكار البرتغاليين لمكاسب ما وراء البحار وهي قوة الهولنديين. فقد حاول هؤلاء السيطرة على أنجولا واستطاعوا احتلال ساو باولو بالفعل سنة 1641م.
على أن البرتغاليين لم يلبثوا أن عادوا فتمكنوا من طرد الهولنديين. وأعقب ذلك امتداد نفوذهم في أنجولا، حتى إذا كان عام 1758م، استطاعوا مد نفوذهم شمالا من ساو باولو، وفي الجنوب منها حتى خط عرض 15، مما خلق أخيرا مستعمرة البرتغال الكبرى في غرب القارة والمعروفة باسم أنجولا.
أما على ساحل غينيا، فإن مركز البرتغاليين قد تزعزع فإن القلاع التي بنوها على ساحل الذهب لم يسيطروا عليها طويلا، إذ انتزعها منهم الهولنديون في بداية القرن السابع عشر، وانحصرت سيطرتهم على المنطقة الممتدة بين «جامبيا» و «سيراليون»، والتي عرفت باسم غينيا البرتغالية، واتخذ البرتغاليون الإجراءات الكفيلة بتحويل مراكزهم المتناثرة في هذه المنطقة إلى منطقة سيطرة فعلية.
هذا فيما يختص بالاستعمار البرتغالي في غرب أفريقيا. أما في شرق أفريقيا، فقد أدت الرغبة في إقامة محطات في الطريق إلى الهند إلى استيلاء البرتغاليين على جملة مراكز على الساحل الشرقي لأفريقية. وبطبيعة الحال فقد لقوا في هذا الشأن متاعب أكبر نظرا لسيطرة العرب على أغلب هذه المراكز، ولكن المدافع الحديثة كانت لها الكلمة الأخيرة.
وعلى هذا النحو لم تأت سنة 1520م حتى كان البرتغاليون قد اس تولوا على «كلوة» Kilwa و «زنزیار» Zanzibar و«مومباسا» Mombasa، و «مالندي» Malindi، و«مقديشيو»، Mag discio «بمبا» Pemba . بل كل ما يقع شمال نهر «روفوما» Rovuma ولكنهم لم يحتلوا موزمبيق إلا في سنة 1530م، وأنشئوا بها حصوناً حربية، ثم تحولوا إلى سوفالا.
وكانت سوفالا Sofala ثغرا عربيا ومركزا لسطنة ظلت. لخمسمائة عام أهم مراكز شرق أفريقيا، بسبب وجود الذهب في
مناجم «مونوموتابا» في روديسيا الجنوبية. وكان ذهبها يحمل إلى البحر الأحمر والخليج الفارسى وسمى هذا المركز سوفالا ولكن أهمية موزمبيق تقدمت حتى أعطت اسمها للمنطقة كلها.
وفي سنة 1544م أسس البرتغاليـــون مـركـزا لهم في کیلیمانی Quelimane وهناك سمعوا عن مملكة مونوموتابا، وما فيها من ذهب وفير، فعولوا على الدخول إليها عن طريق نهر زمبيزى Zambezi، لأنهم وجدوا الوصول إليها عن طريق سوفالا مستحيلا بسبب. عداء الأهالي، وجهزت لذلك حملة سنة 1569م، ولكن الذباب أخذ يفتك بخيولها، كما أرغمتها هجمات الأهالي على العودة بعد أن أبيد معظمها.
ولم تلبث أن تحالفت ثورات القوى الوطنية مع المحاولات العربية لاستعادة النفوذ العربي، مع منافسة القوى الاستعمارية الأخرى، على حصر النفوذ البرتغالي على الساحل، وتحطيم السيطرة البرتغالية في شرق أفريقيا في النهاية.
فقد قاومت القبائل المحلية التغلغل البرتغالي إلى الداخل في أوائل النصف الثانى من القرن السادس عشر. وفي نهاية هذا القرن تحولت هذه المقاومة إلى ثورات انتشرت في أغلب مناطق السيطرة البرتغالية. وكان أقواها تلك التي قادها «ماكوا» Makua في منتصف القرن الثامن عشر، وأجبرت البرتغاليين على إخلاء قلاع بلاد مناجم الذهب في أعالي الزامبيزي، وسقوط القلاع المواجهة لموزمبيق في أيدى الثوار.
ومن ناحية أخرى، فقد ظهر الهولنديون، الذين كانوا قد بدعوا نشاطهم في المياه الهندية منذ سنة 1609م، وهاجموا موزمبيق الأمر الذي دفع البرتغاليين إلى فصل أملاكهم الأفريقية عن إمبراطورية الهند، وتعيين حاكم عام عليها.
ولم يلبث البريطانيون أن ظهروا في المياه الهندية سنة 1649، وتبعهم الهولنديون الذين أسسوا مستعمرة جنوب أفريقية. كما ظهر الفرنسيون في مدغشقر. في حين استولى العرب على أملاك البرتغاليين فى مسقط، ثم أخذوا في مهاجمة هذه الأملاك على ساحل زنزبار، وأخذت هذه الهجمات تشتد خلال السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر.
حتى إذا كانت سنة 1698م ، كان البرتغاليون قد فقدوا كل قلاعهم شمال موزمبيق، حتى كادت تسقط موزمبيق نفسها، ولم يبق فى يد البرتغاليين على الساحل الزنزبارى سوى «ممباسة»، التي أخليت بدورها سنة 1730م بمقتضى اتفاق مع إمام مسقط الذي أسس دولة زنزبار الحديثة.
وهكذا تقلص النفوذ البرتغالي فى شرق أفريقيا، وأصبح محصورا في المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم مستعمرة موزمبيق البرتغالية، التي تحددت بنهر «روفوما» في الشمال وبحيرة «نياسا» في الغرب و «سوازى لاند» في الجنوب.
ويهمنا هنا أن نوضح نتائج الاستعمار البرتغالي في أفريقيا:
أولاً: لم يزد هذا الاستعمار في الحقيقة على نقط ومواقع عسكرية منتشرة على السواحل، ولم يمتد أبدا على مساحات واسعة من اليابس. وكان نمطه أقرب ما يكون إلى نوع الاستعمار الاغريقي، فيما عدا انه لم يعرف الاستعمار السكني. وفي الحقيقة انه لم يكن لدى البرتغال - حتى لو أرادت - المقدرة على الاستعمار السكني، لسبب بسيط هو أن عدد سكانها في عصرها البطولي هذا لم يكن يزيد على المليون نسمة. لذلك ظل الاستعمار البرتغالي استعمارا تجاريا بالدرجة الأولى، فهو في آسيا استعمار التوابل وهو في أفريقيا استعمار الذهب والعبيد.
ثانياً: كان الغرض من إقامة المراكز العسكرية على السواحل في أفريقيا الاتجار بالعبيد فقد كانت هذه المراكز التجارية مجمعا للعبيد الذين يجلبون من مختلف الأجزاء الداخلية ريثما تصل المراكب لتحملهم إلى البلاد التي تطلبهم. وكانت الأميركتان أكبر عميل لهم. وقد اعتمد هؤلاء التجار البرتغاليون على زعماء القبائل الموجودة في الداخل، فعقدوا معهم ا لتموينهم بالعبيد، أو مساعدتهم للإغارة على أعدائهم واصطياد العبيد منهم. وكانت هذه المراكز التجارية تحرس بواسطة الجندي البرتغالي.
ثالثاً: على الرغم من أن أفريقيا كانت تعرف الرق منذ قرون سابقة، فإن اشتراك البرتغاليين فيه على نطاق واسع، فضلا عن
استغلالهم الخلافات المحلية بين القبائل، قد أدى إلى دمار المجتمعات الأفريقية، فانتشر البؤس والخراب ودفعت المجاعات والانحلال الخلقي الناس إلى اتباع عادة أكل لحوم البشر، الأمر الذي تجمع المصادر على أنه لم يكن أبدا من مظاهر النظام القبلي الأفريقي أو عاداتهم القبلية.
رابعاً ركز البرتغاليون همهم في جمع الرقيق، ولم يتحولوا إلى العاج أو النحاس إلا فيما بعد. ولكن هذه المعادن لم تكن وفيرة فظلت تجارة العبيد تجارتهم الرئيسية، فقد كان الطلب عليها لا ينتهي، للعمل في المناجم ومزارع قصب السكر في جزر الهند الغربية وجيانا البرتغالية في أمريكا الجنوبية.
وقد سجلت الوثائق أن عدد العبيد الذي صدر من سنة 1486م إلى س سنة 1641م كان يصل إلى 9 آلاف كل عام، ثم زاد بعد ذلك حتى وصل في القرن الثامن عشر إلى 25 ألفا كل عام، ثم إلى 30 ألفا في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر.
خامساً: تشهد الوثائق أيضا بأن هؤلاء العبيد كانوا في مستوى اجتماعي واقتصادي أعلى من الهنود الحمر، بل لعله كان من بعض النواحي أعلى من المستعمرين البيض.
وكان الدور الذي لعبه هؤلاء العبيد في خلق البرازيل عظيما، على الرغم من الظروف السيئة التي عاشوا فيها، فقد كان هذا
الدور أعظم بكثير من دور الوطنيين، بل أعظم من دور البرتغاليين أنفسهم، اذ كانوا اليد اليمنى التي اعتمدوا عليها في خلق المجتمع الزراعي في البرازيل، في حين كان الهنود بل البرتغاليون اليد اليسرى. فضلا عن ذلك، فقد كانوا السبب في إدخال زراعة الكاكاو والفلفل والدخان والأرز هناك.
سادساً: على الرغم من الصبغة الدينية التي اتسمت بها أعمال الاستعمار البرتغالي، وعلى الرغم من دور البابا نيقولاس في تشجيع الاستكشافات، وتحديده مناطق التوسع بين البرتغال وأسبانيا ببركته الأبوية فى معاهدة «تور دو سیلاس» Tordosellas فإن الكنيسة لم تتدخل فى تجارة العبيد الهمجية، قانعة بالأسلاب وكل ما كانت تطلبه هو تعميد العبيد المرسلين إلى الأمريكتين أولا، حتى يتيسر إنقاذ أرواحهم!
هذا على كل حال فيما يتصل بالاستعمار البرتغالي في آسيا وأفريقيا، أما ما يتصل بالاستعمار البرتغالي في أمريكا اللاتينية فهو يختلف من جميع الوجوه عن استعمار آسيا وأفريقيا. فاستعمار آسيا وأفريقيا، كما رأينا، هو استعمار بحري ساحلي يقوم على التجارة، ويرجع السبب في ذلك إلى كثافة السكان في العالم القديم. أما بالنسبة لاستعمار البرازيل، فهو استعمار قاري استيطاني أساسه الزراعة.
وقد رأينا كيف أن كبرال البرتغالي قد تمكن من كشف البرازيل مصادفة وهو في طريقه إلى الهند، فصارت تلك البلاد من نصيب البرتغال تبعا لمعاهدة «توردوسيلاس» بين البرتغال وأسبانيا سنة 1494م، التي تقرر فيها أن تكون كل الأراضي التي تكتشف شرق خط يبعد عن الرأس الأخضر بـ 270 فرسخا (الفرسخ ثلاثة أميال من نصيب البرتغال، وأما التي تقع غربه، فتكون من نصيب أسبانيا وكان الاتفاق السابق في سنة 1492م ينص على 100 فرسخ فقط).
وفي السنة التالية لكشف كابرال البرازيل، أرسلت البرتغال أمريجو فسبوتشي Amerigo Vispucci، وهو فلورنسي ترك خدمة الأسبان ودخل خدمة البرتغال، إلى البرازيل، فتمكن من السير بجوار ساحل البرازيل من رأس سانت روك» إلى «ريودي جانيرو»، ثم إلى نهر «لابلاتا»، وكتب إلى صديق له في فلورنسا رسالة بعد عودته إلى «لشبونة» تكلم فيها عن العثور على عالم جديد. ولذلك أطلق اسمه على القارة.
وقد ظلت البرازيل في البداية، أي بعد اكتشافها على يد أمريجو فسبوتشي، مجرد نقطة تموين للبرتغاليين في الطريق إلى الهند لا أكثر، فقد كان لديهم عمل آخر يعود بربح أكبر هو تجارة الشرق. ولذلك مضى وقت طويل قبل أن تضم البرازيل إلى مجال مشروعات البرتغال فيما وراء البحار، خصوصا عندما أخذت تفقد إمبراطوريتها في الشرق.
على أن البلاد لم يكن بها ثروة الا الزراعة المدارية التي تحتاج إلى أيد عاملة كثيرة وبعاديات واسعة. وفي الوقت نفسه لم يكن هناك عدد متوفر من البرتغاليين كافيا لفتح البلاد واستعمارها. فقد كان عدد سكان البرتغال لا يزيد على مليون - كما ذكرنا - كما أن المغامرات الشرقية استنفدت عدداً كبيراً من سكانها، ولذلك كان عليها أن تبحث عن موارد أخرى من الأيدي العاملة. غير أنه لما كان الهنود الحمر لا يصلحون، لعدم ميلهم للعمل المنظم، فمن هنا بدأ جلب الرقيق الأفريقي بأعداد ضخمة، حتى تضاءل إلى جوارهم عدد البرتغاليين كثيرا.
وبالاختلاط المفرط بين دم البرتغاليين أنفسهم ودم كل من الهنود والزنوج، شارك البرتغاليون في حل مشكلة السكان في البرازيل. وعلى هذا النحو تكونت البيئة الاجتماعية للبرازيل.
وقد أدخل البرتغاليون زراعة القصب في البلاد حتى أصبح في وقت مبكر أساسا مهما في اقتصادها، وذلك إلى جانب محصولين ثانويين مهمين هما: الطباق والقطن.
وعلى الرغم من أن القبائل البرازيلية كانت قبائل مقاتلة فإنها عجزت عن تكوين جبهة متحدة ضد البرتغاليين، وقد حدث بعض القتال المتقطع، ولكن البرتغاليين الذين جاءوا مستعمرين. تجنبوا العداوات الصريحة ما استطاعوا.
وقد قامت الحياة الاقتصادية في البرازيل على الأبعاديات (المزارع الكبيرة) التي كان يملكها أفراد الطبقة الأرستقراطية البرتغالية، ويعمل فيها الرقيق، وظلت الزراعة المدارية هي أساس الاستعمار البرتغالي هناك.
الاكثر قراءة في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)